الخليج أكبر مستضيف.. السوريون لا يريدون ملجأ بل فرصة عمل

تقدّم دول الخليج العربي مساعدات متعددة الجوانب للاجئين السوريين، لكن رغم ذلك كثيرا ما توجّه لها اتهامات، من قبل الإعلام والمسؤولين الغربيين، بأنها لا تفتح أبوابها لاستقبال السوريين الهاربين من سعير الحرب في بلادهم، وهي انتقادات تفتقد للموضوعية والدقّة وساهم في انتشارها صمت الإعلام الخليجي عما تقدمه دول مثل السعودية والإمارات، التي ترفض أن تطلق صفة لاجئ على السوريين الذين لجأوا إليها بل تعاملهم باعتبارهم مقيمين، الأمر الذي يقف وراء عدم تعداد هؤلاء السوريين في دول الخليج من قبل المنظمات الدولية المعنية بهذا الأمر.
الثلاثاء 2016/07/05
مساعدتكم واجب

تناول الإعلام الدولي الكثير من المعلومات والأخبار عن شؤون اللاجئين السوريين، منها ما هو دقيق ومنها ما هو مبالغ به ومنها ما هو مشوّه، سواء عن قصد للتهجم على دول أخرى وليبرر رفض بلاده استقبال المزيد أو دون قصد نظرا لعدم توفر إحصائيات أو معطيات عن بعض الدول المستضيفة.

بلغت أعداد السوريين اللاجئين والمهاجرين، حسب الإحصائيات الرسمية، الملايين بالإضافة إلى المشردين داخل سوريا، فقد تنوعت الأرقام مع تنوع المصادر الرسمية الصادرة عن عدة جهات دولية، إلا أن العدد الحقيقي في كل الأحوال يفوق تلك الأرقام الرسمية.

ويقدّر متابعون للشأن السوري عدد اللاجئين داخل سوريا وخارجها بأنه وصل إلى حدود 15 مليون سوري، بينما آخر رقم رسمي صدر عن المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين نهاية العام الماضي، كان يتحدث عن تشريد أكثر من 11 مليون سوري، داخل البلاد وخارجها.

وارتفع عدد اللاجئين السوريين في دول الجوار إلى أكثر من 4.5 مليون لاجئ، أغلبهم متواجد في تركيا. أما في الداخل السوري، فقد بلغ عدد المشردين من قراهم ومدنهم جراء الحرب 7.2 مليون لاجئ. ووفقا لأرقام المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، فقد بلغ عدد اللاجئين السوريين في تركيا حوالي مليوني لاجئ.

بلغ عدد اللاجئين السوريين في لبنان حوالي 1.2 مليون لاجئ، في حين بلغ عددهم في الأردن حوالي 650000 لاجئ، ووصل عدد اللاجئين السوريين في العراق إلى حوالي 250000 لاجئ. وفي مصر بلغ حوالي 135000 لاجئ، في حين يوجد حوالي 50000 لاجئ سوري في باقي دول شمال أفريقيا.

لكن، لا تعكس هذه الأرقام التعداد الحقيقي، فهناك الكثير من السوريين الذين هربوا من جحيم الحرب إلى الخارج ولم يسجلوا في أي منظمة دولية بل حاولوا إعادة بناء مستقبلهم بأياديهم وبأساليبهم الخاصة، مما يجعل عدد السوريين أكبر بكثير من هذه الأرقام.

كما أن المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة لا تضع إحصائيات لهؤلاء الذين خارج نطاق خدماتها، فعلى سبيل المثال هناك الملايين من السوريين في دول الخليج تم منحهم إقامات تخولهم العمل والبقاء هناك رغم أن بعضهم انتهت إقامته الرسمية السابقة، بالإضافة إلى العديد من السوريين الذين توافدوا إلى دول الخليج مع بدء الحرب السورية أو خلالها، كذلك لا يمكن نسيان من جاء بدافع “لم الشمل” للانضمام إلى أحد أفراد عائلته هناك.

التقصير يعود في الأصل إلى الإعلام العربي الذي لم يعط دول الخليج حقها بما قدمته من مساعدات للسوريين

وقد سهلت دول الخليج للسوريين تجديد تأشيراتهم ولم تجعلها ملزمة بعقد عمل للبقاء داخل هذه الدول في محاولة لإعطائهم الفرصة في البقاء والبحث عن فرصة عمل لائقة بهم.

