الخليجي الذي لا نعرفه

الأربعاء 2014/01/15

بكثيرٍ من التّسيب الاضطراري؛ يستطيعُ الكائنُ العربي اليوم الجزْمَ بأنّه بات خارج المعقول. ليس ثمة مبررات كافية تدعوه للحديث عن الأمل، وممارسة الاسترجاع المثالي لفكرة الخلاص أو التخلص من الوطأة المُستعصية للكوارث. في الخليج العربي، يُتاحُ للمرء أن يكتسبَ جرعاتٍ “مصطنعة” للمداواة من الأمراض المُزمنة، وخصوصاً تلك التي تداهمه حين تتراكم عليه استحقاقات الانتماء إلى “الصنف العربي”. ولكن الخليجي، لسوء حظه الكوني، بات جزءا من صناعة “اليأس” في الكيانات والكائنات العربية اليوم. ولكنه يفعل ذلك بقْدر كبير من الرسولية المغطاة بالأوهام.

الهوية- في الدرس الخليجي- لا تعني شيئا ذهنيا خالصا، أو الاختيار من بين انتماءات متعددة. الهوية هي تهيئة الجسد لارتداء آخر المُوضة، ولكن وفْق التّصميم الذي يُفرَضُ عليه. والفرضُ، في المَعاش الخليجي، ليس هو الإجبارُ والقمع فحسب، بل هو أيضاً الاختيار الفوقي الذي يُعطى له ساعة الميلاد أو لحظة نُطْق الشّهادة. اختيارٌ يُطعّمُ بالانتساب إلى السّماء والاصطفاء الرّباني الذي جعلهم “أوّل الأمة الخيّرة” التي أُخرجت للنّاس. يُمارس الخليجي الفروضَ اليوميّة بقدرٍ كبيرٍ من الافتخار، ولا يجدُ إرادته “الحرّة” إلاّ وهي مُحاطةٌ بطقْمٍ ذهبيّ من الإكراهات، بما في ذلك إكراهات الانتماء “القسْري” للعرب، بوصفهم واقعاً مُلتبِساً- على الدّوام- بالأزمات. في النّتائج؛ الخليجي يطلبُ الديمقراطيةَ لغيره من “العرب”، ويكتفي هو بهويته التي تتيح له التراضي مع الموروث والأمر الواقع، والقبول بأيّ نموذج يمنحه الشّعور بالتّمايز “الهوياتي”، ويوفّر له “النعمة” الموفورة، وهو لا يطمعُ بأكثر من ذلك، إلاّ إذا جاء عبْر المكرمات.

الخليجي إنسانٌ طيّبٌ، وذو ميولٍ لاكتشاف الجديد الذي لا يُزعجُ ظاهره الدّيني. الإنسانُ الخليجي حريصٌ على صَلاته، وصَومه، وتأديةِ فروض الطّاعة لوليّ الأمر. هوَ لا يهدأ في “تويتر” ضد “الطّغاة” و”الكفرة”، ويصليهم بناره كلّ يوم. يشعرُ أنّ واجباً أصيلاً يحثه على ذلك، ولا يذهبُ إلى مَنامه قبل أن يطمئن بأن “تغريداته” فعلت مفعولها؛ أوْجعت مُخالِفاً أو أعجبت مؤيّداً. لا مشكلة لديه في الانتقاص من منسوبِ حرّيته، أو تجييره- دون رأي منه- لمشروعٍ وشعارٍ كان قبل اليوم لا يهمّه أو يرفضه مثل دعوةٍ أتى بها زنديقٌ متنطّع، أو ثائر باعَ دينه لأجل دُنياه. المهم ألاّ يكون ذلك على حساب منسوب معاشه، أو أن يكون الثّمن هو الانقطاع عن صلاةِ يوم الجمعة. في هذا اليوم المبارك، تتجمّعُ لدى الخليجي كلّ طاقاته في الإظهار والإخفاء. يُظهِر الالتزامَ والخشوعَ داخل الجامع. يرفعُ كفّه إلى السماء، طالباً الرّحمة والمغفرة. وفي الوقت ذاته، يُخفي- بإتقانٍ عباديّ صارم- كلّ ما فعلَ وقالَ قبل دخول الجامع. يُخفيه إنكاراً لا ندَماً. يُخفيه عن نفسه، وكأنه كائنٌ غير الأمس، وقد ظهرَ للتّو على السّطح. إنّها مهارةٌ فائقة، قليلٌ غير الخليجيين منْ يُتقنها. ولهذا السبب، ربما، أصبحوا مؤهلين أكثر من غيرهم للقيام بالأدوارِ الكبرى، المحورية، والمليئة بالتبدل في العالم العربي الذي انتقصَ من هويته، وانتفض على غيرها في الوقت نفسه.

