الخوف من "أصولية بعضهم" يزيد من مشكلة اللاجئين في أوروبا

يتدفق اللاجئون إلى أوروبا و”تتدفق” معهم أسئلة سياسية واقتصادية وأمنية محيّرة، حيث تسعى غالبية دولها إلى التهرّب من الأمر عبر إعادة النظر في القوانين واتخاذ المزيد من الإجراءات وتكثيف التنسيق في ما بينها، ممّا جعل مخاوفها تتغلّب على السؤال الأخلاقي بضرورة الاستقبال والاحتضان، خصوصا أنّ غالبيتهم من المسلمين الذين يطرحون مجدّدا “معضلة الاندماج” والخوف من الإرهاب في ظل إشاعات تتحدّث عن “أصولية” و”سلفيّة” بعضهم، ممّا يطرح ضرورة معالجة الأمر من منابعه وأسبابه لا من أعراضه ومشكلاته الراهنة.
الخميس 2016/04/21
أوروبا بين الواجب الأخلاقي وضرورة الاحتراز الأمني والسياسي

لم تعر الدول الأوروبية موضوع اللاجئين اهتماما جديا في البداية، كونها كانت تظنّ أنّ الأمر يقتصر على بضعة عشرات الألوف. لكن مع الوقت بدأت تدرك أنّ الموضوع أكبر من “بضعة الآلاف”، وباستثناء المستشارة الألمانية أنجيلا ميركيل التي بدت متحمّسة لاستقبال لاجئين، لم تظهر الدول الأوروبية أي حماسة لاستقبال مهاجرين جدد، لكنّ صورة الطفل السوري الملقى على شاطئ البحر غيّرت المشهد تماما، الأمر الذي خلق نوعا من الشعور بالذنب في أوروبا حيال هذا الموضوع، يقابله تخبّط واضح من الدول الأوروبية حيال هذه المشكلة مع التدفق الذي يجري بلا توقّف.

وكانت دول أوروبا الشرقية الممر الإجباري للاجئين من سوريا والعراق وأفغانستان، وهي الأكثر تشدّدا على اعتبارها دولا ديمقراطية حديثة وناشئة، فلا توجد فيها منظمات حقوق إنسان أو سواها من رأي عام ضاغط ومؤثّر في قراراتها من ناحية، وكون اللاجئين أنفسهم غير مهتمين أصلا بالاستقرار في أوروبا الشرقية التي تفتقر لمنظومة مساعدات كما هو الحال في دول الشمال الأوروبي من ناحية ثانية. ففي بلغاريا على سبيل المثال أعطي اللاجئون حق الإقامة لكن لم يبق أحد منهم في تلك البلاد وأكملوا سيرهم باتجاه دول الشمال الغنيّة.

لقد صارت كل دولة تتهرّب من استقبال لاجئين لأنّ غالبيتهم الساحقة من المسلمين، ممّا جعل الأمر يختلط بالإرهاب خاصة في ظل انتشار إشاعات مفادها أنّ هناك من كان منهم منخرطا في منظمات إرهابية إسلاموية.

وهناك دول أعلنت صراحة أنها لن تستقبل سوى لاجئين مسيحيين من الشرق الأوسط مثل بولندا وتشيكيا، ولم تستقبل سوى بضعة مئات من العائلات وقرّرت تشيكيا منذ أيام قليلة طرد أحد عشر عراقيا مسيحيا، وقد أثار البيان التشيكي المتعلّق بالموضوع تساؤلا في قوله “إنهم طردوا لأنهم استغلوا الكرم التشيكي”.

واستقبلت النرويج حوالي ثلاثين ألفا خلال الموجة الحالية. وهي تعمل أيضا على مساعدة اللاجئين في لبنان والأردن وتركيا في خطوة استباقية لتغيير وجهتهم نحو أوروبا. والحقيقة أنّ الرأي العام الأوروبي صار متشكّكا كثيرا في موضوع استقبال لاجئين، وقد قوّى هذا الأمر الأحزاب اليمينية المعارضة لاستقبالهم مثل الحزب الديمقراطي في السويد على سبيل المثال وهو حزب يميني معاد لاستقبال لاجئين وصار الحزب الثالث في البلاد، ويؤكد الرأي المنتشر الآن في أوروبا على وجوب مساعدتهم في بلادهم من طرف الدول الأوروبية، لكن كيف، فلا أحد يعرف بالضبط؟

