الخيار الدبلوماسي بوابة لتسوية أزمات المياه في الشرق الأوسط

ترتبط قراءات الباحثين والمحللين الاستراتيجيين في المسبّبات التي يمكن أن تقوم على أساسها الحروب في المستقبل، في أغلب الأحيان، بأزمات المياه والمشاكل الخطيرة المرافقة لها. ولا تعدّ منطقة الشرق الأوسط بمعزل عن هذه التحديات الجمّة، وفق دراسة صادرة عن المركز الإقليمي للدراسات الإستراتيجية بالقاهرة، بل هي ربّما معنية بها أكثر من أي منطقة أخرى، نظرا لأنّ بوادر الصراعات حول المياه فيها قد بدأت تظهر بأشكال جلية وجديّة، مما دفع بعدد من دول المنطقة إلى التوجه نحو الخيار الدبلوماسي لتسوية ما يمكن تسويته تجنبا لأي تداعيات محتملة، في ظل تواصل العقبات.
الاثنين 2015/06/15
الحرب السورية تفاقم من أزمة المياه وتزيد معاناة السوريين

القاهرة - تتّجه بعض دول منطقة الشرق الأوسط نحو تسوية الخلافات العالقة في ما بينها حول المياه، التي باتت أحد محاور التنافس والصراع في المنطقة، بشكل يؤشر على أن هذه الدول باتت تفضل الخيار الدبلوماسي في حلّ مشكلات المياه، لا سيما في ظلّ التطورات التي طرأت على الساحة الإقليمية خلال الفترة الأخيرة، وعلى رأسها سيطرة تنظيمات مسلحة إرهابية على روافد المياه لامتلاك أوراق ضغط جديدة في الصراع مع خصومها، فضلا عن انتشار الحروب الأهلية وبروز أنماط جديدة من الدول “المرتبكة”. ومع ذلك، يبقى تبني دبلوماسية المياه قيد التشكل في ظلّ عوائق مستقبلية قد تحدّ من فاعلية هذا الخيار.

دلالات متباينة

كشف اتجاه بعض دول المنطقة إلى توقيع اتفاقيات خاصة بالمياه عن تزايد فاعلية الخيار الدبلوماسي في حلّ المشكلات القائمة المتعلقة بها، ويتمثل أهم هذه الاتفاقيات في:

*أولا، اتفاق قناة “البحرين” بين إسرائيل والأردن، الذي تم توقيعه في 26 فبراير 2015، ويهدف إلى ربط البحرين الأحمر والميت بقناة بين إسرائيل والأردن، ويتضمن إقامة مجمع لتحلية المياه شمال مدينة العقبة الأردنية.

*ثانيا، اتفاقية إدارة وحماية المياه الجوفية في طبقة “الساق/ الديسي” بين الأردن والسعودية، التي تم التوصل إليها في 30 أبريل 2015، وسيعمل الطرفان بمقتضاها على مراقبة مستويات المياه الجوفية ونوعيتها وكميات المياه المسحوبة إلى جانب جمع البيانات وتحليلها وإرسالها إلى الهيئات المعنية في كلتا الدولتين.

*ثالثا، وثيقة “إعلان المبادئ” حول سد “النهضة” الإثيوبي، التي تم إبرامها في 23 مارس 2015، وتتضمن تحديد أطر استخدام المياه بعد بناء السد ووضع قواعد فنية يتوافق عليها خبراء الدول الثلاث لتجنب الإضرار بحصص الدول وإنشاء آلية للتنسيق والتشاور لتسوية الخلافات العالقة بين مصر وإثيوبيا.

إيران عمدت مرارا إلى قطع المياه عن أكثر من 45 رافدا وجدولا موسميا كانت تغذي الأنهار والأهوار في العراق

*رابعا، معاهدة ترسيم الحدود البحرية بين سلطنة عمان وإيران، في منطقة بحر عمان، التي تم توقيعها في 26 مايو 2015، خلال زيارة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إلى مسقط.

ويطرح سعي بعض دول المنطقة إلى تبني “دبلوماسية المياه” في الإقليم دلالات عديدة، تتمثل الأولى في تزايد تكلفة التعامل مع مشكلة ندرة المياه، حيث تعد دول منطقة الشرق الأوسط من الدول الفقيرة مائيًا مقارنة بمناطق أخرى من العالم.

وقد كشف تقرير حديث للمجلس العربي للمياه، صدر في مايو 2015، عن أن ثمانية عشرة دولة عربية تعاني من مشكلة ندرة المياه، حيث يصل نصيب الفرد من المياه في ثماني دول إلى 200 متر مكعب في العام، في الوقت الذي يصل فيه نصيب الفرد على المستوى العالمي إلى 1000 متر مكعب. وأشار إلى أن المياه النظيفة لا تصل إلى 84 مليون نسمة.

ويبدو أنّ ذلك هو ما دفع دولا عديدة إلى اللجوء إلى خيارات أخرى على غرار المياه الجوفية وتحلية المياه، وقد أشار التقرير السابق إلى أن 50 بالمئة من مشاريع تحلية المياه في العالم موجودة في المنطقة، لكن هذه الخيارات تواجه بدورها مشكلات عديدة.

وتنصرف الثانية، إلى وجود علاقة بين التطورات التي شهدتها الدول التي شهدت انتفاضات ما سمي بـ”الربيع العربي”، وبعض المتغيرات البيئية على غرار ندرة المياه وتغير المناخ، فقد كشفت دراسة علمية نشرتها مجلة تابعة للأكاديمية الوطنية للعلوم (PNAS) في مارس 2015، أنّ هناك علاقة وطيدة بين اندلاع الثورة السورية وتغير المناخ، حيث أدّت موجة الجفاف التي اجتاحت سوريا بين عامي 2007 و2010، إلى نزوح عائلات كبيرة إلى المدن، بشكل دفع اتجاهات عديدة إلى الحديث عن ظاهرة “لاجئي المناخ”.

