الخيار الأبقى

الخميس 2015/08/06

أتجول هذه الأيام في سوسة التونسية بتفاؤل ومحبة كبيرين، سوسة التي ضربها الإرهاب في قلبها منذ أسابيع، فاندلقت منه الحياة في كل ركن وجانب بلا تحفظ. دائما كنت أعرف مدى حب التونسيين للحياة واحتفائهم بها، ودائما كنت أعرف أن التونسي يكره العنف والدم، ويميل إلى التسامح والمحبة، لكن ما أشاهده هذه الأيام في سوسة التونسية مذهل حقيقة، عائلات، نساء، رجال وأطفال يملؤون المدينة ليلا نهارا، الحياة لا تتوقف لحظة، كأن الكل اتفق على نبذ الخوف، وعدم الانصياع للترهيب، الشوارع والمقاهي والمطاعم والبارات والشواطئ تعج بالتونسيين وضيوفهم من الجزائريين والليبيين، المدينة صاخبة صاخبة، كأنها لم تتلق ضربة مؤلمة منذ أيام قليلة، كأن الحياة التي تسكن كل شريان فيها ترفع التحدي في وجه كل من يعيقها.

ما أضعف أعداء الحياة، وما أقوى محبيها، ما أجبن الموت، وكم هو هش وبائس ومهزوم الذي يظن أنه يملك حق سلب البشر بهجة الحياة.

أتابع بعيني عائلة تونسية تجلس قريبا مني في مقهى لا يكاد يخلو كرسي فيه. أنظر إليهم كأنني أرى هذا المشهد لأول مرة، عائلة بسيطة بلا تفاصيل كثيرة، الأب يشرب شاي الصنوبر، والأم تتكلم في الهاتف، والأطفال يمرحون، يجلسون في دعة وأمان وثقة، ومن دون إشارة واحدة تدل على خوف مترسب في النفوس.

لقد انهزم الإرهاب، ليس فقط بسبب إصرار الأشقاء من الجزائر وليبيا على قضاء إجازاتهم في تونس، كالعادة، ومن دون تردد، ولكن بسبب هذه الروح الجميلة، المقاتلة، المصرة على انتزاع حق الحياة، الطيبة، التي يتحلى بها التونسي هذه الأيام.

لم أشاهد سوسة بهذه الضخامة من قبل، لم أرها بمثل هذا القلب في حياتي، حتى أعوان الأمن الذين ينتشرون في الشوارع ومداخل المرافق العمومية والمباني لا يتوقفون عن الابتسام والحديث مع المواطنين، بوجوه منبسطة وأريحية غير معهودة. سائقو التاكسي، الذين كانوا يرفضون الوقوف للتونسي، ويفضلون عليه الأجنبي لأنه يدفع أكثر، يقفون اليوم بمحبة كبيرة، ويعاملون التونسي معاملة الحريف المبجل. أحدهم أخبرني بعد أن فتح لي باب سيارته، أنه كان ينوي الذهاب لبيته لتناول الغداء، لكنه عدل عن ذلك، عندما راني، مع الطفلين، نقف تحت الحر الشديد.

عمال الشواطئ ألطف، ونادلو المقاهي، وبائعو الياسمين، وبائعو التحف وملابس الجلد والجرائد والموسيقى، ربما لأن الذين ظنوا أن غياب السائح الأجنبي يعني خراب بيوتهم، فوجدوا في النهاية أن خراب البيوت أهون وألطف من خراب الأرواح..

الكل يحتفي، مجبرا أو عن طيب خاطر بالتونسي،.. فهو الخيار الأبقى.

21