الخناق يضيق على تركيا: الأردن يوقف التجارة الحرة

الخطوة الأردنية تكشف عن توجه عربي للتصدي للأجندة التركية بنفس حزم مواجهة المخططات الإيرانية.
الخميس 2018/03/15
هوس الهيمنة

عمان - أثارت خطوة الحكومة الأردنية المفاجئة بتجميد العمل باتفاقية التجارة الحرة مع تركيا نقاط استفهام كبرى خاصة وأن العلاقة بين البلدين شهدت في الفترة الأخيرة تقاربا واضحا عززته الزيارات المتبادلة لكبار المسؤولين وآخرها زيارة رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم الشهر الماضي إلى عمان والتي أعلن خلالها عن زيارة قريبة للرئيس رجب طيب أردوغان إلى المملكة.

وقال مسؤول أردني الثلاثاء إن بلاده قررت تجميد العمل باتفاقية التجارة الحرة مع تركيا نظرا إلى أنها “ساهمت في ارتفاع العجز في الميزان التجاري لصالح الجانب التركي”.

وأوضح ينال برماوي الناطق الرسمي باسم وزارة الصناعة والتجارة الأردنية أن الأردن سيعاود إخضاع السلع التركية المستوردة للرسوم الجمركية مع بدء سريان القرار بوقف العمل باتفاقية التجارة الحرة بين البلدين.

ومع دخول الاتفاقية حيز التنفيذ في عام 2011 أصبحت السلع الصناعية الأردنية المنشأ تدخل السوق التركية معفاة من الرسوم الجمركية. في المقابل أُعفيت السلع التركية الواردة إلى السوق الأردنية من الرسوم الجمركية تدريجيا وعلى فترة انتقالية تمتد لثماني سنوات.

ويشهد الاقتصاد الأردني وضعا صعبا نتيجة أزمات الجوار وغلق المعابر مع سوريا وقبلها العراق، زد على ذلك الهوة الموجودة أصلا بين السوق الاستهلاكية في

كلا البلدين الأمر الذي أدى إلى ميل الكفة لصالح المنتجات التركية بشكل عمّق خسائر عمان.

ويرى محللون سياسيون أن تجميد اتفاقية التجارة الحرة لا يمكن قراءته من منطلق اقتصادي بحت رغم أن وزارة الصناعة والتجارة الأردنية اعتبرت أن دوافع هذا الخيار مرتبطة بما أحدثته تلك الاتفاقية من اختلال في الميزان التجاري بين البلدين، وهذا في جزء كبير منه صحيح وفق شهادات الخبراء الاقتصاديين.

ويشير المحللون إلى أنه بالنظر إلى توقيت القرار لا يمكن إغفال الاعتبارات السياسية. ويوضح هؤلاء أن ما بدا تقاربا بين عمان وأنقرة في الفترة الماضية، ليس إلا نتاج تقاطعات ظرفية في بعض الملفات، زد عليها محاولة تركيا استغلال نقاط ضعف الأردن المتمثلة في الأزمة الاقتصادية كما هو الحال بالنسبة للسودان، من خلال عرضها لجملة من المحفزات والإغراءات ليظهر بالكاشف أنها “ملغومة” تستهدف من خلالها فتح كوة في الجدار العربي الهش وفرض نفسها سيدة عليه.

ويشير مراقبون إلى أن السياسة التركية في المنطقة العربية لا تقل خطورة عن نظيرتها الإيرانية وإن اختلفت الأدوات والأساليب، فإيران تعتمد بالأساس على القوة الخشنة المتمثلة في تشكيل ميليشيات مسلحة للهيمنة وتحقيق طموحاتها التوسعية.

في المقابل تعتمد تركيا على القوة الناعمة من خلال الإعلام والاقتصاد والعمل الجمعياتي والثقافة، ولا تجد مانعا في توظيف قوتها الخشنة إذا استطاعت إلى ذلك سبيلا، وأكبر مثال على ذلك العملية العسكرية التي تشنها منذ 20 يناير داخل الأراضي السورية تحت شعار مكافحة “الإرهاب الكردي”، وقبلها في سبتمبر 2016 تحت غطاء التصدي لـ”إرهاب داعش”.

وتهدد اليوم بمد حملتها ضد الأكراد إلى داخل الأراضي العراقية، التي تتواجد بها قاعدة عسكرية تركية لطالما كانت مثار جدل بين بغداد وأنقرة.

ولا يمكن في هذا الصدد تجاهل التدخلات الكارثية التي قامت بها أنقرة في المنطقة خلال السنوات الثماني الأخيرة سواء في ليبيا التي تحولت إلى دولة “فاشلة” أو في مصر وبدرجة أقل في تونس، كل ذلك نتاج هوس النظام التركي باستعادة “أمجاد الدولة العثمانية”، وهذا لا يكون إلا بإضعاف الدول العربية بما يسهل احتواءها والسيطرة عليها.

ويقول مراقبون إن الأردن الذي كان سبّاقا في التحذير من الخطر الإيراني في العام 2004، بالتأكيد لن يسمح أو يقبل أن يكون “حصان طروادة” لتركيا لتنفيذ أجندتها التوسعية في المنطقة، ومن هنا فإن قراره تجميد اتفاقية التجارة الحرة هو رسالة واضحة تفيد بأن عمان رغم الصعوبات التي تمر بها ستكون في مقدمة الصف الرافض لمثل هذه النزعات التوسعية التي تستهدف المنظومة العربية.

وتذكر أوساط سياسية عربية أنه قبل القرار الأردني بأيام وصف ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان تركيا بأنها جزء من “مثلث الشر” في المنطقة إلى جانب إيران والجماعات الإسلامية المتشددة، وتزامنت تلك التصريحات مع إعلان مجموعة “أم بي سي” السعودية عن وقف الدراما التركية، وجميعها مؤشرات تؤكد بما لا يدعو للشك وجود توجه عربي للتصدي للأجندة التركية بنفس الحزم في مواجهة المخططات الإيرانية.

وتشير هذه الأوساط إلى أن أولى الخطوات في هذا الصدد هي سد المنافذ والثغرات التي من الممكن أن تستغلها تركيا بمساعدة بعض القوى وأساسا قطر وبعض جماعات الإسلام السياسي الموجودة في الحكم في عدد من دول المنطقة.

وكان وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية أنور قرقاش قد صرح، السبت، بأن العلاقات العربية التركية “ليست في أحسن حالاتها”، وشدد على أن العالم العربي “لن يُقاد من جواره”، مطالبا تركيا باحترام سيادة الدول العربية.

2