إغلاق تركيا لأحد سدود نهر الفرات يمكن أن يؤثر في المستقبل على حصة المياه لكل من سوريا والعراق

وتتعلق الثالثة، بتعمد التنظيمات المتشددة، مثل تنظيم “داعش”، استخدام موادر المياه كأحد أدوات الصراع مع خصومها، حيث اتجه “داعش”، في أول يونيو 2015، إلى غلق سد الرمادي على نهر الفرات بهدف خفض منسوب المياه في نهر الفرات، وقطع المياه عن مدينتي الخالدية والحبانية، وذلك لتسهيل تنقل عناصره ومنع تقدم القوات العراقية والميليشيات الموالية للحكومة لتحرير مدينة الرمادي.

وقد حذرت جهات عديدة من أن تكرار إغلاق السدود في تلك المناطق سوف يؤثر بشكل سلبي على ري المناطق الزراعية في المناطق الجنوبية على غرار الحلة وكربلاء والنجف.

عقبات مستقبلية

ورغم تزايد الاتجاه نحو الوصول إلى تسويات بشأن مشكلات المياه، التي ينبئ تفاقمها بإقبال المنطقة في المستقبل على صراعات خطيرة ربما تأخذ الطابع المسلح العنيف، إلاّ أنّه ثمة عقبات عديدة تقف أمام تفعيل هذا الخيار في الفترة القادمة. إذ أنّ هذا الاتجاه لا ينفي أن هناك تنافسًا إقليميًا متصاعدًا حول السيطرة على المياه، حيث تتعمد بعض دول الإقليم إحكام سيطرتها على الموارد المائية ورفض أية مبادرات للتعاون مع دول الجوار في هذا الإطار، على غرار إيران وتركيا، هذه الأخيرة التي قامت، في منتصف أبريل 2014، بإغلاق أحد سدود نهر الفرات، ممّا أدى إلى انخفاض منسوب المياه في بحيرة “الأسد” بنحو ستة أمتار، وهو ما يمكن أن يؤثر في المستقبل على حصة المياه لكل من سوريا والعراق.

ومازالت أسباب المشاكل حول المياه بين إيران والعراق بدورها قائمة وتنبئ بمزيد التعقيد في ظل مواصلة طهران لمحاولاتها للهيمنة على ثروات العراق بما فيها المائية.

وتعود مشكلة الأنهار الحدودية والأنهار المشتركة بين العراق وإيران، إلى الفترة التي أنشأت فيها طهران سدا على نهر “الوند” عام 1960 أيام حكم الشاه، وقطعت المياه عن مدينة “خانقين” ثم أقامت سدودا على وديان وأنهار “مندلي” و”النفط خانة” كما تسمى، وقطعت مياهها عن العراق.

“داعش” استخدم موارد المياه كأحد أدوات الصراع مع خصومه حيث اتجه في يونيو 2015، إلى غلق سد الرمادي لتسهيل تنقل عناصره

كما عمدت إيران في وقت لاحق إلى قطع المياه عن أكثر من 45 رافدا وجدولا موسميا كانت تغذي الأنهار والأهوار في العراق أهمها أنهار الكرخة والكارون والطيب والوند، وآخر تلك الأنهار التي قطعت (في أوت 2011) هو نهر “هو شياري” الذي يروي محافظة السليمانية في إقليم كردستان العراق.

وقد كانت تلك الخطوات العدائية الإيرانية محل رفض عراقي وإقليمي لما يمكن أن ينجر عنها من تجفيف لموارد العراق المائية، ويزيد من حدّ الأزمات التي يعيشها، لكن التعنت الإيراني ينبئ بأن تلك الأزمة لن تنتهي قريبا خاصة أنّ المناطق المترامية جنوب شرق إيران تعاني من موجة جفاف حادة، تؤثر على الثروة الحيوانية والزراعة التي يعتمد عليها سكان المنطقة، وغالبيتهم من الأقلية السنية في إيران، ما ينبئ بارتفاع وتيرة الاحتجاجات المتعلقة بالمياه.

وفضلا عن ذلك، فقد حذر تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأراضي الفلسطينية، في 19 يوليو 2014، من إمكانية تحول قطاع غزة إلى “منطقة غير صالحة للعيش”، على خلفية مشكلة المياه والكهرباء التي تسببت فيها السياسات التي تبنتها إسرائيل.

خلاصة القول، يبدو أنّه ثمة اعتبارات عديدة دفعت بعض دول المنطقة العربية، إلى السعي نحو الوصول إلى تسويات سلمية للخلافات العالقة في ما بينها حول المياه، إلاّ أنّ ذلك لا ينفي أنّ التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، خاصة بعد تفاقم الأزمات في العراق وسوريا وتنامي نفوذ الجماعات الإرهابية واشتداد وطأة الخطر والتهديدات التي تمثلها على أمن المنطقة ربما تفرض عقبات عديدة أمام تحول هذه الخطوات إلى اتجاه عام في المنطقة، خاصة في ظل تصاعد حدة الصراعات والتهديدات الإقليمية، في ظل تعنت تركيا وإيران الذي يزيد من تأزيم المشهد ويهدد الأمن المائي العربي، وما يعنيه ذلك من تهديد للأمن القومي عموما، بالإضافة إلى ضعف دور الدولة الوطنية وانتشار الميليشيات المسلحة التي باتت تسعى إلى السيطرة على مصادر المياه كإحدى أدوات الصراع مع خصومها.

6