الخماسيات الفنية تشقّ طريقها إلى الدراما المصرية

مسلسل "حلوة الدنيا سكر" وجبة خفيفة قبل موسم رمضاني دسم.
الثلاثاء 2021/03/02
تكلّف الأداء يضيّع المضمون

يؤطّر مسلسل “حلوة الدنيا سكر” لبداية تجربة الأعمال التي تدور في خمس حلقات أو ما يعرف بـ”الخماسيات” في الدراما المصرية التي تحاول التحرّر من سطوة الأعمال الطويلة واستبدالها بأخرى مكثفة في الأحداث والتفاصيل بما يتماشى مع طبيعة الجمهور المتعجل الذي لا يملك صبر الانتظار لمعرفة النهاية وتقبل مساحات الإطالة بأحداث مفتعلة.

القاهرة – يضرب منتجو الدراما المصرية عبر الخماسيات أكثر من عصفور بحجر واحد، فهي تمثل لكتاب السيناريو ملجأ لإنجاز أعمال سريعة دون تخليق صراع قوي أو رسم شخصيات معقدة على الورق، وتفتح الباب أمام إعادة ترويج الأعمال مجدّدا على المنصات الرقمية التي تتعامل بمنطق المواسم القصيرة في الأعمال التي تقدّمها.

ويصادف ذلك التوجه الفني دعمًا من مخرجين يسعون لترك بصمتهم وفرض سطوتهم دون تدخل من الأسماء الكبيرة، فيفضلون أسماءً تشقّ طريقها نحو عرش البطولة المطلقة من دون اختمار تجاربهم وخبراتهم، على اعتبار أن القصص المختلفة في العمل الواحد تمنح الممثلين فرصة لتطوير الأداء والتعويض حال الفشل في تقمّص شخصية بالإجادة في تجسيد أخرى.

وتظهر تلك الأفكار بوضوح في المسلسل المصري “حلوة الدنيا سكر” أولى بطولات الفنانة الشابة هنا الزاهد والمكوّن من 45 حلقة تم تقسيمها إلى تسع خماسيات تؤدّي في كل منها دورا مختلفا، فتتغيّر الوجوه والقصص باستثناء البطلة التي تظهر كل مرة بشكل ودور مغاير لتنجح في تقديم بعض الشخصيات، بينما جاء أداؤها تقليديا في أخرى.

قصص متنوعة

التعقيدات الاجتماعية في الخماسيات تحتاج إلى مؤلفين موهوبين
التعقيدات الاجتماعية في الخماسيات تحتاج إلى مؤلفين موهوبين

يدور العمل حول دور الصدفة والحب بمعناهما الواسع في تغيير حياة الإنسان، ووضع فكرته الأساسية الكاتب الصحافي يسري الفخراني والذي سبق له تقديم تجربة من السباعيات الدرامية في مسلسل “إلاّ أنا”، وتولت كتابة السيناريو ورشة عمل ضمت ثمانية مؤلفين معظمهم من الشباب.

ويعيد تعدّد الشخصيات التي يؤدّيها الفنان في العمل الواحد فكرة المشخصاتي الذي يغيّر الحكم على الأداء من الجودة كالمعتاد إلى مدى التقمّص على المستوى الشكلي الظاهري، فالممثلة هنا الزاهد تزاول تسع شخصيات مختلفة بين مدربة قردة بالسيرك وحتى مندوبة تسويق تعيش على الكذب وخداع الزبائن.

وفي الخماسية الأولى التي تحمل عنوان “ساندي كراش” لعبت الزاهد دور الفتاة التي تعيش في كنف والدها وعمها دون أن تكون لها تجارب في الحياة، فباتت تخشى من كل شيء قبل أن تتعرّض إلى مؤامرة من قبل أسرتها لإشراكها بمسابقة غنائية كوسيلة لإخراجها من عزلتها عبر التلاعب بسيارة جدها العتيقة التي تستقلها، وتركيب صوته على المذياع ليطالبها بالغناء وإلاّ ستنتقم روحه منها ومن والدها.

