الخيار الصعب في علاقة الولايات المتحدة بالخليج

العقلانية الخليجية ترجح كفتها على التصرفات الأميركية التي تظهر أحيانا عدم اتزان في اتخاذ المواقف، كما حدث مع إدارة الرئيس أوباما خلال الفوضى التي سمّيت في الأدبيات الغربية بالربيع العربي.
الخميس 2021/03/11
مواقف متردّدة

على الرغم من مسيرة تاريخ العلاقات الخليجية – الأميركية التي امتدت لأكثر من سبعة عقود من الزمن، وترسّخت بشكل كبير خلال فترة الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي بقيادة الولايات المتحدة والمعسكر الشرقي بزعامة الاتحاد السوفييتي قبل تفككه في العام 1991، هناك توجس عربي بالكامل وخليجي بشكل خاص من تحولات بعض المسؤولين الأميركيين من الاستمرار في العلاقات التي تربط بينهما وبشكل أخص من الحزب الديمقراطي بدلا من العمل على تقوية وتعزيز تلك العلاقات من الناحية الاستراتيجية.

غريب أمر البعض ممن يطلق عليهم صناع قرار في الإدارة الأميركية، الذين يركزون على حسابات متعلقة بالاستراتيجية الأميركية العالمية والاتجاه نحو جنوب شرق آسيا، وهذا يمكن فهمه لو كانت الرغبة الأميركية هي الاستغناء عن المنطقة، ولكن في ظل استمرار التواجد في منطقة الشرق الأوسط، فإن هناك تحديات كبيرة وكثيرة تواجه السياسة الأميركية لا يمكن التعامل معها بعيدا عن الدول الخليجية تحديدا، وذلك من واقع منطلقين اثنين.

المنطلق الأول: وجود أنظمة سياسية أكثر استقرارا في منطقة الشرق الأوسط نتيجة لوجود حالة تفاهم مشترك بين القيادة والشعب الخليجي، وهي علاقة ثنائية، على خلاف ما قد يعتقده البعض لا يمكن اختراقها، حتى لو صدر هذا الاعتقاد عن أبناء من هذه المنطقة الذين خرجوا عن تقاليدها السياسية.

المنطلق الثاني: الاعتدال والواقعية في التعامل مع الاختلافات في السياسة الأميركية نظرا لوجود مصالح مشتركة. بل إن العقلانية الخليجية ترجّح كفتها على التصرفات الأميركية التي تظهر أحيانا أنها غير قادرة على الاتزان في اتخاذ مواقفها السياسية، كما حدث مع إدارة الرئيس باراك أوباما خلال الفوضى التي كانت تسمّى في الأدبيات الغربية بـ”الربيع العربي” وربما يحدث ذلك الآن في عهد الرئيس جو بايدن.

ما حدث في عهد أوباما، وما نراه اليوم مع الرئيس بايدن، يطرح تساؤلات وعلامات استفهام من أبناء المنطقة قبل المفكرين والمحللين حول استمرار الحديث عن صفة “الحلفاء الاستراتيجيين” التي تجمع بين الطرفين، أم أننا أمام تحول جديد في العلاقة التقليدية مع الولايات المتحدة الأميركية؟ وما قد تؤدي إليه تلك السياسات الجزئية والتي تتأرجح من حين إلى آخر بين البقاء أو الرحيل، وما قد ينجم عن ذلك من اهتزاز في صلابة الموقف والمساس بما كان يعتقد أنه من ثوابت العلاقة التاريخية؟

Thumbnail

منذ سبعينات القرن الماضي إلى مجيء أوباما اتسمت العلاقة الخليجية – الأميركية بحالة من الاستقرار وتوحيد المصالح المشتركة، وكانت سببا في تجاوز الكثير من التحديات الثنائية والإقليمية، سواء احتواء تداعيات الثورة الإيرانية أو حتى تلك المحاولة لتخريب العلاقة بما حدث في الحادي عشر من سبتمبر 2001، ولكن خلال هذه الأيام نشهد نوعا من التردّد في المواقف الأميركية نفسها؛ ففي الوقت الذي نجد فيه أن للبيت الأبيض موقفا قد يؤدي إلى تخريب العلاقة، مثل ذلك التقرير الخاص بمقتل المواطن السعودي جمال خاشقجي، يظهر موقف مخالف صادر عن الخارجية الأميركية كمؤسسة تقليدية عريقة تدرك معنى العلاقة مع الدول الخليجية يرفض التهديدات التي تضمنها التقرير. ما يوحي بوجود إشكالية بين البيت الأبيض ومؤسسات الدولة في تقييم العلاقة الأميركية – الخليجية، أو أنها مجرد تعبير عن أهواء بعض المسؤولين الأميركيين الذين يعملون ضمن فريق من المساعدين لديهم أجنداتهم الخاصة في عدم استمرار هذه العلاقة القوية.

“خدش العلاقة” من خلال تسييس ملف حقوق الإنسان من أجل الحصول على مواقف سياسية في ملفات أخرى، مثل الملف النووي الإيراني أو غيره، يضرّ بالمصالح الاستراتيجية في المنطقة، ويدفع بالحلفاء إلى عدم الثقة في السياسة الأميركية. بل القلق الأكبر أن يزداد هذا الخدش وتتفاقم بالتالي ملفات أخرى خلال الفترة القادمة ويؤثر في التعاون مع الديمقراطيين تحديدا، خاصة في ظل وجود أطراف داخل الإدارة الأميركية وأطراف إقليمية تعمل على تغذية الخلافات، مثل إيران وتنظيم الإخوان المسلمين الإرهابي، الذين باءت آمالهم بالفشل حتى الآن.

معروف عن السياسة الأميركية أن المؤسسات التقليدية لا تنساق وراء أهواء الرئيس أو الإدارات المتعاقبة، بل هي عادة ما تكبح أي محاولة للمساس بالمصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة، لذا فإن التقرير الأميركي حول مقتل خاشقجي، والادعاء بوجود علاقة لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ومع كل التفاصيل المرفقة التي تثبت كونه مجرد تقرير استنتاجي، هي سقطة أخرى في العمل المؤسسي للولايات المتحدة، بعد سقطة اتهام العراق بامتلاك السلاح النووي عام 2003.

8