الخنجر المغربي زينة الرجال وعزتهم

ارتبط السيف والخنجر بالشجاعة والمهارات القتالية في التاريخ العربي القديم وبقيا على ذلك الحال إلى أن تنازلا عن دورهما في ساحات الحرب، وأصبحا أداتين لزينة الرجال، وظلت صناعتهما في العصر الراهن تجسد تاريخ العرب وإبداعهم. وتعتبر هذه الصناعة واحدة من أهم الحرف والمهن القديمة التي تشير إلى براعة الصانع ومهارته في المغرب، كما تشير إلى الخصوصية الثقافية وما تحمله من براعة التصميم والشكل الفني في إنجاز الخنجر كتحفة فنية يمتزج فيها الذوق العربي والبربري واليهودي.
الاثنين 2015/09/14
لمسات حرفي تدون الموروث التاريخي في المغرب

الرباط - في مدينة “قلعة مكونة” المغربية، أنامل تُليّن المعدن لتصنع منه “خناجر”، فتتجسد بذلك المهنة الموروثة التي تحولت إلى جسر يربط الماضي بالحاضر، وصارت مورد رزق لأصحابها، وزينة للرجال في هذا المجتمع، وهدية للأصدقاء والزائرين من الخارج.

تلك هي حكاية حرفيين تقليديين في المدينة التي تُعتبر أشهر منطقة بالمغرب في صناعة خناجر تعج مقابضها بزخارف ونمنمات ترتبط في غالب الأحيان ببيئة المجتمع المحلي.

في المدينة، تلتقي مجموعة من صانعي الخنجر المغربي التقليدي، في تعاونية أطلقوا عليها اسم “أزلاك”، نسبة إلى قرية اشتهرت بهذه الصناعة، محاولين جمع شتات الحرفيين، ورفع قيمة المنتج، ناهيك عن تأطير الحرفيين الجدد وتدريبهم وتشجيعهم على المزيد من الابتكار والإبداع.

وسط مقر التعاونية الفسيح، والذي يضم ورشا صغيرة، ينهمك محمد ايت سعيد، في زينة الخنجر الذي تتطلب صناعته مراحل متعددة، تبدأ بالتصميم على قطعة معدنية.

يقول سعيد “يمر الخنجر بمراحل مختلفة، فبعد التصميم والتقطيع تأتي مرحلة الطبع (الزينة) التي تعكس ذوق المعلم (الصانع) ووعيه، وهذا الأمر يختلف من واحد إلى آخر، ومن خنجر إلى آخر”.

وغير بعيد عن زملائه، يجلس الحسين ايت سعيد، وفي يده خناجر يضع عليها لمساته الشخصية. يقول الحسين “بعدما نأخذ قطعة من المعدن الأبيض أو الأصفر، ونقوم بتصميم الشكل الذي نريد، نقطعها حسب مقاييس وأشكال مختلفة، ثم تأتي مرحلة طبع الزينة على الخنجر”.

“كل شكل من أشكال التزيين له دلالة ترمز إلى المنطقة أو إلى تراث قديم في المغرب، قد تكون له جذور عربية أو أمازيغية أو يهودية، حيث لايزال يستعمل صانعو الخنجر التقليدي رموزا يهودية كان يستعملها يهود مغاربة امتهنوا هذه الحرفة قبل رحيلهم”، حسب الحسين طوس، رئيس تعاونية “أزلاك” التي تأسست عام 1983.

سلاح بنمنمات عربية وأمازيغية ويهودية

رسالة طوس وزملائه في التعاونية تكمن في “المحافظة على هذا الموروث الذي يرفعون به قيمتهم وقيمة بلادهم”، فالخنجر الذي يُصنع في المنطقة، معروف أنه إرث قديم، ويتميز بأشكال تزينه لها دلالات رمزية وتاريخية.

ويمضي قائلا “التقينا هنا في التعاونية، من أجل جمع شتات الصناع، والرفع من قيمة المنتوج، وكذا القرب من الزبائن، وتأطير الحرفيين وتكوينهم وتشجيعهم على المزيد من الابتكار والإتقان، وكذا التسويق الجيد للخنجر”.

عملية التسويق والتي تعتبر من أكبر المشاكل التي تواجه هؤلاء الحرفيين، تعددت وجهاتها، حسب طوس، بين معارض مغربية للصناعة التقليدية، والبيع بالجملة للزبائن من أصحاب محلات بيع التحف السياحية في مدن مختلفة بالبلاد، والمشاركة في معارض دولية في فرنسا والولايات المتحدة وغيرهما، ما أهّل هذا المنتج لأن يصبح له صدى دولي، ويحصل على جوائز من الخارج”.

وعن أنواع الخناجر المُنتجة وأشكالها، يتابع رئيس التعاونية قائلا “نحن ورثنا عن أجدادنا نوعا من الخناجر يُسمى ‘عمارة ونصف’، أو ‘إقامة ونصف’، لكن مع ابتكارات الصناع واجتهاداتهم أصبحت هناك أنواع كثيرة يصعب حصرها، وهي بأشكال مختلفة منها المستقيم والملوي، وبمعادن بيضاء وصفراء وحمراء، تناسب أذواق الزبائن”.

ويتراوح ثمن الخنجر التقليدي الواحد بين 300 درهم (حوالي 33 دولارا أميركيا)، و1000 درهم (حوالي 110 دولارات).

ويحتفظ صناع تعاونية “أزلاك” الذين يبلغ عددهم 200، بما قالوا إنه أكبر خنجر صُنع في المغرب، بطول يبلغ 5 أمتار و40 سنتمترا، في فضاء مخصص لعرض الخناجر التي ينتجونها بأحجام وأشكال متنوعة. وفي الفضاء المذكور، الذي يعتبر ساحة للتسويق، يستقبل الحرفيون عددا كبيرا من الزوار من المغرب والخارج يتعرفون على تاريخ الخنجر، وتاريخ الصناعة التقليدية.

ووفق رئيس التعاونية “لا تكتمل زينة الرجال، قبل خروجهم من منازلهم، في منقطة قلعة مكونة، ومناطق أمازيغية أخرى في المغرب، إلا بتعليق خنجر متوسط الحجم على أحد جوانبهم”.

ولا تتوقف أهمية الخنجر عند هذا الحد، فوفق التقاليد المحلية، يُستخدم في مختلف المناسبات الاجتماعية، وفي الأفراح يتزين به العريس.

20