تبدو الفكرة خفيفة لكن طاقمها طعّمها بمجموعة من البهارات بحكايات عن خداع الدجالين لزبائنهم وكيفية ممارسة السحرة خدعهم في السيرك، وهيمنة البلطجيات على أقسام النساء، والمديرون من ذوي الشخصية المزدوجة التي تحمل حنانا منقطع النظير في المنزل وتعسفا شديدا في العمل رغم مهنهم المتواضعة.

وجذب المسلسل الأنظار إليه في حلقاته الأولى، لكن وهجه أخذ في التراجع في الخماسيتين الثانية والثالثة لأسباب تتعلّق بالبطولة الجماعية، ففي “ساندي كراش” تبارى الجميع في الإضحاك بكوميديا المفارقات المستساغة سواء عبر والد “ساندي” (الفنان إسماعيل فرغلي) الذي يدّعي المرض، وعمها (الفنان هشام إسماعيل) شديد القسوة في العمل والحمل الوديع الحنون بالمنزل، أو صديقتها ضعيفة الشخصية الباحثة عن الحب، أو حتى جدها (بيومي فؤاد) الذي ظهر كصوت فقط لكنه كان مسليا.

وفي “الجريمة لا تفيد” جنحت القصة نحو البطولة الثنائية لهنا الزاهد ومحمود عبدالمغني وابتعدت عن كوميديا المواقف والرومانسية إلى الحركة المكسوّة بقدر من كوميديا “الإفيه”، وامتد الأمر إلى البطولة المنفردة في “المتخصّصة” الذي لعبت فيه البطلة دور مندوبة تسويق عقاري تعيش على الخديعة وتدمن الكذب حتى على أسرتها.

العمل محاولة درامية للتحرّر من الأعمال الطويلة عبر خماسيات قصيرة تتسم بمضامين خفيفة ومسلية

ويحتاج نجاح الخماسيات إلى فهم دقيق لطبيعة القصص التي تتماشى مع الحبكة الدرامية، وربما كانت الدراما السورية أذكى في تلك النقطة بميل غالبية أعمالها إلى الأفكار الرومانسية في المقام الأول، حتى إن ضمت مسحة من السياسة كتأثيرات الربيع العربي على حياة البشر ومشاعرهم مثل سلسلة “الحب كله”.

وتعتبر الخماسيات محاكاة مصرية لتوجه انتشر بقوة في سوريا خلال السنوات الخمس الأخيرة فرضته الظروف الإنتاجية لضمان استمرار عجلة التصوير وإنجاز العمل بسرعة وسط المخاوف من التوقّف في أي لحظة بسبب الأوضاع الأمنية، معتمدين في ذلك على فرق عمل مختلفة لكل قصة على مستوى التأليف أو التمثيل أو الإخراج والتي يتم تصويرها في وقت واحد.

لجأت الدراما المصرية إلى ذلك الاتجاه مع استمرار سيطرة فكرة الموسم الدرامي الرمضاني لفتح المجال أمام عرض المسلسلات القصيرة ذات المضامين الخفيفة المُسلية، لتصبح كُمقبلات تفتح شهية الجمهور وتحرّك أمعاءه استعدادا لوجبة دسمة تضم ما يربو على 30 مسلسلا.

لكن خماسيات “حلوة الدنيا السكر” فقدت بوصلتها في ما يتعلق بتوليفة القصص التي تتضّمنها، فبعدها كوميدي صرف، والآخر يحمل شقا كبيرا من الدراما وكان يحتاج إلى قدرات كبيرة على مستوى التلخيص والرمزية، وخلق صراع قوي في مدى زمني قصير بجانب أداء مغاير من البطلة وإظهار الفوارق في الأداء بين كل شخصية وأخرى وهو ما لم يظهر جيدا.

وربما تكون تلك التوليفة السبب في اعتذار مخرج العمل خالد الحلفاوي بعد الخماسية الأولى عن استمرار العمل لتغيير الإنتاج طريقة عرض القصص المتّفق عليها بتقديم “الجريمة لا تفيد” على “المتخصّصة” دون الرجوع إليه، قبل أن يتخلى عن قراره ويعود، فهو كمخرج متخصّص في الكوميديا السينمائية والدرامية يعرف ما يريده الجمهور ويعي جيدا قدرات بطلته ولا يريد أن يفقد المسلسل زخمه في الأسابيع الأولى للعرض.

