الخوف من المستقبل المجهول وحش أناني يقتل الحاضر

الأربعاء 2014/03/26
الأفكار والتصورات المبالغ فيها من شأنها أن تحوّل حياة الناس إلى جحيم لا مبرر له

ترى، ما الذي يستدعي القلق من أمر قد لا يحدث مطلقاً؟.. وما هو الداعي لجعل الحاضر اليومي داكناً، بسبب القلق على مستقبل قد يكون مضيئاً؟ ربما لا تجتذب علامات الاستفهام هذه اهتمام بعض الناس، الذين تعايشوا مع هذا النوع من المشاعر السلبية، فصبغت حاضرهم بلون داكن تستحيل معه رؤية أي بصيص من ضوء المستقبل.

أكدت دراسة حديثة على أن الناس الذين يواجهون أحداثاً سعيدة في حياتهم، قلما يعبرون عن شعورهم بالفرح خوفاً من تبعات هذا الشعور بل إنهم قد يتجنبون هذا؛ وهم مثلهم مثل ملايين البشر الذين يشاركونهم هذا التصور الغامض الذي لم يجد له علم النفس تفسيراً محدداً، حيث يتوقع هؤلاء حدوث أمر غير سار ما قد ينغص عليهم شعورهم بالفرح.

وكشف علماء نفس في نيوزيلندا أن المجتمعات في الشرق والغرب، تعاني من هذه الظاهرة مع اختلاف المبررات والدوافع التي تمنعهم من (إشهار) شعورهم بالسعادة.

ويؤكد عالم النفس الدكتور دان بيترز، أن الناس في بعض المجتمعات ليس لديهم الاستعداد للتعبير عن السعادة، خاصة الشعور العارم بالفرح، لعدة أسباب؛ لعل أهمها يتعلق بالخرافات والمعتقدات التي تحذر من أن (التصريح) بسلوك الفرح قد يجذب الانتباه ويعزز حسد الآخرين وربما احتقارهم، حيث يُعتبر الفرح ضربا من الأنانية في بعض المجتمعات الشرقية، ولا يتناسب مع ما يواجهه الناس من صعوبات في التكيف مع التطور إضافة إلى تدني مستوى المعيشة.

ولعل الخوف من المجهول والمستقبل من أكثر العوامل فاعلية في التأثير على مشاعر الناس؛ هذا الخوف والقلق المبالغ فيه من الآتي أو ما يطلق عليه (الوحش) المتربص في الظلام، الذي يمكنه أن يظهر لملايين البشر يومياً من جميع الأعمار قد لا يوجد له رادع. كل هذا بسبب سيطرة أفكار تتعلق باحتمالات ما (قد) يحدث في المستقبل المجهول.

القلق قد يولد مع الفرد أو قد يكون مكتسبا من حيث هو أسلوب في الحياة تعتمده الأسرة وتورثه لأبنائها

الدكتور دان بيترز، وهو طبيب نفساني، ومدير مركز سومت الاستشاري العلاجي في كاليفورنيا وباحث ومؤلف لمجموعة من الكتب التي تعالج موضوع الخوف والقلق النفسي؛ يسمي هذا النوع من القلق “الوحش”؛ حيث يوصي الناس بضرورة محاربته قبل أن (يستأسد) عليهم فتصبح السيطرة عليه أمرا مستحيلا.

ويؤكد على أن الأفكار والتصورات المبالغ فيها، من شأنها أن تحرّض هذا “الوحش” وأصدقاءه المقربين؛ مثل الوسواس القهري والتوق إلى تحقيق الكمال، لتحوّل حياة الناس إلى جحيم لا مبرر له.

ولاحظ الدكتور بيترز من خلال تجاربه ومشاهداته وحواراته مع الجمهور، أن استجابات الناس لوحش القلق والخوف من المستقبل تختلف من حيث النوع والشدة؛ كما أن أغلبهم، ممن يعاني من هذا القلق المفرط، لا يدركون ذلك، وبالتالي فهم لا يبحثون عن المساعدة وينظرون إلى قلقهم هذا وكأنه أمر طبيعي.

ويرى الدكتور دان إن القلق قد يولد مع الفرد أو قد يكون مكتسبا من حيث هو أسلوب في الحياة تعتمده الأسرة وتورثه لأبنائها، لذلك فالطفل الذي يعتريه القلق بصورة مبالغة هو طفل لوالدين يعانيان من هذا الأمر أيضاً وقد يكون الأمر منوطاً بشجرة العائلة التي تمتد للأجداد الكبار.

يقول الدكتور بيترز: “لم يفت الأوان بعد، فهناك دوماً فرصة سانحة لتعلم شيء جديد يمكن أن يحدث التغيير الإيجابي في حياتنا؛ فبعض البالغين الذين تجاوزوا مرحلة الشباب بكثير لا يترددون في تعلم مهارة جديدة، قد تكون لغة أجنبية أو مهارة رياضية وحتى الطيران إذا كانت لديهم الرغبة والدافع، فلما لا يكون الهدف هذه المرة ترويض النفس على اكتساب مهارة نفسية جديدة، من شأنها أن تقمع سيطرة الأفكار السلبية على حياتنا وتعلمنا كيف نتخلى عن قلقنا على المستقبل وكيف نواجه وحش الخوف بشجاعة ونستمتع بشعور السعادة من دون منغصات؟”.

الذين يواجهون أحداثا سعيدة في حياتهم قلما يعبرون عن شعورهم بالفرح خوفا من تبعات هذا الشعور

ولكون هذا النوع من وحش القلق يتصف بالشراسة والقسوة، فإن الدكتور بيترز وضع بعض الخطوات لمحاربته أطلق عليها “خطة المعركة”، وأهمها أن هذا النوع من المخاوف سيؤثر سلباً على النظرة إلى الحياة كما يكمن تأثيره الكبير على الصحة كونه يتسبب في ضيق الصدر واضطراب ضربات القلب إضافة إلى آلام المعدة والصداع والدوار، وهذه الأمور يمكن أن تحمل نتائج عكسية لمسببات القلق غير المبرر؛ فهذا المجهول الذي نخافه قد يكون تدهور في الصحة، لذلك يتوجب علينا محاربته حفاظاً على صحتنا. كما ينصح بيترز بضرورة توجيه أفكارنا إلى المسار الصحيح، فبعض أنواع القلق الذي يسبق إجراء مقابلة عمل قد يكون مشروعاً إذا لم يبالغ فيه، إذ أن المبالغة هنا تتسبب في تشويش أفكارنا وتوصلنا إلى النتيجة التي لا نحبها والتي كانت مصدراً لقلقنا في الأساس، كما أن التركيز في لحظة (الحاضر) من شأنه أن يبقينا بعيداً عن (الوحش) الذي يتغذى على المستقبل المجهول.

أما النصيحة السحرية فتقول: افعل على عكس ما يحضّك عليه وحش القلق، فالهروب إلى مناسبة اجتماعية بسيطة قد يكون خطوة في الاتجاه الصحيح، حيث أن الاندماج في النشاطات الاجتماعية يجعل من مهمة (وحش القلق) عسيرة، لأنه لا يمكنه الاستفراد بنا وسط مجموعة من الناس.

21