الخوف يحول دون التصدي لظاهرة الاغتصاب في الجزائر

الأحد 2016/09/18
إدانة ظاهرة الاغتصاب ودعوات متكررة لاستئصالها

الجزائر - لا زالت صدمات الاغتصاب تتالى على الجزائريين وتتصدر افتتاحيات الصحف المحلية، فرغم جهود مؤسسات الأمن والنصوص التشريعية، إلا أن سلطة المجتمع والتقاليد تبقى الكاتم الذي يحول دون الكشف عن الأسرار، وتبقي الإحصائيات الرسمية عن واقع اغتصاب المرأة في الجزائر غير دقيقة. وكما لم تسلم فتيات في عمر الزهور من غرائز الحيوانات الآدمية، تتعرض سيئات الحظ في مختلف المواقع المهنية والاجتماعية للاعتداء الجنسي، ويزيد عامل تكتم الضحايا على الجناة، خشية تبعات الفضيحة من استفحال الظاهرة وهشاشة البنية الاجتماعية.

وأكدت مصادر أمنية في الجزائر لـ"العرب"، بأن الإحصائيات المكشوف عنها من طرف الدوائر المختصة، حول ظاهرة اغتصاب المرأة في الجزائر، تبقى بعيدة عن الواقع ولا تعكس الحقائق، بسبب التستر الذي يمارسه الكثير من الضحايا خوفا من ارتدادات الصدمة على الصعيد الأسري والاجتماعي، وكثيرا ما تدخل المعالجات الوديّة لدفن الفضائح، رغم التبعات النفسية الخطيرة على حياة الضحية.

وأضافت المصادر "هناك شبه تطابق بين التقارير المقدمة من طرف مصالح الأمن والقضاء، وبين التقارير التي تعدها بعض الجمعيات الحقوقية، ففيما تحدث بعضها عن وقوع حالة اغتصاب كل 24 ساعة، تحدثت أخرى عن تسجيل حوالي 300 حالة اغتصاب سنويا، ولا زالت الظاهرة تتوزع بين مختلف الفئات العمرية من سن الزهور إلى سن الخمسين، وتتنوع أساليب الجريمة بين الإغراء والمخدرات والاعتداءات القسرية".

وتابعت "شكّل دخول الهاتف الخلوي وشبكات التواصل الاجتماعي عامل ابتزاز في جرائم الاغتصاب، حيث كثيرا ما تلتزم الضحية الصمت على ما تعرضت له، بسبب تهديدها من طرف الجناة، بنشر صورها، أو تبادلها بين الأصدقاء وحتى كشفها لأهلها".

رغم الإجماع على إدانة الظاهرة والدعوات المتكررة لاستئصالها، إلا أن أوساطا سياسية محافظة وإسلامية، لم تتوان في توجيه الاتهام للمرأة

وحسب الناشطة الحقوقية والمحامية فاطمة الزهراء بن إبراهم، فإن المشرّع الجزائري لم يتوان في سن عقوبات قاسية في حق الجناة، فالبنود 335 و336 من قانون العقوبات تنص على عقوبة تتراوح بين خمس وعشر سنوات من السجن النافذ لكل من ارتكب فعلا مخلا بالحياء ضد إنسان ذكرا كان أو أنثى، وإذا وقعت الجريمة على قاصر دون 16 سنة يعاقب بالسجن النافذ من 10 إلى 20 سنة.

وأضافت إبراهم "تبقى العقوبة دون مستوى الفعل وآثاره السلبية على حياة الضحية، ففيما يقضي الجاني عقوبة السجن ويعود إلى الحياة العامة وكأنّ شيئا لم يقع، يبقي منطق المجتمع الضحية عبئا على العائلة والمعارف، ووصمة العار تلاحقها طيلة حياتها، وعلامات إدماجها كزوجة أو أخت أو بنت غير ممكنة، في ظل الذهنية التي تهيمن على المجتمع الجزائري والعربي، فهو لا يرحم المرأة التي مست في شرفها ولو بالقسر، بينما الأجدر هو إدانة الجاني لا معاقبة الضحية".

ولم تتوقف ظاهرة اغتصاب النساء عند حدود المجتمع، بل تعدته لتطال المهاجرات من القارة السمراء إلى الجزائر خلال السنوات الأخيرة، حيث يتم استغلال أوضاعهن الهشة وظروفهن القاسية لاغتصابهن بالإغراء أو التهديد، الأمر الذي يستدعي دق جرس الإنذار، قبل تفاقم الظاهرة.

وكشف تاج الدين عبدالعزيز عضو الجمعية الوطنية للحماية من الإصابة بالسيدا، على هامش يوم دراسي حول إعانة المهاجرين وحمايتهم، من خلال عملية إحصائية عن أن 49 بالمئة من النساء الأفريقيات تعرضن للاغتصاب بالجزائر، ما يستدعي وقفة جادة من طرف المؤسسات الحكومية لتكثيف جهودها لحماية هؤلاء من مختلف الاعتداءات.

وكانت الحكومة الجزائرية، قد أصدرت العام الماضي، ترسانة من القوانين بغية حماية المرأة من التحرش والاعتداء الجنسي، وشددت العقوبات على الجناة، لكنها تبقى غير ناجعة أمام ميل الكثير من الضحايا لإخفاء تلك الجرائم، تلافيا لأيّ اصطدام مع الأسرة والمجتمع، والاكتفاء بالمأساة الذاتية، بغية تخفيف الأضرار، ما دام المجتمع الجزائري لا زال يدين الضحية ويعفو عن الجناة.

وفي هذا الشأن تقول الناشطة بن إبراهم "نبهنا الحكومة والبرلمان عند عرض القوانين للنقاش والمصادقة، وقلنا إنها غير كافية ولن تكون ناجعة، والحل ليس في القمع أو الترهيب، بل في تغيير نمط ونظرة المجتمع، فالكل مطالب بالمساهمة في إرساء القيم الأخلاقية، بداية من المدرسة والإعلام والمسجد والمجتمع المدني.. وغيرها".

ورغم الإجماع على إدانة الظاهرة والدعوات المتكررة لاستئصالها، من أجل حماية المرأة وحفظ كرامتها، إلا أن أوساطا اجتماعية وحتى سياسية محافظة وإسلامية، لم تتوان في توجيه الاتهام للمرأة وتحميلها مسؤولية تنامي الظاهرة، بدعوى "استفزازاتها المظهرية وتصرفاتها السلوكية المثيرة للغرائز والمفضية للاعتداءات الجنسية"، وتدعو إلى فرض أنماط حياتية تتنافى مع حرية المرأة، وإلى تفعيل فكرة الفضاءات النسوية الخاصة في العمل والنقل والدراسة.

كاتب من الجزائر

20