الخيار النووي تهديد قادم أم بديل حقيقي

أضحى العالم يراهن على الطاقة النووية كخيار بديل عن مصادر الطاقة المهددة بالنفاد في ظل تنامي معدلات الطلب والاستهلاك، وهو ما يطرح معه في المقابل تحديا كبيرا يتعلق بمدى تأمين هذه الطاقة البديلة التي ما زالت محلّ جدل واسع لما يحف بها من مخاطر وتداعيات سلبية. مفارقة لم يسقطها الخبراء والعلماء العاملون على تطوير التقنيات النووية من حساباتهم، بل جعلوها أساسا لتجاربهم وابتكاراتهم التي تهدف إلى إيجاد بديل نووي لا يشكل أي تهديد للإنسان والعالم.
السبت 2015/05/09
المخاوف من الغايات العسكرية للمشاريع النووية مازالت تلقي بظلالها على الإنسانية

تؤكّد العديد من الدراسات المستقبلية حول أمن الطاقة وآفاقها في السنوات الأخيرة، على ضرورة ترشيد الاستهلاك واللجوء إلى طاقة نظيفة وغير كربونية من أجل ضمان فرصة أكبر في تحقيق التنمية المستدامة والحفاظ على البيئة. ويرجع ذلك إلى ما تطرحه العديد من تقارير الدراسات بخصوص أن العرض العالمي من الطاقة سيواجه على المدى الطويل عقبات رئيسية، تكمن في الطلب المتزايد على الطاقة من قبل الدول النامية، وكذلك في تراجع مخزون الموارد الأحفورية والخام، في حين يتطلب الحد من خطر انخرام طبقة الأوزون وتلوث البيئة وانتشار غاز أكسيد الكربون في الفضاء، البحث عن بدائل جديدة.

وفي ظل هذه التحديات، هناك أكثر من مليار وخمسمئة مليون نسمة ما يزالون محرومين كليا من الكهرباء، كما أنّ ارتفاع معدلات النمو الديموغرافي في أفق عام 2050، ينذر بوصول عدد البشر إلى 9 مليار نسمة، مما يعني أن العالم آنذاك سيكون في حاجة ماسة إلى 14 مليار (جيغاتيب = مليار طن من البترول)، أي بزيادة 50 بالمئة عما هو عليه الحال الآن. لذلك يبحث العالم عن بديل كفيل بسد هذه المتطلبات شأن البديل النووي، على الرغم من تداعياته وآثاره الخطيرة على الكون وعلى مستقبل الإنسانية؟

رهانات الطاقة النووية

مرّت مستلزمات الحصول على الطاقة النووية، تقنيا، عبر أجيال من المحطات النووية منذ عام 1950، ولدى الحديث عن الجيل الرابع من هذه المحطات والتي تشير التقارير إلى أنها لن تدخل حيّز التطبيق قبل عام 2040، تطرح جملة من الاستفهامات تتعلق بمدى قدراتها على توفير الطاقة اللازمة من دون أن يكون لها تداعيات اقتصادية وأمنية محيطة بها هل ثمة خير يرجى منها، ثم الملابسات الاقتصادية والأمنية المحيطة بها.

ولا مناص أنّ الخيار النووي أضحى ضرورة لا غنى عنها بالنسبة إلى كثير من الدول النامية والصاعدة، حيث أنّ تقارير وكالة الطاقة الدولية تقرّ بأن ارتفاع الاستهلاك من الطاقة في مقتبل عام 2030، سيكون سببه الأول البلدان السائرة في طريق النمو بنسبة 60 بالمئة، أما حصة الدول المتقدمة من استهلاك الطاقة الأولية ستتراجع من 57 بالمئة المسجلة عام 2002 إلى 45 بالمئة عام 2030. ولكن هذه الحاجة الملحة للطاقة النووية ما زالت تطرح معها مفارقة مفادها أنه في الوقت الذي يشهد تهويلا حول الطاقة النووية وما يحيط بها عادة من قلق وخوف ورعب، ترتفع أصوات تقول بإمكانية إنتاج طاقة نظيفة وكافية تتمحور في جزء كبير منها على الخيار النووي. وفي ما يتعلق بهذه النقطة الأخيرة يمكن استحضار عنصرين مهمين هما التالي:

* أولا، إنّ إنتاج طاقة كهربائية من دون غاز أكسيد الكربون في الأمد المتوسط (2090) يمر عبر الطاقة النووية، وبالتالي فإنّ الامتياز الذي توفره هذه الأخيرة دون سائر المصادر الأخرى المنتجة للكهرباء، يمكن أن يجعل منها خيارا وحيدا في ظل تدهور أحوال البيئة وارتفاع سوق المحروقات ونضوب مصادرها. علاوة على ذلك، فإن مستقبل قرارات كيوتو وما سيليها من مفاوضات (في باريس 2015)، تدفع كلها باتجاه التقليص من حدة انتشار غاز أكسيد الكربون، وبالتالي أصبح موضوع الخيار النووي يطرح نفسه بقوة، إذ لم يعُد من المحرمات كما كان عليه سابقا في العديد من الدول.

