الخليج العربي: مزاعم الإفلاس في ظل الهبوط الحاد لأسعار النفط

الأمن الذاتي هو ضامن الاستقرار وطارد شحوب السياسة. ويتطلب الكثير من الاهتمام والجدية في تبني الأفكار المبتكرة حتى لو كانت حادة وضاغطة في أول الأمر.
السبت 2020/03/14
أضرار اقتصادية متسارعة

ذكّر الهبوط الحاد لأسعار النفط والذي حدث نتيجة خفض السعودية أسعارها لبيع الخام ووضع خطط لزيادة كبيرة في إنتاج النفط الشهر المقبل، بالنذير الذي أطلقه صندوق النقد الدولي عن احتمال إعلان دول الخليج العربي إفلاسها خلال أقل من عقدين. وأعاد إلى الواجهة النقاش التقليدي عن اليوم المنتظر لنضوب الحاجة إلى هذه السلعة وعجز الدول الخليجية المعتمدة على النفط وحده عن الوفاء بمتطلبات نوعية الحياة التي ألفتها منذ ارتبطت مصيريا به.

كانت الدول الخليجية تتعامل مع هذا الاحتمال بالكثير من الحبر المسال عن فحص البدائل والتأسيس لمرحلة ما بعد النفط، لكن التحولات الكبيرة التي شهدتها بعض هذه الدول، المركزية منها مثل السعودية، وذات السبق في هذا المجال مثل الإمارات، تؤكد أنها ستحقق تغييرا وتصنع فرقا في طبيعة الاستجابة الواعية لتحديات نضوب هذه السلعة الثمينة. وتحمّل أعباء تحدّي الاستغناء أو التخفيف من حدة الاعتماد على النفط في ضمان استمرار واستقرار المستوى المعيشي والتنموي والاستراتيجي.

تراهن دول الخليج على مصدر جديد، وهو الغاز الذي يتوقع أن تحتل السعودية المرتبة الثالثة عالميا في إنتاجه عام 2030، بالإضافة إلى مقدرات الغاز الإماراتية التي قدرت بمخزون يبلغ حوالي 80 ترليون قدم مكعبة.

أطلق عدد من الدول الخليجية رؤى وخططا مستقبلية استعدادا لمرحلة ما بعد النفط. ليس هناك ما يضمن نجاحها. لكن يوجد تصميم تحتمه الظروف الملحّة على تنفيذها والعمل بها وعدم التساهل فيها كما حدث مع الكثير من الخطط السابقة.

تستهدف هذه الخطط تجهيز المجتمع لمستقبل خليج بلا نفط، أو نفط لا يساوي القيمة المألوفة له، لاسيما وأن المجتمع الذي بقي لعقود رهين نظام ريعي سخي، يتوجب عليه الآن أن يتحمل بالموازاة مع الحكومات أعباء التحول وتحدياته التي ستؤثث بمفاهيم اقتصادية وعلاقات تبادلية جديدة من قبيل الضرائب الانتقائية والتسعير الدوري للبنزين والمشتقات النفطية وتقليل الاعتماد على عطاءات الدولة في التوظيف والرواتب وخدمات الماء والكهرباء والصحة والتعليم وغير ذلك، وزيادة حصة القطاع الخاص في تشغيل الخدمات والقطاعات العامة.

أكثر ما يستنزف ثروات الخليج هو الاستهلاك المحلي، الذي بلغ درجات عالية من الإهمال والتسيب، وترك تأثيرا على قيمة ومردود تصديرها الخارجي الذي يثري ميزانياتها، وللتعويض عن الميزان غير المنضبط بين الإنتاج والاستهلاك ومن جهة الحفاظ على مستوى المعيشة المألوف في الخليج، تسعى هذه الدول لتعميق بدائل النفط في قطاع الطاقة.

وأصدرت دولة الإمارات مؤخرا أول رخصة تشغيل لمحطة براكة النووية ومثلها ستفعل السعودية قريبا، وربما بكميات كافية لسدّ حاجات الخليج بل وتصديره بعوائد مجزية لدول المنطقة، في ظل ما تتمتع به هذه الدول من قدرة لتمويل هذه المشاريع وتجهيزها على أفضل مثال.

وتسعى دول الخليج لتوسيع الاقتصاد غير النفطي وتنويع موارد الدخل، وقد أنجزت السعودية مراحل تحوّل ضخمة نحو تعظيم العوائد غير النفطية المتوقع بلوغها ترليون ريال في 2030، وارتفعت عوائدها غير النفطية من 199 مليار ريال في 2016 حين إطلاق الرؤية، إلى 315 مليار ريال في 2019، وتوقع بلوغها 320 مليار ريال في 2020، في قمة ازدهار غير نفطي لم يسبق له مثيل.

فضلا عن الصناديق السيادية التي برعت فيها جملة من الدول الخليج وتوسعت في استثماراتها المحلية والخارجية لتحقيق مظلة واسعة من إمكانات الاستدامة الاقتصادية وتوزيع طاقات الاستثمار في سلال متنوعة ومختلفة.

تشكل دبي تجربة يمكن تعميمها. وظاهرة غير مسبوقة في راهن العرب بصفتها علامة تجارية راهنت على الاستثمار في ثقة رأس المال الجريء والمتطلع. ولعل مدينة المستقبل السعودي “نيوم” هي حاصل نسخة مطورة من هذه الفكرة وتحويلها إلى فضاء مفتوح وخصب تحج إليه الأموال التي ترغب أن تشترك في صفقة مع مستقبل المنطقة الواعد والآمن.

وقد سعت السعودية لتوفير المناخ الضروري لإنجاح التحدي وتذليل الشروط والعقبات اللازمة لتحقيقه على الصعيد الاجتماعي والتشريعي والاقتصادي. وأقدمت على تبنّي كمية هائلة من التحولات ومكافحة الفساد وبناء هياكل العمل الحر وإثراء الواقع الاجتماعي بأكثر ممّا كان متوقعا في حسابات المتفائلين.

الأمن الذاتي هو ضامن الاستقرار وطارد شحوب السياسة. ويتطلب الكثير من الاهتمام والجدية في تبني الأفكار المبتكرة حتى لو كانت حادة وضاغطة في أول الأمر، مع ملاحظة أن هذه التحولات الاقتصادية العميقة التي تحفر في طبيعة الواقع الاجتماعي والثقافي الخليجي سيكون لها أثرها على حالة العلاقات في الفضاء العام.

وستكون المواعيد السخية بالفرص التي ينتظرها الخليج مثل فعالية “إكسبو دبي” و”قمة العشرين” بالرياض، لحظات مفصلية لتثبيت المرحلة الجديدة في عمر هذه المنطقة، ومناسبة مفيدة لتدشين نقلة جديدة في مشوارها التنموي وحماية ما حققته من نجاحات وإنجازات بصفتها دولا مستقرة وقابلة للتقدم.

العواصم الخليجية كانت مدركة لخطر انحسار قيمة النفط، لكن متمهلة في اتخاذ تدابير الاستغناء عنه، وربما بحاجة إلى زيادة وتيرة هذه التدابير والصرامة في تنفيذها. وقد قال تقرير صندوق النقد الدولي نفسه إن “هذه الدول على الطريق الصحيح لكنها بحاجة إلى تسريع الإصلاحات المالية”.

8