الخوف على مخطوطة الكتاب

السبت 2014/09/06

بعيد صدور كتابه الجديد “أنطولوجيا الذات”، كتب صاحب هذا الكتاب الدكتور “أحمد برقاوي” على صفحته الشخصية على الفيسبوك قائلا: “أنهيت كتابة انطولوجيا الذات في القاهرة، وهناك كان الصديق إياد عيسى أول صحفي متمرّد اشترك في الثورة، وعشنا حياة يومية مشتركة لعدة شهور، كان ذلك عام 2012، قبل عودتي إلى دمشق، وخوفا على مخطوطة الكتاب التي كتبتها بقلم الحبر لأسباب كثيرة، صورت المخطوطة ومخطوطة ديوان شعر وأودعتهما أمانة عند إياد، وإياد بوصفه شهما وكريما وصادقا، صار يحمل المخطوطتين معه إلى حيث يرحل، رغم تشرّده وسرعة غضبه، وحين أخبرته بصدور الكتاب أصدر قهقهة وكأنه تخلص من همّ، لكنه وبكل حب وفرح قال لي: حسبي أني الآن أملك مخطوطتين بخط يدك يا صديقي”.

الواضح من هذا القول هو رسالة شكر وعرفان من الدكتور “برقاوي” إلى صديقه “عيسى” تقديرا لجهود هذا الأخير التي بذلها في حفظ مخطوطات كتابه، ولكن أثارني هذا القول لأتساءل عن أمرين؛ الأول: لماذا نشر هذا الكتاب خارج سوريا؟ والثاني: ما هي الأسباب التي جعلت من الدكتور “برقاوي” يخاف على مخطوطة الكتاب قبيل عودته إلى دمشق، والذي لم يعد يقطنها اليوم؟ وأنا هنا لست بصدد مناقشة هذه الأسئلة أو مناقشة الكتاب، إذ ما دفعني إلى التساؤل هو عبارة “خوفا على مخطوطة الكتاب”، إذن الموضوع يتعلق بالخوف، نعم الخوف، كيف لا والدكتور قد أعلن في كتابه “بيان من أجل ولادة الذات في الوطن العربي”، هذه الذات التي لطالما طمستها الأنظمة القامعة في أيّ محاولة تقوم بها الشعوب لاسترداد هذه الذات في هذا الوطن، الذات التي ثارت معلنة عن تمرّدها وعن غضبها من سياسة القطعنة التي تتعامل بها هذه الأنظمة، لذا عندما يكون الدكتور “برقاوي” واحدا من هذه الشعوب الثائرة والرافضة لمثل هكذا أنظمة، تصبح الإجابة عن هذه الأسئلة في متناولنا، وهي رفض هذه الأنظمة، والتي من بينها النظام السوري، لأي نوع من التفكير يغرّد خارج دائرته، يقوم به المثقفون والمفكرون، محاولة منهم لإعادة إنتاج الفكر السائد سياسيا وثقافيا.

وكأن هذه السلطات ليست بجديدة على الفكر العربي، وما أكثرها في تاريخنا، ولكن لا أدري لماذا أعادتني هذه القصة بالزمن إلى القرن الثاني عشر الميلادي، زمن وجود صاحب قصة “حي بن يقظان” الفيلسوف “ابن طفيل”، والذي مورس عليه ذات الدور من قبل السلطات آنذاك في محاولة لقمع مشروعه الفلسفي، وهذا القمع يبرز من خلال؛ أولا: التورية والالتفاف التي كان يقوم بها في كتاباته، وخاصة عندما عجزت المعاجم حينها عن تقديم مصطلح مناسب أو مرادف للمصطلح الذي استخدمه “ابن طفيل” في موضوع الحكمة المشرقية، وهو “لا نسميه قوة إلا على المجاز”، وقد عبّر هو ذاته عن هذه المسألة «بأن الملة الحنفية والشريعة المحمدية قد منعتا من الخوض فيه وحذرتا منه والمقصود موضوع “الحكمة المشرقية”»، ثانيا: هذا ما جعل من نص “ابن طفيل” يتميز بتعدد الدلالات، وعدم القدرة على فهمه دون تفكيكه، والوقوف عند كل نقطة وإعادة قراءتها بشكل جيّد.

إذن في كلتا الحالتين ورغم البعد التاريخي، نرى كيف تلجأ السلطة العربية الحالية إلى قمع الكلمة الحرة واغتيال أيّ عقل يرفضها، أو يرفض مقولتها المستبدة في احتكار الحقيقة لها وحدها، وتخوين كل من لا يقبل بهذه الحقيقة المزيفة، ولكن كيف تستطيع هذه الأنظمة أن تمارس نفس الدور الذي مورس منذ مئات السنين، متجاوزة حاجزا زمنيا كاد ينسى بعد هذا التطوّر الفكري والعلمي والتقني الذي شهدته البشرية. نعم تستطيع ذلك يمكن بما تمتلكه من عقلية رجعية ومتخلفة وتدميرية، أو التي رأينا نتائجها عندما أرادت أن تدافع عن نفسها قبالة من ثار في وجهها.


كاتب من فلسطين

16