*ثانيا، إن تكلفة طاقة كيلواط (قياس الطاقة يساوي ألف واط) في محطة نووية تتضمَّن ثباتا واستقرارا في سعرها، حيث أنّ نسبة 60 بالمئة من تكلفتها مرتبط بالاستثمارات الإجمالية، في حين أنّ تكلفة الوقود (بما فيه التخصيب ومعالجة اليورانيوم) لا تتعدى نسبتها 15 بالمئة من التكلفة الإجمالية. ومن ثمة فإن إحدى أبرز خاصيات الخيار النووي تتجلى في استقرار تكلفة الإنتاج، خلافا للمحطات التقليدية التي تستعمل الغاز وتبلغ تكلفة وقودها وحده أكثر من 60 بالمئة من تكلفة الإنتاج.

توفير الطاقة اللازمة دون أن تكون لها تداعيات اقتصادية وأمنية محيطة بها رهان الجيل الرابع من المحركات النووية

وبناء عليه فإنّ أغلب التوقعات تفيد بأن الطاقة العالمية تراهن على نمو متزايد في القطاع النووي بين عامي 2030 و2050.

تطور مطرد

ارتبط تطوير المحركات من أجل تلبية الحاجيات المتزايدة من الطاقة، بدرجة كبيرة، بالصعوبات التي اعترضت تطور أبحاث التكنولوجيا النووية. وإذا تمعّنا حصيلة مرحلة (1950- 2050) في الدراسات النووية الفنية، يمكن الحديث عن أربعة أجيال من المحركات النووية، تختلف مواصفاتها الفنية عن بعضها البعض، على هذه الشاكلة:

* الجيل الأول (1950-1990): وقد ظلّ حبيس التفكير في الصعوبات المتعلقة بدورة احتراق الوقود (1950-1960)، حيث أنّ تكنولوجيا تخصيب اليورانيوم كانت غائبة كليا، كما أن إرادة بعض الدول الكبرى أن تجعل منه سلاحا رادعا عبر إنتاج مواد انشطارية لعبت دورا كبيرا في تحديد المفاهيم. وبالتالي كانت المحركات آنذاك تشتغل باليورانيوم الطبيعي (غير المخصب)، مما يفرض استعمال مُعدِّلات الماء الثقيل أو مادة الغرافيت من أجل أن تبطئ النيوترونات في المفاعلات النووية. وهكذا تم تطوير يورانيوم غرافيت غاز (UNGZ) أثمرت عن بناء ستة مفاعلات نووية مولدة للكهرباء (سانت لوران، بيغي وشينون…) في فرنسا مثلا، وهي تشبه محركات ماغنوكس البريطانية التي تنتمي إلى نفس الجيل.

وإذا كانت هذه المحركات تتميز بمواصفات تقنية تتعلّق بمردودية كبيرة في توليد الديناميكا الحرارية واستعمال جيد لليورانيوم في قلب المحرك النووي، فإنّها لم تخل من مشاكل كثيرة، حيث تطلبت استثمارات مالية ضخمة واعترضتها صعوبات جمة في تحسين شروط الوقاية، كما عانت من محدودية تطوير قدراتها بشكل كبير. الأمر الذي أثّر كثيرا في فعاليتها الاقتصادية بالمقارنة مع محركات الجيل الثاني التي تشتغل بالماء الخفيف.

* الجيل الثاني (1970- 2050): والذي يشكّل أغلبية المفاعلات النووية الحالية (85 بالمئة في العالم)، أي حوالي 450 محركا نوويا تشتغل بقوة 360 جيغاواط، لكن ما يميّزها عن الأولى أنّها حاولت أن تجعل من الطاقة النووية بضاعة اقتصادية منافسة، هدفها التقليص من تبعية دول الشمال في مجال الطاقة (تداعيات أزمة البترول سنة 1973)، حيث تمّ التوجه نحو تطوير تكنولوجيا تخصيب اليورانيوم وانتشار محركات نووية تشتغل بالماء، سواء منها ماء مكيف الضغط أو بالماء الفائر.

