الخوف من الله

الأحد 2014/06/29

هناك احتمال نسبته 90 بالمئة أن أكون في بيروت يوم نشر هذا المقال بإذن الله، وواحد في المئة أن أُمنع من السفر بالقوة وهذا لم ولن يحدث هنا في الإمارات والحمد لله، والتسعة في المائة أن يتوفاني الله وبذلك لن أكون في بيروت اليوم بل حتى لن أكون في أي مكان إلا جسدي سيكون تحت التراب وروحي في مكان ما تبحث عن الله.

أخطأت بل وندمت عندما أخبرت بعض المقربين لي من الأصدقاء أنني أنوي السفر لبيروت لقضاء أول أسبوعين من رمضان، فما أن ذكرت ذلك حتى انهالت عليّ النصائح والتوجيهات والتحذيرات لعدم التوجه إلى بيروت لأنها لا تزال منطقة خطرة وغير آمنة، علماً أن كل هذه النصائح والتحذيرات جاءت قبل حدوث الانفجار في 19 يونيو من الشهر الحالي، وعندما حدث الانفجار ازدادت التحذيرات والرسائل النصية منهم لدرجة أنها كونت كومة من الطاقات السلبية الهائلة والتي أدت لحدوث انفجارات متتالية خلال عشرة أيام، فأوحيت لهم أنني عدلت عن رأيي حتى تتوقف الطاقات السلبية وربما تتوقف الانفجارات في بيروت أيضاً. الذي لا يعرفه معظم المقربين والأصدقاء عني أنني أحب أن أقدم النصائح والإرشادات بحكم تخصصي في علم النفس لكنني لا أحبذ سماع النصائح بل أرفضها خاصة إن كنت مقتنعة بأمر ما.

القضية ليست فيّ أو في سفري لبيروت وربما ليس خوفهم عليّ إنما هي إسقاطات لخوفهم على أنفسهم لو كانوا في مكاني. الإسقاط نقصد به في علم النفس هو أن يُسقط الإنسان ما به من مشاعر على الآخرين، كأن يتهم الكاذب أن الناس تكذب مثله أو أن يرى الخائف أن الناس تخاف تماماً مثله. والقضية هنا ليست الخوف من الإصابة بالأذى أو حتى الخوف من الموت بل هو أبعد وربما أعقد من هذا وهو يكمن في اللاشعور.

هناك الكثير ممن يلجأ لطلب الاستشارة النفسية لأمور غير واضحة بالنسبة إليه مثل أن يلجأ الشخص إليّ لأنه يخاف من المجهول وأن ذلك يُسبب له قلقاً. وعندما أحلل الأمر مع الشخص منطقياً وبالتوصل إلى الأسباب والنتائج أصل دائماً إلى نتيجة واحدة وهو الخوف من الموت، ولكن حتى الخوف من الموت لا يكون هو الخوف الحقيقي هنا، فعندما نحلل أسباب الموت وماهيته وماذا بعده، أصل مع المريض إلى نتيجة واحدة وهي الخوف من عذاب القبر أي الخوف من الله وعذاب الله له.

الخوف من الله بهذه الطريقة خوف يعتري الكثير من الناس وخاصة المسلمين ممن لم يسمعوا عن الله ولم يفهموا منه إلا الجنة والنار ربما حتى أكثر مما سمعوا عن رحمته، هذا الخوف يكمن في اللاشعور عند الشخص فمنذ أن ولدنا نشأنا وكبرنا وتعلمنا في المدارس ونحن نسمع ونقرأ كل ما يخوفنا من الله سواء من نية أو تفكير أو سلوك.

كيف لنا كبشر أن نخاف من الموت ليس لسبب وجيه غير أننا نخاف من الله الذي هو خالقنا بالدرجة الأولى، وهو الذي يُحيي ويميت؟ ما سمعت قط ممن حولي أو ممن هو بعيد أنه يهابه لهيبة وجوده أو أنه مستعد للموت متى ما حان وقته حتى يُقابل الله. لم ألتق بشخص من قبل ذكر لي أنه يحب الله فقط لأنه يحبه لا أكثر ولا أقل وليس بمقابل، أو أنه يُصلّي لأنه يُحب الله لا لأن الصلاة كانت فرضا وأنه يخاف من العقاب أو أنه ينتظر الثواب. حتى رمضان الشهر الفضيل يصومه الكثير ليس لأنه يتضمن دروساً وعبرا وشهر التقرب إلى الله روحانياً بل لأنه فرض ومن لم يصمه ينال عذاب من الله.

لا أحد يصوم فقط من أجل التقرب إلى الله ومن دون مقابل. حتى أن شهر رمضان أصبح علامة تجارية لأمور غريبة مثل الخمول والكسل وعدم القدرة على العطاء خلال النهار وعدم القدرة على ضبط الأعصاب والتحكم في الانفعالات وصولاً إلى المسلسلات الرمضانية وانتهاء بالخيم الرمضانية والسهر حتى السحور الدسم وتدور الحلقة مرة أخرى كما هي وكأن الصائم يقول لنفسه سوف أعوّض كل دقيقة صمت فيها بأن أقوم بكل ما ذكر أعلاه، ألا نخجل من أنفسنا إن لم نكن نخجل من الله!

متى نبدأ بالصيام فقط لأننا نحب الله ونحب أنفسنا ونريد أن نكون في صحة جيدة؟ متى نصلّي فقط لأننا نود أن نختلي مع الله وننعم بحالة من التأمل والخشوع مع الله لا خوفاً منه؟ متى نستقبل الموت بابتسامة ولهفة لقاء رب العالمين ونترك له قرار ما يخص محاسبة سلوكنا؟ متى نبدأ بمحاسبة أنفسنا قبل أن نخاف من محاسبة الله؟

ورمضان مبارك على الجميع.

5