الخوف والإثارة يغزوان مسرح الشباب في مصر

مسرحية "ظل الحكايات" متاهات لانهائية متعددة التأويلات في رحلة الاغتراب الإنساني.
الاثنين 2020/01/06
غياب الواقع والبشر لصالح التهويمات والجماجم

للمسرح التجريبي المتمرد على العُلبة التقليدية خصوصيته في التعاطي مع السرد، فالحكايات ليست مجرد وقائع اعتيادية في حياة الإنسان، وإنما هي فضاءات واسعة لرحلات الذات وتخبطها في العالمين الحقيقي والفانتازي، وكذلك هي مجالات شاسعة للإبحار في دواخل الذات وطبقاتها العميقة من خلال الخيالات وأحلام اليقظة والكوابيس.

القاهرة - في صندوق سحري أسود مليء بالأشباح والأقنعة تدور أحداث المسرحية المصرية “ظل الحكايات” لشباب فرقة مسرح الغد، مقترحة كائنات غريبة، وعلاقات متوترة، وأحداثًا غامضة؛ هي الظلال السوداء للحكايات.

و”ظل الحكايات” مسرحية تنتمي إلى مثل هذه الأجواء التداخلية الضبابية، متعددة التأويلات ومستويات الإدراك والتلقي، متنوعة الإحالات والحالات النفسية والشعورية المُتماوجة افتتانا ونشوة ورهبة.

وجاء العرض من تأليف إبراهيم الحسيني، وإخراج عادل بركات، مُعليا مفاهيم جماليات الخوف والإثارة والجريمة والبوليسية كمنابع طاقة حيوية باتت تغزو الكثير من أعمال مسرح الشباب في مصر خلال الفترة الأخيرة، كسرا للملل والقوالب الدرامية النمطية، وبحثا عن التشويق واجتذاب المتلقي بواسطة خطفه وسرقة حواسه، خصوصا مع الحرص على التقنيات المسرحية المُتطورة المُبهرة.

حرص العرض على تحقيق هذه الأبجديات المتفوقة من خلال سينوغرافيا محمد فتحي المتميزة والإضاءة والملابس والديكور الاستثنائي لمحطة القطار المسكونة بالأشباح وأشباه البشر والكائنات الغرائبية التي تشارك الآدميين والمقنّعين بطولة العرض.

المسرحية أسرفت في تعميق الأساطير وتغليب الجنون على الأحداث الواقعية ومدركات العقل

وجاءت عرائس وماسكات فتحي مرزوق، وموسيقى صلاح مصطفى، والرؤية السينمائية لطارق شرف من خلال شاشة العرض في الخلفية، ذات طاقة تعبيرية عالية، وهي كلها مفردات تآزرت لخلق “مناخ الرعب الكامل”، الذي تُحتبس فيه الأنفاس، وتتصاعد دقات القلوب، مع كل مشهد ولقطة في العمل البصري المركّب.

قدّم الممثلون رامي الطمباري، عبير الطوخي، محمود الزيات، خالد محايري، محمود خلفاوي، غادة صفوت، علي أيمن، أسامة جميل وغيرهم، قدرات بارعة في التفاعل مع سيناريو غير تقليدي والانخراط في لوحات سريالية مفكّكة، والتعامل مع شخصيات خيالية من طيور وديناصورات وغيرها.

أبدع الطمباري على وجه الخصوص في تجسيد شخصية “منصور”، بطل العرض المأزوم “المهزوم”، فهو “الهارب من كل الحكايات”، الذي يكتشف في النهاية بعد رحلة مُرهقة أنه دون هذه الحكايات التي تسكنه ويسكنها “مجرد لا شيء”، فيقتنع بأنه لا بأس من خوض محطات الخوف، فلعله يعيد اكتشاف حقيقة ذاته، قائلا “هذا أفضل من أن أنتظر مرور القطارات، ولا شيء يحدث”.

منصة اللاوعي

اتسم العمل بالطرح الفلسفي الذهني حد التعقيد، والتشظي في المواقف والمشاهد والأحداث، والإفراط في محاولات سبر أغوار الذات وتقصّي صراعاتها الداخلية، وتحليل الخلل النفسي للإنسان المعاصر في عالمه غير المفهوم، كما أسرف العرض في تعميق الأساطير وتغليب الجنون على حساب الأحداث الواقعية ومدركات العقل.

وتجسدت البطولة الحقيقية في عناصر الإبهار التخييلي والتقنيات التجريبية في الصورة والصوت والحركة والأداء، على حساب التماسك بمعنى الحبكة والبنية المسرحية، والتواصل مع الجمهور البسيط الذي ربما شغله الشتات والتوتر والانخطاف عن التركيز والتأمل واستيعاب رسائل العمل من أفكار وجماليات على السواء انطلقت في مجملها من منصة اللاوعي.