ومع هذا الجيل من المحركات تم التأكيد على نجاعة خيار إنتاج الطاقة النووية بيئيا واقتصاديا، بعدما تأكد أن تكلفة الكيلواط النووي ـ مع تطور التقنية النووية ـ جعلته ينافس إنتاج كيلواط الطاقة التقليدية، بالإضافة إلى تقلص كبير في الإشعاعات. لذا أصبحت قدرة الطاقة النووية على المنافسة تتجلى في تكلفتها الإجمالية التي أصبحت تشمل نفقات تدبير النفايات وتفكيك المفاعلات القديمة التي بلغت نهاية صلاحيتها.

الامتياز الذي توفره الطاقة النووية يمكن أن يجعل منها خيارا وحيدا في ظل تدهور أحوال البيئة

*الجيل الثالث (2000 - 2070): تعتبر محركات نووية متقدمة مقارنة بالمحركات الحالية، حيث ينصب الاهتمام فيها على الجانب الأمني وتطوير السلامة إلى أقصى حد. وتعد نموذجا على درجة عالية من الأمان من ناحية، كما تمتاز بنجاعة اقتصادية بالغة المردودية من ناحية أخرى. والواقع أن محركات الجيل الثالث تطورت عبر محورين: حدد المحور الأول الهدف في النهاية التقليص من احتمالات وقوع حوادث نووية من ناحية، كما وضع إجراءات متعددة تؤمّن أداء وظيفتها الوقائية كاملة أثناء وقوع حادث من ناحية أخرى. ويمكن أن نستدل على ذلك بالمواصفات التي يتميز بها محرك مفاعل الضغط الأوروبي (EPR) الذي تم تطويره بشراكة فرنسية ألمانية، وتظل قابليته مفتوحة للتطوير المستمر، بالإضافة إلى كونه يتضمن آليات تقبل إضافة العديد من الاحترازات الأمنية تقلل من احتمالات وقوع حادث خطير. علاوة على وجود تدابير أمنية بالغة الفعالية من حوله، لم يعد معه من الضروري إخلاء المواطنين من الجهات القريبة من المفاعل. فهي تتضمن إدراج مُعوِّض يجلب إليه جميع المواد الموجودة في قلب المحرك أثناء وقوع حادث خطير تحت الحوض النووي، وذلك من أجل الحد من آثار انصهار المواد الموجودة في قلب المحرك، مما يعني عدم حدوث انفجار أو تسرب مواد مشعة إلى الخارج كما حدث مع مفاعل تشرنوبل في أوكرانيا.

* الجيل الرابع (2050-2090): بدأ التفكير في هذا النوع من المحركات في نهاية فترة التسعينات من القرن الماضي، حيث تمّ تصوّر محرك رابع بمبادرة من الولايات المتحدة الأميركية سنة 2000، وقد ترافق ذلك مع بداية الحديث لأول مرّة عن أنظمة نووية وليس على محركات نووية فحسب؛ كون محركات الجيل الرابع تشتغل بأنظمة متطورة تجمع بين المحرك من جهة ودورة الاحتراق من جهة أخرى. والغاية من ذلك تكمن في توليد الطاقة بطريقة مستمرة ومضمونة ومتيسّرة لأكبر عدد ممكن من الناس، وينتظر أن تكون جاهزة في أفق سنة 2040.

وبالنظر إلى هذه الأجيال من المحركات، يتجلى أنّها مرتبطة ببعضها البعض، واللاحق منها يُطور السابق. إذ أنه في الوقت الذي بدأ الجيل الثالث في الظهور، ما زلنا نرى أن أغلب المفاعلات النووية الحالية تنتمي إلى الجيل الثاني (صلاحيتها لن تنتهي قبل 2040، وبعضها يمكن أن يصل إلى سنة 2050). لكن من المنتظر في هذه المرحلة أن يتم تجديد نصف المفاعلات النووية الموجودة حاليا في العالم، حيث تشير توقعات السوق المنتظرة في آسيا وأميركا وأوروبا إلى تطور ملموس لها. ما يعني أن عدد المحركات من الجيل الثالث التي سيتم بناؤها ستقترب من نصف ما هو موجود أو أكثر بقليل من محركات الجيل الثاني. ويبقى أنّ صلاحية الجيل الثالث من المحركات يبلغ عمرها 60 سنة، ممّا يعني أنها ستكون حاضرة في نهاية القرن الحالي، وبموازاة ظهور الجيل الرابع من المحركات النووية التي ينتظر أن تكون جاهزة في السوق الصناعية عام 2040.

مركز أنظمة الفكر المعاصر، جامعة السوربون

6