ونظرا لعدم تعداد هؤلاء السوريين في دول الخليج من قبل منظمات دولية، لاحظنا انتقادات كثيرة من وسائل الإعلام الدولية التي للأسف تتحامل على وجود اللاجئين في أوروبا وتحاول طردهم بحجج غير صحيحة والقول إن “دول الخليج لم تستقبل لاجئين سوريين”.

ولم يعقد مؤتمر عن اللاجئين السوريين إلا وذكر البعض من المتحدثين فيه أن دول الخليج لا تستقبل لاجئين سوريين، وأيضا ذهبت بعض الصحف الأوروبية للدعوة إلى إعادة السوريين إلى دول الجوار مستخدمة ذريعة “عدم وجود لاجئين في الخليج العربي”.

صحيح أن دول الخليج لا تطلق صفة “لاجئ” على السوريين المتواجدين هناك بل تمنحهم صفة “مقيم”، وقدّمت لهم مزايا عديدة منها التعليم المجاني والخدمات الصحية المجانية بالإضافة إلى حق العمل وحرية الحركة.

الميزة الخليجية

ما نسيه الإعلام الغربي أن أغلب السوريين، إن لم أقل كلهم، لم يخرجوا ليصبحوا عالة على الآخرين بل بحثا عن الأمان وفرصة العمل، فالسوريون يريدون أن يبنوا مستقبلهم خارج بلادهم إلى أن يحين وقت العودة كي يعيدوا بناء بيوتهم ووطنهم. السوري بحاجة إلى فرصة عمل وحياة كريمة وهذا ما أتاحته الكثير من دول الخليج.

هذه الميزة الخليجية التي لم يعتن الإعلام الغربي بتغطيتها، أصبحت قدوة حتى لمنظمات منبثقة عن الأمم المتحدة التي بدأت تفكر أنه طالما أن الأزمة السورية طويلة وأن التكاليف عالية لتأمين احتياجات اللاجئين، فلماذا لا نساعدهم أو نساعد الدول المستضيفة لإقامة فرص عمل في دول الجوار أي الأردن ولبنان وتركيا.

ومنذ مؤتمر لندن للدول المانحة تم ربط شرط تمويل دول الجوار بحق العمل للسوريين اللاجئين، حيث تعمل الأمم المتحدة من أجل توفير 200 ألف فرصة عمل للسوريين في الأردن وتناقش برامج مماثلة في الدول المضيفة للاجئين.

ويعني توفير فرص عمل للسوريين في دول الجوار أن المنظمات الدولية لن تحتاج لتقديم المساعدات لهم ولن يحتاجوا لصفة “لاجئ” بعد ذلك، وهذا تماما ما عملت بعض دول الخليج العربي على تطبيقه في الأصل من البداية.

وسيخفف تشغيل اللاجئين السوريين في دول الجوار عن الدول المستضيفة ويعطي السوري كرامته وحقه في الحياة الكريمة. ففي المثال الأردني، تم الاتفاق مع الاتحاد الأوروبي على فتح أسواقه أمام الأردن وتقديم التسهيلات مقابل توفير فرص العمل للسوريين، فتتحول هذه العملية إلى منفعة متبادلة بين السوريين والدول المستضيفة لهم.

القادمون من سوريا ثروة تغني المجتمعات المستضيفة

ولكي نكون منصفين، لا يمكننا أن نلوم الإعلام الدولي الذي لم يعط دول الخليج حقها بما قدمته من مساعدات للسوريين وغيرهم، فالتقصير يعود في الأصل إلى الإعلام العربي، وتحديدا الخليجي، الذي لم يقم بتوضيح هذه الحقائق وما قدمته دول الخليج في هذا الشأن، مما أعطى فرصة للإعلام الدولي للتصيد وتحريف هذه الوقائع.

وإذا أحسنا النية، فإنهم لم يجدوا إعلاما خليجيا أو مراكز بحثية عربية تنقل لهم هذه الحقائق والمعطيات والإحصائيات بشكل كاف وواف، فوصلوا إلى خلاصات مغلوطة تقلل مما قدمته دول الخليج أو تتحامل عليها أحيانا. ففي حقيقة الأمر، هناك نقص كبير في الإحصائيات المتوفرة عما تقدمه دول الخليج للاجئين السوريين رغم أن مساعدات هذه الدول تعتبر من بين أكبر المبالغ المقدمة من الدول المانحة دوليا.

