"الخياطة" كوميديا تونسية تحلّق خارج المنطق الإنتاجي

المخرج زياد ليتيم يؤكد أن عالم الديجتال والبث الرقمي هما سمة العصر القادم وهو ما يبرز في نسب المشاهدة العالية التي حقّقتها سلسلة "الخياطة".
الخميس 2020/06/25
"الخياطة"حقّقت نسب متابعة عالية على مواقع التواصل الاجتماعي

لاقت سلسلة “الخياطة” التي بُثّت في رمضان المنقضي على صفحة ”لووك” عبر موقعي التواصل الاجتماعي “فيسبوك” و”يوتيوب” نجاحا وتفاعلا غير مسبوقين من قبل التونسيين، نظرا لمعالجتها العديد من المواضيع الاجتماعية بطريقة ساخرة وناقدة للمعيش اليومي بعيدا عن الإسفاف والتهريج.

تونس- تمكّنت السلسلة الكوميدية التونسية “الخياطة” التي عرضت في رمضان الماضي على “فيسبوك” و”يوتيوب” من نيل نسب متابعة عالية فاقت المليون مشاهدة لكل حلقة من حلقاتها السبع عشرة، وذلك رغم المنافسة الشرسة لبعض القنوات الخاصة التي عرضت سيتكومات: “الحجر الصحي” و”دنيا أخرى” في جزئه الرابع وأيضا سلسلتي الرسوم المتحركة الهزلية: “تونس 2050” و”ولاد بحر”، الأمر الذي جعل من “الخياطة” الاستثناء الكوميدي في الموسم الرمضاني التونسي الموسوم عادة بالابتذال والسطحية.

“العرب” التقت مخرج العمل زياد ليتيم الذي قال عن سلسلة “الخياطة”، “السلسلة أتت كجزء ثان من سلسلة: الحجامة، الكوميدية، التي بثّتها القناة الوطنية الأولى (عمومية) في العام 2017، والتي لاقت نجاحا كبيرا حينها”.

ويضيف “هو مشروع قائم الذات، تمّ الشروع في الإعداد له منذ فترة طويلة، وقد خامرتني الفكرة انطلاقا من كليب غنائي برز فيه ديكور قاعة حلاقة، الأمر الذي طرح في داخلي العديد من الأسئلة الحارقة: ما الذي يمكن أن يحكيه هذا العالم الأنثوي عن الأنثى التي تعيش في مجتمع ذكوري؟ وأي مسكوت عنه يمكن أن يُقال بين جليساته؟”.

وتدور أحداث سلسلة “الحجامة” في صالون حلاقة تديره وجيهة الجندوبي (المدام)، وتعرض حكايات نسائية طريفة من الواقع بطريقة ساخرة وناقدة، وذلك عبر شخصيات تطرح وتُناقش مختلف مشاكلها اليومية بشكل عام والاجتماعية بشكل خاص في صالون الحلاقة وأمام المرآة التي تعكس بواطن ضمائرهنّ.

☚ زياد ليتيم يؤكد أن "الخياطة" ليس بسيتكوم هزلي وكفى، بل هو جزء من مشروع كبير له تتمّة
☚ زياد ليتيم يؤكد أن "الخياطة" ليس بسيتكوم هزلي وكفى، بل هو جزء من مشروع كبير له تتمّة

وعن غياب المرآة في “الخياطة”، والحال أن الوضع يفرض وجودها في ظل الحجر الصحي الذي فرض على الناس، الأمر الذي يستدعي مراجعات ذاتية أمام المرآة، يجيب ليتيم “صحيح أن السلسلة صوّرت بأكملها في ظل الحجر الصحي الذي فرض على التونسيين في رمضان وقبله، لكنّني أرى أن المرأة في فترة الحجر الصحي لا تنظر إلى المرآة، إلّا لماما، على اعتبار أننا لا نتجمّل إلا للآخرين، وقد استبدلنا مرآة الحلاقة التي هي بمثابة كرسي الاعتراف والحلقة الوثائقية في المشروع، بالهاتف الجوّال بدعوى أنه يقرّب العلاقات بين البشر، والحال أنّه يبثّ مشاعر إلكترونية، كي لا يشعر الناس بالوحدة ليس أكثر”.