وفي قصة “ساندي كراش” كان هدف العمل ظاهرا بالحديث عن دور الحب في التغيير بقدر كبير من الرومانسية تمثل في شخصية “شادي” (الفنان محمد الكيلاني) الذي حاول بكل الطرق التقرّب إلى البطلة، وهو أمر لم يتكرّر في قصة “الجريمة لا تفيد” مع تعقيد فكرتها وإبعادها عن المضمون الخفيف لتدور حول صحافية تحاول التحرّر من هيمنة والدها الملياردير الشهير صاحب القنوات الفضائية قبل أن تتورّط مع مجرم خدعها وورّطها في مشكلات بحجة إعادة ابنته المخطوفة.

مسار إجباري

هنا الزاهد تظهر في كل خماسية بدور مغاير لتنجح في تقديم بعض الشخصيات، بينما جاء أداؤها تقليديا في أخرى
هنا الزاهد تظهر في كل خماسية بدور مغاير لتنجح في تقديم بعض الشخصيات، بينما جاء أداؤها تقليديا في أخرى

يمثل انتشار تجارب السباعيات والخماسيات ارتدادا حتميا إلى المراحل الأولى لإنتاج الدراما المصرية التي بدأت كسهرة تلفزيونية، ثم ثلاثية فسباعية، قبل أن يظهر الموسم الرمضاني بشكله الحالي على اعتبار أن الأعمال القصيرة تمثل تحرّرا من قصور خيال كتاب السيناريو وتتماشى مع جمهور افتقد القريحة اللازمة لمشاهدة أحداث متصلة تتخلّلها مساحات إعلانية واسعة تزيد عن الوقت الأصلي للعمل ذاته.

وستضطر الدراما المصرية شاءت أم أبت إلى تغيير جلدها مع تجارب منصات البث الرقمي التي أجبرت مخرجين كبارا على الدفع بوجوه جديدة للبطولة المطلقة مثل أحمد أمين في “ما وراء الطبيعة”، أو اختيار فريق كامل من الشباب في مسلسل مثل “زودياك” بناء على طلب الوسيط الإلكتروني لعرضه.

وتظهر تسمية القصص التي تنضوي تحت لواء “حلوة الدنيا سكر” تلك الفكرة بعد انتقائها لتتماشى مع الأفكار الأكثر رواجا على مواقع التواصل الاجتماعي أو أسماء الألعاب الإلكترونية مثل “9 خطوات لقلب الرجل” و”ساندي كراش” القريبة من لعبة “كاندي كراش” و”لا سحر ولا شعوذة” و”قولي لأحمد” و”على نار هادية” و”الجريمة لا تفيد” و”المتخصّصة”.

يظهر المسلسل احتياج هنا الزاهد إلى المزيد من الوقت للدخول للبطولة المطلقة وتطوير الأداء على مستوى الصوت بعدما كانت طريقة حديثها سريعة بطريقة تتوه معها المعاني، والتعاطي مع التمثيل كقدرات أداء في المقام الأول وليس جمالا شكليا فقط، فالجمهور وإن تقبّل الوجوه الجديدة لن يشاهد الدراما بحثا عن الانفعالات والقدرة على التجسيد والتلوّن.

ومهما كانت النتائج التي سيحقّقها المسلسل وجماهيريته فسيكون على بوصلة الإنتاج المصري الفترة المقبلة، خاصة في ظل مساعي المنتجين لتقليل الكلفة الإنتاجية باعتبارها تعتمد على الصف الثاني من الممثلين، والذين مهما زاد عددهم فلن تتجاوز رواتبهم نصف ما تتقاضاه الأسماء الكبيرة، ما يخلق في النهاية انتعاشا دراميا وقدرا من التنافس يصبّ في صالح المشاهد.

16