الخوص.. جدائل نخيل تنسج تراث الإمارات

حياة الإماراتيين اليومية كانت في القديم مستوحاة من مكونات البيئة المحيطة بهم من صحراء وبحر وأشجار وغيرها. فرغم قلة موارد بيئتهم، إلا أنهم تمكنوا من تحدي الصعوبات واستحدثوا طرقا مبتكرة لصناعة الأدوات المنزلية التي يستعينون بها في حياتهم اليومية، ومن ذلك تحويل سعف النخيل إلى العديد من القطع تتوزع في مختلف أركان البيت.
الأربعاء 2016/02/10
مفروشات وأواني

أبوظبي - صناعات ومهن عديدة من الطين والنحاس وسعف النخيل أصبحت الآن تراثية تعود بنا إلى الأيام السالفة، حيث كان الأجداد يأكلون مما يزرعون ويلبسون ما يصنعون بأيديهم.

ومن أهم الصناعات التراثية، التي يعرضها السوق الشعبي ضمن مهرجان سلطان بن زايد التراثي 2016، منتجات سعف النخيل بـ"الخوص" ولها مسمّيات أخرى كثيرة منها "السعفيات" و"صناعة النخيل"، ما يصطلح بعض الباحثين على تسميتها بـ”صناعة المنسوجات النباتية”، أما التسمية العربية القديمة فهي “الخواصة”.

ومهما اختلفت التسمية فكلها ترمز إلى نفس الصناعة، حيث يجمع سعف النخيل ويصنع باليد بطريقة “تجديلة” عريضة تضيق أو تتسع باختلاف الإنتاج ويتشابك الخوص مع بعضها في العمل بعد أن تتحول إلى اللون الأبيض نتيجة تعرضها للشمس.

وأدوات العمل الرئيسية في صناعة الخوص بسيطة وميسورة، وهي اليدان والأسنان بالدرجة الأولى والعظام والحجارة المدببة، أو المخايط أو المخارز التي تقوم مقام الإبرة بالدرجة الثانية، إلى جانب بعض الأدوات الأخرى كالمقص ووعاء يغمر فيه سعف النخيل، وسعف النخيل من النوع المركب، واستعمالاته عديدة بحسب موقعه من النخلة، فالذي في القلب تصنع منه السلال والحصر والسفرة، والنوع الذي يليه أخضر اللون يستعمل في صناعة الحصير وسلالة الحمالات الكبيرة والمصافي والمكانس وغيرها، ومن الجريد تصنع الأسرة والأقفاص والكراسي.

وكان الناس يستخدمون أدوات كثيرة من الخوص، فقد استخدموا الميزان ويكون معلقا على طرفي عصا طويلة ومربوطا بخيوط قوية ويستخدم لوزن التمر والرطب، وكذلك استخدموا أسرة الأطفال الصغيرة المصنوعة من الجريد ليسهل حمل الطفل، وكذلك القحفية وهي غطاء للرأس من الخوص صنعتها الأمهات لوقاية أطفالهن من حرارة الشمس وربما استخدمها الكبار خلال العمل في ساعات الصيف الحارة.

وتتميز أعمال الخوص في الإمارات بأن النساء يعملن في هذه الصناعة وهي "السفافة" ويقمن بها إلى جانب أعمال النسيج الأخرى، وهي من المهـن التي يعتبر عائدها دخلا إضافيا بالنسبة إليهن.

وتتحدث أم عبدالله التي تقوم بصنع المنتوجات التراثية المختلفة وعلى رأسها الخوص في نادي تراث الإمارات والذي يشارك بقرية تراثية في معظم مهرجانات الدولة، حيث تعلمت الراغبات طرق صنع “الخوص”.

أنامل ناعمة تحفظ صنعة الأجداد

وأشارت إلى أن الأمهات في الماضي كن يصنعنه مما توفره البيئة المحيطة بهن من مواد أولية تشمل أدوات البيت ومستلزماته، لذا فقد أبدعن في تطويع سعف النخل لصنع العديد من القطع والأدوات القشية التي تتوزع في مختلف أركان البيت مثل “السرود والمبردة والمشب والمدخنة والمهفة والجفيرة”.

وأكدت أن المرأة الإماراتية كانت قديما تقوم بتبطين البيوت بالحصر المزخرفة المصنوعة من خوص النخل وكانت تصنع من السعف أواني منزلية كالأطباق والحصير.

وتبيّن أم عبدالله بأن للخوص نوعين أحدهما “اللبة” وهو ليّن وصغير الحجم ناصع البياض ويسهل تشكيله ويستخدم في صنع منتوجات معينة، والثاني هو بقية سعف النخيل وهو طويل وخشن ويجب غمره بالماء حتى يلين ليسهل تشكيله، موضحة أنه يمكن صبغ الخوص بعدة ألوان غير الأبيض مثل الأخضر والعنابي والبنفسجي وغيرها بأصباغ معينة.

أما بالنسبة إلى كيفية صبغ الخوص، فتوضح أم عبدالله بأنها تتم عن طريق غلي الماء في وعاء كبير، ثم وضع الصبغة المطلوبة فيه ثم وضع الخوص وتركه لمدة خمس دقائق في الماء، ثم وضعه في الظل، أما فيما يتعلق بالخوص الأبيض، فتوضح أنه يكتسب هذا اللون نتيجة تعرضه للشمس فيتحول من الأخضر إلى الأبيض، وبعد ذلك تبدأ صناعة الخوص من خلال جديلة عريضة وطويلة بحسب المنتج، وعندها يتم التشكيل عن طريق إبرة عريضة وطويلة وخيط قد يكون من الصوف.

وتؤكد أم عبدالله أن هذه الصناعة تسري في عروق الإماراتيين ودمائهم، لذا فإنها لن تندثر، مشيرة إلى أن العديد من السيدات الإماراتيات اللاتي يقمن بهذه الصناعة يسعين من أجل الحفاظ عليها وذلك ضمن النهج الذي تتبعه الدولة في هذا الصدد، كما أنها تحظى بإعجاب السياح الذين يقومون بشرائها مهما كان سعرها.

20