وتمكّن المخرج التونسي الشاب زياد ليتيم في “الخياطة” من أن يجمع فريق الممثلين المتكوّن من وجيهة الجندوبي وريم حمروني وبيكا وسليم عاشور كلّ من منزله -احتراما لإجراءات الحجر الصحي، أيامها- من خلال شخصيات خبرها الجمهور التونسي في سلسلة “الحجامة” (الحلاقة)، ولكن بطريقة مختلفة ومبتكرة على اعتبار أن الممثل يتحوّل في “الخياطة” إلى تقني.

وعن ذلك يقول “تم اختيار ملامح فنية على غرار الأزياء والديكور، كي لا نسقط في التكرار ومن ثمة يتسربّ الملل إلى المُشاهد، خاصة وأن الإخراج عن بعد كحال الإخراج المباشر يتطلّب فريقا تقنيا متكاملا، ولذلك كان الفريق التقني في السلسلة هم الممثلون”.

وفي ردّه عن سؤال “العرب”، ما الذي تغيّر بين “الحجامة” و”الخياطة”، يُؤكّد ليتيم أن “المواضيع باتت أكثر جرأة والشخصيات صارت أكثر تمرّدا على مُشغّلتها (المدام)، وعليه سنرى لاحقا تغييرات جذرية في طبيعة الشخصيات”. وهو الذي يعترف بأن “الخياطة” ليس بسيتكوم هزلي وكفى، بل هو جزء من مشروع كبير له تتمّة في لاحق التجارب الإخراجية.

وعن الصعوبات التي واجهته كمخرج في إدارة التمثيل عن بعد، نوّه ليتيم بحرفية الممثلين ومهنيتهم العالية، ولاسيما أنهم يعرفون جيدا أبعاد الشخصيات التي يؤدّونها باعتبارها تمثل تواصلا لشخصياتهم في “الحجامة”، كما أنهم يتحدّثون مع بعضهم البعض في كل التفاصيل، قبل انطلاق التصوير، وبالتالي كان هامش الخطأ شبه معدوم.

ونالت سلسلة “الخياطة” تنويها خاصا من لجنة حكماء مسابقة رمضان أوارد 2020 في دورتها الخامسة، والتي ترأسّها المخرج حمادي عرافة وضمّت مدير التصوير محمد المغراوي والموسيقي أمين بوحافة ومهندس الصوت خالد بن يونس والمنتج حبيب عطية والمختصّ في التركيب فخرالدين عامري والممثلة شاكرة رماح والصحافي عامر بوعزة والباحثة في تقنيات السمعي البصري والسينما هند حوالة.

"الخياطة" حكايات نسائية طريفة من الواقع بطريقة ساخرة وناقدة، وذلك عبر شخصيات تطرح وتُناقش مختلف مشاكلها اليومية بشكل عام

وعن الجائزة يقول زياد ليتيم “حقيقة لا تعنيني كثيرا الجوائز، فالدراما التي يقتصر بثّها على الموسم الرمضاني لا غير، هي عندي بمثابة مناظرة الباكالوريا التي تأتي مرة واحدة في العمر، فإما أن ينجح التلميذ فيها أو يرسب.. في حين أن تجربتي الحجامة والخياطة، هما عندي، وكما أسلفت، مشروع متكامل وقائم الذات ستتّضح معالمه أكثر فأكثر بالتراكم”.

ويضيف “أما بالنسبة للتنويه الممنوح من لجنة التحكيم، فلا أملك إلّا أن أقول لها شكرا، خاصة وأن مشروع الخياطة، يحلّق خارج السرب والمنطق الإنتاجي”.

ويوضّح “ومع ذلك أعتقد أنّ العمل سيظل محفورا في الذاكرة الجماعية، وأتمنى أن يكون بمثابة القاطرة التي تجرّ أعمالا أخرى مُماثلة لتغيير منظومة الإنتاج في تونس التي ظلت مقتصرة لعشرات السنوات على رمضان من ناحية والبث التلفزيوني من ناحية أخرى.. والخياطة كسرت القاعدة وأثبتت أن النجاح الجماهيري له طرق أخرى عدا وسائل البثّ التقليدية”.

ويؤكّد زياد ليتيم في ختام حواره مع “العرب” أن عالم الديجتال والبث الرقمي هما سمة العصر القادم، وما نسب المشاهدة العالية التي حقّقتها سلسلة "الخياطة" في رمضان المنقضي والتي جاوزت المليون وثلاث مئة ألف متابع للحلقة الواحدة، لأكبر دليل على صحّة قوله.

16