جهود في الخفاء

في محاولة للخوض في ما هو متاح من هذه الإحصائيات، نجد أن لجنة شؤون العلاقات العامة السعودية الأميركية تقدم البعض من هذه المعطيات حول ما تقدمه السعودية لدول الجوار السوري وتقدره بحوالي 700 مليون دولار لمساعدة اللاجئين، وأن المملكة العربية السعودية تستقبل ما يقارب 2.5 مليون مواطن سوري منهم من كان قبل اندلاع الثورة السورية أو خلالها.

وتقول بعض المصادر المقربة من وزارة الخارجية السعودية إن الرياض حرصت على عدم التعامل معهم كلاجئين، أو وضعهم في معسكرات لجوء، حفاظا على كرامتهم وسلامتهم، ومنحتهم حرية الحركة التامة، ومنحت لمن أراد البقاء في المملكة الإقامة النظامية أسوة ببقية المقيمين (ويذكر أن عددهم مئات الآلاف منهم).

وتقول هذه المصادر إن جهود المملكة امتدت لتشمل دعم ورعاية الملايين من السوريين اللاجئين في دول الجوار في كل من الأردن ولبنان و تركيا وغيرها من الدول. وتؤكد هذه المصادر أن أكثر من 100 ألف طالب سوري يحصلون على تعليم مجاني بالمملكة.

وأوضحت المصادر أن المساعدات الإنسانية شملت تقديم مواد غذائية وصحية وإيوائية وتعليمية، بما في ذلك إقامة عيادات سعودية تخصصية في مخيمات مختلفة للاجئين أهمها مخيم الزعتري في الأردن وفي مخيمات المعابر الحدودية. فقد وجه العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز القطاعات الحكومية المعنية بوضع شروط تسمح للسوريين الزائرين للسعودية بالمشاركة في القطاع الخاص والاستفادة من شهاداتهم العلمية.

وسيدخل سوق العمل السعودي مرحلة استيعاب مؤهلات السوريين المقيمين في السعودية بعد التصريح لهم بالعمل في القطاع الخاص. وهذا سيعطي السوريين الإقامة الدائمة بشكل نظامي لبدء حياة جديدة يملؤها الأمل.

ووثق المؤتمر الدولي للمانحين لدعم الوضع الإنساني في سوريا المساعدات الإنسانية التي قدمتها السعودية للسوريين في احصائياته الرسمية، ويتوقع المؤتمر الدولي أن تصل حجم المساعدات السعودية للسوريين في الأعوام المقبلة إلى حدود مليار دولار.

وحسب مصادر في الإمارات العربية المتحدة، قدّمت الإمارات أكثر من 1.1 مليار دولار لمساعدة اللاجئين السوريين وفق الأرقام المنشورة حتى نهاية العام الماضي، حيث سبق وأن قال وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية أنور بن محمد قرقاش، إن “دولة الإمارات تعد إحدى أكبر الدول المانحة للمساعدات الإنسانية والتنموية للاجئين السوريين داخل سوريا والدول المحيطة، إذ وصل إجمالي المساعدات الإماراتية المتراكمة منذ بداية الصراع في سوريا إلى أكثر من 4 مليارات درهم إماراتي (حوالي 1.1 مليار دولار)”.

وأضاف “لقد شملت هذه المساعدات 581.5 مليون دولار أميركي في هيئة مساعدات إنسانية استفاد منها اللاجئون السوريون”، كما تم رصد مبالغ أخرى لتوفير الخدمات الصحية وخدمات التنسيق والمياه والصرف الصحي، كما التعليم ومصاريف إضافية أخرى.

وحسب تقديرات جديدة لحجم المساعدات الإماراتية في الشأن السوري ستتجاوز 1.3 مليار دولار للفترة المقبلة. وأشار قرقاش إلى أن الإمارات سمحت “لعشرات الآلاف من السوريين الذين انتهت إقامتهم أو وثائق سفرهم بتعديل أوضاعهم، ما يمكنهم من البقاء في الدولة”.

وبحسب الأرقام الرسمية، فقد استضافت الإمارات حوالي 250 ألف سوري وفق إحصائيات نهاية عام 2015، بينهم 102 ألف وصلوا منذ بداية الثورة في العام 2011. وفي العام 2013 أنشأت الإمارات بالتعاون مع ألمانيا والولايات المتحدة صندوق إعادة إعمار سوريا، الذي كان له نشاطه في المناطق غير الخاضعة للنظام.