في زمن الثّورات العربيّة، شعرَ الخليجي بأن اختبار الهويّة ليس عاديّاً. هو إمّا أن يذهب وحيداً، لا يشغله وجعُ الهويّة المتخيّلة، ولا يهمّه انزعاجُ الخروج النّاعم عليها. وهذا يعني أن يُقيم بداخله ثورةً؛ تفتحُ له الطريقَ للقبول بثورات الآخرين. هذا الخيارُ لا يُطيقه الخليجي بطبعه، حيث لم يعتد على تفكيك الأنساق التي يتوارثها، ولا الجهْر الصّريح بعدم صوابها وأنّها فقدت صلاحيّتها. والذين ذهبوا وحدهم نحو الثّورات، من غير أن يحملوا معهم ثورتهم الخاصة؛ اضطربوا، وانفجرت بهم، وفي وجوههم، الثوراتُ بعد حين. ترى مثل هؤلاء في أولئك الذين انبهروا بالميادين المُلتهبة، ووجدوها خلاصاً مُنتَظراً لهم، ولكنهم سرعان ما وجدوا أنفسهم حيارى أمام الأسئلة الحائرة: “ماذا عنكم؟ أيمكنُ لفاقد الديمقراطية أن يكون مُناصِراً لها، ومقاتلاً لا يهدأ من أجلها؟”.

تلاشى الخليجيّون أمام هذه الأسئلة، وقد كانوا مُلزمَين أن يضعوا أنفسهم في مواجهةٍ دائمة لإثبات نقائهم، مستخدمين حزمة من التّبريرات والحِجج المُدوّرَة. كان ذلك إيذاناً بابتلاء هؤلاء بمواقفهم والتورّط اللّزج بها، وكان من الطّبيعي أن ينكمشوا كلّما تفاقمَ اضطرابُ الثّورات، واشتدّت عليها أسئلةُ المستقبل والخيارات البديلة.

في مقابل ذلك، ثمّة خليجيّون يقفون فوق أرضٍ أخرى لملاقاة الثّورات. لم يذهبوا إليها مُنفردين. طلبوا العونَ من ولاةِ الأمر، لكي يعرفوا منهم متى وكيف يمنحوا كرمَهم للثّورات. وُصم هؤلاء بالاتباعية وبقائمة طويلة من تُهم الانْسياق والجاهزية. لكنهم كانوا أقلّ ثقلا على ثورات الآخرين، وما كانوا مضطرين لشحن الفضاء الإلكتروني بالمُشاحناتِ ومُلاحَقة المُناوئين. وهم بذلك كانوا رحمةً على أنفسهم، وعلى الآخرين المشغولين بترويج الثّورات أو بردْمها.

ليس على أحدٍ أن يكون مبتوراً في الحُكم على الخَليجيين. يجبُ أن نكونَ مُدركين بأنّ الخليج أضْحى بؤرةً تستقطبُ نواتجَ الأزمات التي يرتكبها الآخرون. والخطيرُ أنّ في بيئةِ الخليج ما ينسجمُ- باستفزازٍ مشاكس- مع استقطاب تلك النّواتج القادمة من المُحيط المُتشدّد. تفشّي نوازع التّشدّد في الخليج؛ التقى مع الانهيار المُتدحرج للهويّة الخليجيّة، تلك الهويّة التي تجمعُ كلّ ملامح “الوداعة” والقبول السريع والتّسليمي بما يقره الولاة.

تغير ذلك واجتمعَ التّشدّدُ مع الانهيار، وانْسلّت حصيلتهما مع الطّموحات المتنامية للجيل الجديد الذي يأملُ أن يأتي زمانه. وعند هذه النّقطة ترتسمُ أولُ صور الخليجي المتشبّث بالماضي من جانب، والتّائه في مقولاتِ ما بعد الحداثة من جانبٍ آخر.


كاتب بحريني

9