الخليج.. والمسكوت عنه من تحديات المستقبل

الخميس 2013/09/19

لم تتوقف آثار وانعكاسات ما يحدث في العالم العربي على حكام العالم، بل تعدتهم إلى القوى الكبرى، ونفوذها واستراتيجياتها التي أصيبت بالحيرة في بعضها وتراجعت أهميتها عند البعض الآخر.

ولم يكن في خلد التونسي البوعزيزي ولا الطفل السوري حمزة حين أحرق الأول جسده وخط الثاني بقلمه اشتياقه للحرية والأمل، أنهما سيجعلان من مخططي واستراتيجيي القوى «العظمى» يقفون في حيرة بالغة ودهشة من تسارع الأحداث وتعقدها، وهم من يحاضر في التغيرات السياسية المستقبلية.

قبل أيام عقد لقاء تعريفي أقامه معدو التقرير السنوي للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن. كنت ضمن المدعوين للقاء يعتبر مهما في عرف أهل البحث السياسي في أوروبا، وإن تجاوز الأمر القارة العجوز، ليلفت نظرنا وجود خبراء قدموا من أميركا يحملون معهم أسئلة، بدلا من أن يستضافوا ليكرموا الحضور بأجوبة عن المتغيرات التي أصابت سياستهم الخارجية.

صب النقاش في مصلحة من يحمل لواء وجوب التنبيه إلى ضعف القيادات الغربية والتحولات التي أصابت الدور الذي تلعبه، كمعبّرة عن قوى لاعبة لها دور مهم في إرساء السلم والأمن الدوليين.

لكن ما يلفت النظر هو أن مراكز القوى الدولية أصبحت تعاني من تحديد مهامها. كيف لها التعامل والتنسيق بين المطالبات والمتطلبات المحلية، وبين الحفاظ على أدوارها كقوى دولية مؤثرة وصانعة للقرار.

حين ضاعت سطوة حكام الأنظمة العربية وجدت القوى الدولية نفسها- ومعها العالم كله- أمام معادلات سياسية متغيرة ومتشابكة وفوضوية. من يستطيع أن يخمن ما سيحدث في الغد. حتى الثوار الذين يلجأون إلى الكهوف لا يمكنهم أن يتكهنوا ولا الحكام الذين يقاتلونهم حتى آخر شبيح يمكنهم أن يعرفوا أو يتكهنوا.

الحرب الأهلية السورية، وإنصات الجيش المصري لإرادة الشعب المصري لمرتين بإزاحته رئيسين مبارك ومرسي، حملا في طياتهما قلة حيلة روسيا والولايات المتحدة في قدرتهما على إحداث أي تأثير يذكر، لأسباب متعددة منها محلية وأخرى إقليمية ودولية.

ويوما بعد أخر تتحول الولايات المتحدة إلى لاعب آخر يختلف عن سابق عهده، فقد جدد من طريقة تفاعله مع الأحداث الدولية عبر سياسة لم تتوقف عن التركيز على أوضاعه الاقتصادية وشؤونه الاجتماعية.

روسيا تقدم نفسها كقوة حاضنة لحلفائها، تحميهم بقوة الفيتو، وبراعة المفاوضات، ومعرفة دقيقة بحجم مشاكل المنافس الغربي. بينما الصين تستعد لإطلاق «الحلم الصيني»، بعد أن ينتهي زعيمها الجديد زي جينبنغ من تنظيف حزبه من الفاسدين، وبناء حاملات طائراته.

إيران ومع قرب استحقاقاتها النووية، وبعد قدوم روحاني للرئاسة تريد أن تتكئ على التحالف مع روسيا لمواجهة الضغوط الغربية، لكنها دون تفاهم مع الغرب لن تتمكن من تحسين وضعها الاقتصادي. وهي تريد أن تسير حسب المذهب السياسي «اللافروفي» في التعامل والمفاوضات مع الغرب المنهك.

قرب نفاذ الصبر الإسرائيلي مع إمكانية انضمام إيران إلى النادي النووي يحتم على الأخيرة والغرب الدخول في مفاوضات ساخنة لا تريد إيران الخروج منها خالية الوفاض، في حين لا يريد الغرب لإيران الاحتفال بأول قنبلة نووية، وما يترتب عليها من وجود إقليمي لإيران يجعلها قوة مؤثرة.