ولم يقتصر الدعم الإماراتي على مساعدة دول الجوار بل وصل إلى أوروبا أيضا لمساعدة السوريين الذين تقطعت بهم السبل، فقد اتفقت هيئة الهلال الأحمر الإماراتي مع السلطات اليونانية على إنشاء مخيم للاجئين السوريين في اليونان سيحتضن 2000 لاجئ في أولى مراحله.

واستقبلت دولة قطر حوالي 60 ألف سوري منهم 19 ألف سوري في شكل زيارة ممن قدموا عقب الثورة والحرب في سوريا، وذلك حسب إحصائيات سفارة الائتلاف السوري المعارض بالدوحة. وكذلك قدمت قطر الملايين من الدولارات كمساعدات إنسانية.

واستقبلت دولة الكويت حوالي 150 ألف مواطن سوري على أراضيها منهم من كان متواجدا قبل بدء الثورة ومنهم من التحق خلالها.

وساهمت الكويت على المستويين الرسمي والأهلي بمبلغ يتجاوز المليار دولار كدعم إنساني ومساهمات للمنظمات الدولية لمساعدة اللاجئين في دول الجوار.

وساهمت مملكة البحرين ببناء ألف وحدة سكنية جاهزة بصفة عاجلة في مخيم الأزرق بالتعاون مع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في الأردن. وكذلك قدمت سلطنة عمان مساعدات إنسانية ضمن إمكاناتها المحدودة لدول الجوار لدعم الوضع الإنساني للاجئين.

إعلام مؤدلج

بذلت دول الخليج العربي الكثير لمساعدة السوريين بمبالغ لا تقل عما قدمته الدول الأوروبية، ولكن للأسف حاول بعض الإعلاميين المؤدلجين تحويل هذه القضية الإنسانية إلى قضية تصفية حسابات والتهجم على دول الخليج العربي التي هي في حقيقة الأمر من بين أكرم الدول مساعدة للسوريين.

أود أن أذكر هؤلاء الإعلاميين أن تصيّدهم لهذه القضية يفتح الباب عليهم وعلى ازدواجيتهم، وليتذكروا المثل العربي القائل “من بيته من زجاج لا يضرب الآخرين بحجارة”.

والأمر الذي يثير الاهتمام، أن هؤلاء الإعلاميين يتهجّمون بهذه القضية على دول الخليج فقط ولا يثيرون أي انتقاد لإيران التي في حقيقة الأمر لم تستقبل أي لاجئ (أو غير لاجئ) ولم تقدم أي مساعدات إنسانية لدول الجوار التي تستقبل أعدادا كبيرة.

وأذكّرهم بأن السوريين يشكرون كل الدول التي استقبلتهم وأعطتهم الفرصة للبقاء والعمل والحياة الكريمة، فالسوريون معروفون بنشاطهم وحبهم للعمل فأينما حلوا بحثوا عن فرص جديدة تخدمهم وتخدم الدول المستضيفة.

أعتقد أن كل سوري سيحصل على فرصة عمل في بلد الشتات سيشكر الدولة المستضيفة على طريقته، أي من خلال كونه عنصرا بناء وفاعلا ويعمل لتطوير نفسه والبلاد المستضيفة.

وستنعكس فرصة العمل المقدمة للسوري عليه وأيضا ستنعكس على المستضيف، فمعروف أن السوري يمتلك الخبرات العلمية أو المهنية، وما أن يجد فرصة العمل حتى يوظفها بأفضل الطرق.

فمثلا ألمانيا أكبر المستضيفين في أوروبا للاجئين السوريين تراهن على المستقبل، أي أن اللاجئين السوريين بعد أن يندمجوا في الحياة والمجتمع الألماني سيكونون ثروة بشرية شابة ناشطة بمختلف القطاعات، وحتى في أسوأ السيناريوهات ربما هناك من لن ينخرط الآن، لذلك تراهن ألمانيا على أبناء اللاجئين أي الجيل الثاني من المهاجرين.

اللاجئ السوري إن تم توظيفه بشكل سليم سيكون ثروة تغني المجتمعات المستضيفة؛ السوري كنز من الخبرات حتى في أسوأ المراحل التي تمر عليه.

إعلامي سوري

7