كائنات غريبة وعلاقات متوترة وأحداث غامضة
كائنات غريبة وعلاقات متوترة وأحداث غامضة

اكتفى عرض “ظل الحكايات” بأن يكون مثل عنوانه، ظلالا سوداء مخيفة للحكايات، تُخفي الوقائع ذات الطابع البوليسي أكثر ممّا تُفصح عنها، ليتشكل العرض من سلسلة ألغاز لا تتكشّف، لأن غموضها هو الطموح الغائي.

وهذه الهوامش الكثيفة للحكايات هي وفق فلسفة المسرحية رائحة البشر، وسبيل قراءة أعماقهم قراءة رمزية، من غير حروف، وهي قراءة تشبه تفسير الأحلام، لا تقوم على المنطق، وتكتفي بالحدس والإشارات والتقاط المشاهد الجزئية، لتكوين وجهة نظر أو رأي احتمالي حول موقف أو مشهد أو حالة.

لعنة الأساطير

انطلقت المسرحية بواقع ضيّق محدّد زمانيا ومكانيا (ليلة زفاف صديق منصور في إحدى القرى، ولهذا السبب سافر منصور بالقطار إلى القرية لكي يحضر عُرس صديقه)، وهذا هو الحدث الوحيد الملموس المُتعيّن في المسرحية، ومن خلال انشطاراته وتفريعاته، تبدّد كل ما هو واقعي، وحلت اللعنات والأساطير.

في زرقة العتمة تكاثرت خيوط الغموض الشفيف، وتناسلت كخيوط العنكبوت، مع دقات الآلات النحاسية، وموسيقى الوتريات، والإيقاعات الصاخبة المدوّية في الفراغ المحرّكة للزمن “تك. تك. تك”، والتقى البشر والعرائس والأشباح والأقزام والجماجم والبومات والكائنات الأسطورية والمنقرضة في دوامات المشاهد القصيرة العابرة، التي مثلت كل واحدة منها حكاية أو كابوسا ممّا يراه منصور في نومه، أو يتوهمه في يقظته، فلا أحد يعرف الفرق بين الحقيقة والخيال.

وفي هذه المتاهة، وجد منصور ذاته متهما بقتل صديقه، وخائنا له بزواجه من خطيبته التي كان يستعد صديقه للزواج منها، كما وجد ذاته على النقيض، ملاكا أبيض في أحلام أخرى، يفرد جناحيه في السماء، ويرفرف مع الأرواح ممتطيا طائرا (في شاشة العرض السينمائية)، يغسل جراحه بالندى والنور، فيما يهدّده الديناصور الذي يطل من النافذة “لن تقدر”.

انعقدت محاكمات شتى لمنصور، في محاولة لتقييم ضميره، دون جدوى، فهو خليط بين الإنس والجن والملائكة، وبعدما أصابه الذهول من كثرة الحكايات والروايات في القرية، صار غريبا عن ذاته، لا يعلم من هو، ولا من أين أتى، فكل من قابلهم أشباح، وحتى صديقه الذي جاء لكي يحضر عُرسه، واتهموه بقتله، أكّد له آخرون أنه ميت منذ أكثر من عام. ومن خلال هذه الأحلام والأوهام  والأحداث التخييلية المتناقضة، كشفت المسرحية الصراعات النفسية داخل البشر، بتحليل شخصية الإنسان المعاصر، فمنصور وصل إلى هذه الحالة لأنه في الحقيقة مُتذبذب، أضاع عشقه وحبيبته بسبب سلبيته وعجزه عن مقاومة ضغوطات الحياة وماديتها، وألقى بنفسه في أحضان المرأة اللعوب الماجنة (خطيبة صديقه) كونه رضخ لإرادة الجسد متناسيا رقيّ الروح.

لقد طرح عرض “ظل الحكايات” أزمة هروب الإنسان من إنسانيته، وسعى العرض سعيا محموما محمودا إلى المصالحة بين البصر والبصيرة، وإعادة تصالح الإنسان مع ذاته، وقدّم أبجدية مسرحية متطورة ولغة عربية فصيحة سليمة، منطوقة بسلاسة في السرد والحوار والغناء، مع مداخلات رشيقة بالعامية المصرية، لكن مثلما قال العرض ذاته “ما بين الحلم والواقع مطرقة وسندان”، فإن الحلم بعمل مسرحي متكامل متميز اصطدم بهذا الإفراط في الشطط والمغالاة في الانغلاق والتغريب والتشعبات الفرعية، إلى درجة فقدان العمود الفقري للنص.

17