يبدو واضحا أن الرئيس روحاني يريد التغيير، ويعمل على تقديم إيران مختلفة للعالم، لكن مفاتيح القرار ليست في يده فقط، بل إن المرشد الأعلى خامنئي ينظر إلى الأمر على أنه فسحة من الوقت، ريثما ينهي المهندسون عملهم النووي، في الوقت الذي يعزف فيه روحاني على مستمعيه الغربيين ألحان قيثارته. وسط هذا المشهد أين تتموضع دول الخليج، كيف ترى الأمور. وما هي الاستراتيجيات التي أعدتها لمواجهة مستقبل لا توجد فيه قوى مستعدة للتضحية بجنودها من أجل نفطها الذي تعمل الدول الغربية جاهدة للاستغناء عنه إما بالنفط الصخري أو بالتعامل مع منابع جديدة لا مغامرات صحراوية فيها.

صحيح أن الولايات المتحدة وحلفاؤها في الغرب ستبقى لهم مصالحهم في المنطقة، لكن في حال استتباب العلاقات بين طهران وواشنطن، سيؤدي ذلك الى منافع وأضرار، أهمها: أن إمكانية عقد الصفقات دون الخليجيين أمر متوقع، والأضرار قد تغير الأخطار من طبيعتها، ولن يحمل أي نفع لدول الخليج أي اتفاق أميركي إيراني لا يتضمن أجندة خليجية ومطالب إقليمية معلومة على رأسها: حل مسألة الجزر الإماراتية ووقف التدخل الإيراني في البحرين والعراق وسوريا ولبنان وغيرها من الدول العربية.

في المقابل، تشير علامة التقارب الإيراني الأميركي إلى أن الروس سيقبلون بكل ترحيب بالأيدي الخليجية الممدودة، ولو تم تحريك السعوديين لصفقة شراء دبابات T90 التي تم الاتفاق المبدئي عليها، لدشنت عهدا جديدا في الخليج، خاصة في وجود رجل ضعيف في البيت الأبيض، ولأرسلت رسالة مهمة وقوية أن الخليج يملك خيارات متعددة.

التغير الذي يصيب موازين القوى وتوزعها دوليا يجب أن يتم التعامل معه خليجيا بجدية. أهمية الاتحاد الخليجي أصبحت أكثر وضوحا في هذه الظروف الصعبة، خاصة وأن الأحداث التي تدافعت ضمن «الربيع العربي» جعلت من دول الخليج لاعبا قويا، وتحولت الأنظار العربية إليها بحثا عن قرار أو دعم أو نصرة.

المسارعة إلى توحيد المواقف الخليجية، والعمل كمجموعة قوية واضحة الأهداف بعيدا عن نزعات ضارة بالصالح العام، والقرار الذي تؤيده معظم الدول أصبح مهما لدرجة أنه مصيري. للمثال الدعم القطري للتيارات المتطرفة الإسلامية ومنها الإخوان يجب أن يتوقف، وأن تلتحق قطر مع بقية دول الخليج بمسار واحد لا علاقة لحجم الدولة فيه، بل للعمل الجماعي الموحد في مواجهة المخاطر التي تعصف بالمنطقة.

لا يمكن أن يقف الخليج صفا واحدا ضد المخاطر الإيرانية بينما بعضه يضع الورود في طريق المتشددين في إيران، أو يقف مع التدخل الذي تقوم به الأخيرة في شؤون البحرين، ولابد من الإشارة، هنا أيضا، إلى صمت البعض عن الخلايا السرية الخطرة التي تعمل بأمر من التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، وهو التنظيم الذي يحتفظ بأفضل العلاقات مع إيران ويتعاون بجدية معها ضد المصالح العربية، والخليجية خصوصا.

الوجود الغربي في الخليج سيتقلص ويصبح أكثر ضعفا بافتقاد الغرب للقيادات الشجاعة وأيضا لتراجع أهمية الخليج مستقبلا من ناحية اقتصادية مع بزوغ قوى اقتصادية جديدة أهم. لذا يجدر طرح السؤال: ماذا لدى الخليج من قوة يعدّها للطامعين به سوى وحدة أهله وقوتهم وعملهم على بناء قوة عسكرية موحدة لا مشتتة، لديها أهداف استراتيجية موحدة لا تقف عند حدود كل دولة بل تتعامل مع محيطها الخليجي ككتلة واحدة ووطن واحد تتناغم قوته وتتطور بسرعة لتصبح قوة عسكرية موازنة لإيران وغيرها، دون الحاجة إلى الوجود الأجنبي أو أية أشكال أخرى من الحماية.

الزمن يمضي سريعا، وبينما رجال القبيلة يتشاورون لمواجهة المخاطر يلعب البعض بالنار، وخاصة نار التطرف الإخواني والذي لا يرى في الخليج سوى مصرف للمال لتمويل مشاريع المرشد في تنصيبه خليفة للمسلمين.


كاتب وصحفي سعودي

9