وكانت السويد هي الدولة الأكثر “كرما” في موضوع اللاجئين، حيث طالما اعتبرت جنة اللاجئين في أوروبا لأنها تعامل اللاجئ حديث العهد على قدم المساواة مع المواطن، حيث يتمتع اللاجئ في هذا البلد بكل أنواع الرعاية التي يتمتع بها المواطن السويدي. وقدم بالفعل إلى السويد في السابق الآلاف من الإيرانيين والتشيليين والفلسطينيين والأكراد واليونانيين واللبنانيين واليوغوسلاف والسريان السوريين ومن الكوسوفويين والألبان وغيرهم.

الدول الأوروبية لم تكن متحمسة لاستقبال لاجئين لكن صورة الطفل السوري الملقى على شاطئ البحر غيرت المشهد

لكنّ السويد بدأت تعاني من مشاكل عدّة إذ لا يوجد ما يكفي من السكن لهذه الأعداد الكبيرة. كما أن السلطات السويدية بدأت تقلق من انتشار الفكر الأصولي الإرهابي بين اللاجئين، حيث ظهر قلق مفاده أنّ هؤلاء لن يندمجوا في المجتمع السويدي لأسباب ثقافية، وهو ما أدى لبروز مشاكل عنف، كما حصل في بروكسل عندما أقدم شباب من أصول مغاربية على ارتكاب أعمال إرهابية راح ضحيتها العشرات.

واستقبلت السويد في موجة اللجوء الحالية ما تعداده 51 ألف سوري و41 ألف أفغاني و20 ألف عراقي هذا عدا عن الآلاف من إيران والصومال وإريتريا، حيث بلغ المجموع 163 ألف لاجئ.

وتبقى المشكلة في أنّ تدفق اللاجئين مستمر بلا توقف حتى أنّ أحد المسؤولين في مراكز استقبال اللاجئين قال لي إنهم فوجئوا بمدى معرفة اللاجئين بالقوانين، خاصة تلك التي فيها امتيازات مادية لهم. وبحسب قوله فإنّ الفارق بين اللاجئين في السابق والآن هو أنّ اللاجئ اليوم صار يأتي ويختار البلد التي يريد الذهاب إليه انطلاقا من معلومات أكيدة ممّن سبقوه، أمّا في السابق فقد كان يأتي “على باب الله” بحسب تعبيره. أما الآن، في عصر الفايبر، فهم يعرفون تفاصيل أكثر منّا نحن!

ويظل السؤال الأكبر في أوروبا، متى يتم وقف تدفق سيل اللاجئين؟ لا أحد في أوروبا كما يبدو لي يعرف متى يتوقف زحف الآلاف عبر البحر. لقد قاموا بعمليات رشاوى في تركيا عبر إعطاء مواطنيها امتيازات للدخول إلى أوروبا من أجل وقف التدفق. لكن الحروب مستمرة والفقر ينتشر في العالم، ويبقى هاجس أوروبا الأكبر هو ألا تتحول إلى ساحة صراعات في المستقبل، كذلك فإنّ النسبة الأكبر من اللاجئين هم من ذوي التعليم المحدود ممّا أثار شكوكا كبيرة في أوروبا مفادها أنّه لن يكون بوسع الأغلبية منهم الاندماج في هذه المجتمعات، الأمر الذي قد يسهّل انتشار الأفكار المتطرفة بينهم ويتصاعد القلق حول هذا الأمر، ما قد يؤدي إلى هزات اجتماعية خلال المرحلة المقبلة.

ولا شك أنّ إرهاب بروكسل الأخير ساعد على تكوين رأي عام رافض للاجئين وقد أبدت أوروبا مؤخرا قلقا جديا على أمنها. وهي مؤشرات تنذر بأنّ مرحلة الكرم الأوروبي قد انتهت في موضوع اللاجئين. وإذا كان السؤال الأكبر في أوروبا هو متى يتوقف زحف اللاّجئين، فإنّ السؤال المقابل هو متى تتوقف الحروب في بلادنا وغير بلادنا لكي لا يضطر الناس إلى مغادرة أوطانهم؟

13