الخيار السوري والمسألة الروسية

السبت 2013/09/28

سنفترض أن تدمير سوريا لم يكن هدفا لما جرى ويجري في بلاد الياسمين ونتساءل: لمَ لمْ يكن العالم جادا في البحث عن حلول سلمية لأزمة بدأت على هيئة احتجاجات لتنتهي إلى حرب بشعة، أحرقت كل شيء؟

لقد فشل السوريون في إدارة تلك الأزمة.

الحلول الأمنية لم تكن غريبة على نظام كان الهاجس الأمني دائما أقوى هواجسه. أما المعارضة التي لم تجد أمامها خيارا سوى تدويل وضعها، فإنها وقعت في الشرك نفسه الذي نصبته للنظام.

لقد جرّ خيار تسليح الثورة سوريا إلى الحرب. فكان أن تأكدت حكاية النظام عن الجماعات المسلحة التي كانت ذريعته للجوء إلى العنف. ولولا موقف عدد من الأطراف الإقليمية والدولية المعادي للنظام السوري، ما كان قرار تسليح الثورة ليجد الطريق أمامه سالكة إلى أرض الواقع. هل كانت تلك الأطراف تتوهم أن الرئيس بشار الأسد سيُترك في عزلته وحيدا مثلما حدث للزعيم الليبي معمر القذافي من قبل؟

لم يكن الرهان على تكرار الحالة الليبية حاضرا في أذهان الكثيرين ممن مدوا أيديهم إلى المائدة السورية. فالأسد الابن وهو الذي تبنى سياسة أبيه وورث عنه علاقاته الدولية كان بعكس القذافي تماما، من جهة تمسكه بصداقات ربطت سوريا بجهات دولية بعينها، هي ذاتها التي وقفت معه في محنته.

هل توقعت تلك الأطراف مثلا أن تتخلى روسيا عن بشار الأسد كما فعلت مع صدام حسين أو معمر القذافي؟ ربما كان ذلك الوهم حاضرا في مخيلة الساسة القطريين وحدهم.

فروسيا اليوم لا ترعى مصالحها في سوريا، بل تسعى من خلال موقفها من الأزمة السورية إلى إعادة التوازن إلى عالم السياسة، بعد أن ظن الكثيرون أن ذلك التوازن صار من ذكريات الماضي.

لن تكون هناك حرب باردة على غرار تلك الحرب التي اندلعت بعد الحرب العالمية الثانية. هذا صحيح ولكن سيستعيد العالم شيئا من عقلانيته التي فقدها بسبب تفرد الولايات المتحدة بمصائر الشعوب.

كان خيار سوريا بالنسبة لروسيا الاتحادية موقفا جوهريا، هو بمثابة درس تاريخي، سيكون علينا نحن العرب أن نتعلم منه الشيء الكثير.

فإذا ما نجحت روسيا من خلال مؤتمر جنيف في وقف نزيف الدم في سوريا، فإنها تكون قد برهنت على أن فشل الغرب والعرب الملحقين به كان مقصودا لذاته، من أجل أن لا يجد السوريون وقد وضعوا رقابهم تحت مقصلة التدخل الخارجي أمامهم سوى اللجوء إلى السلاح. وهو ما كان سيمهد لتدخل عسكري خارجي، يطيح بنظام الأسد، غير أنه سيطيح أيضا بسوريا الموحدة، أرضا وشعبا.

وهو ما تشهد أجزاء من سوريا فصوله التمهيدية اليوم، حيث القتال على أشده بين الجماعات المسلحة التي كان من المفترض أن يجمع بينها هدف واحد هو إسقاط النظام في دمشق. لقد نجحت روسيا في ايقاف آلة الحرب الأميركية. وهو ما لم يتوقعه أحد.

وكما أرى فإن ذلك الحدث سيكون تمهيدا لنجاح روسي مدو، يتمثل في وضع الأطراف السورية المتحاربة وجها لوجه وأمام مسؤولياتها التاريخية لإيقاف حرب عبثية، دفع الشعب السوري ثمنها غاليا.

يتوقع البعض أن روسيا ستصر على بقاء الأسد في الحكم. وهو ما لا أتوقعه. قد تضمن روسيا للأسد خروجا آمنا، وهو أمر قد يحدث ردا لوفاء الرجل لحليفته، ولكنها لن تضع بقاء الأسد في الحكم شرطا يعيق التوصل إلى الحل السياسي.

سيكون رحيل الأسد مجرد إجراء ثانوي.

ما يهم روسيا أن لا يستمر الغرب في تنفيذ أجندته في سوريا. وهو ما نجحت فيه حتى الآن. وإذا ما كنا قد صدقنا من قبل أن سحب الورقة السورية من أيدي القطريين كان قرارا أميركيا، فعلينا اليوم أن نعيد النظر في قناعتنا تلك. فقد يكون ذلك قد حدث نتيجة لضغوط روسية. لقد نجحت روسيا في قلب الكثير من المعادلات. نجاحها في الأزمة السورية أعاد إليها بريق الدولة العظمى.


كاتب عراقي

8