الخيال الأنثوي: النص الأدبي ذكر ♂ وأنثى ♀

الأحد 2014/08/17
النص الأدبي ذكر وأنثى في آن واحد

إذا كان مفهوم الأدب النسائي يعني ارتباط العمل الأدبي بالجنس الذي تنتمي إليه المؤلفة، فإننا لا نجد في الأعمال الإبداعية الكبرى خصائص عامة يمكن أن نربطها بعامل الذكورة أو الأنوثة. في كثير من الحالات، نجد أن اسم المؤلف وحده يسمح بمعرفة ما إذا كان النص من تأليف رجل أو امرأة.

هل يمكن مثلا أن نتبين بأن رواية ” الأرض الطيبة” التي تتحدث عن حياة الفلاحين في الصين قبل الثورة، هي لامرأة أم لرجل لو لم يوجد اسم بارل بوك على غلافها؟ كما أن ربط مفهوم الأدب النسائي بمواضيع نوعية خاصة بالمرأة أو بالتعاطف مع قضاياها وطموحاتها، يمكن أن يؤدي إلى إدراج بعض ما يكتبه الرجال ضمن هذا المفهوم.

فرواية رشيد بوجدرة “ليليات امرأة أرق” التي تدور حول امرأة في مواجهة عالم الذكورة، يمكن أن يشمله مصطلح الأدب النسائي. ويمكن القول في هذا السياق بأن كتّاب الرواية المغاربية، وفي مقدمتهم رشيد بوجدرة والطاهر بن جلون، وقفوا دائما بجانب المرأة في نصوصهم الإبداعية حيث الرجل، والأب في المقام الأول، يحتل دائما الأدوار السلبية، فيما المرأة، والأم بالذات، تبدو الجانب المقهور والمسالم.

وعكس ذلك نجد روائيات يتعاطفن مع شخوصهن من الذكور أكثر منه مع بنات جنسهن. فمن الواضح، مثلا، في “ذاكرة الجسد”، فإن الكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي تميل إلى “خالد طوبال” أكثر منه إلى “حياة”. كما أن الذكورة والأنوثة في الوضع الطبيعي، أي في الحياة، هي في الحقيقة علاقة انجذاب وعشق، وليس علاقة انغلاق على الذات. ولذلك كان الحب واحدا من المواضيع الإنسانية الخالدة والأساسية في الإبداع بمختلف أنواعه، مثلما أن بعض أحسن ما كتبه الإنسان وأبدعه يدور حول هذه العلاقة، مثل روميو وجولييت وتريستان وإيزولت وقيس وليلى.

ولعل هذا ما يسمح بالقول بأن النص الأدبي ذكر وأنثى في آن واحد. وإن الصراع بالأساس، وذلك حتى داخل النصوص الإبداعية، الروائية منها بالدرجة الأولى، هو بين الرجل والرجل، انطلاقا من الأدوار التي يقومان بها في المجتمع، مما يعني أن النص الأدبي هو بالأساس ساحة صراع بين “الذكورة” و”الذكورة”، وليس نادرا، بالمناسبة، أن يكون موضوع الصراع، في الحياة كما في النصوص، حول المرأة.


معرفة الذات


وعندما تجعل المرأة ذاتها موضوعا إبداعيا، فليس من المؤكد أنها تستطيع أن تعبّر عن نفسها بالضرورة خيرا من الرجل، حيث يأتي عملها أكثر إتقانا وصدقا، فالأمر لا يتوقف فقط، في مجال الإبداع على طبيعة الموضوع وعلى درجة المعرفة به، إذا افترضنا أن المرأة تعرف نفسها خيرا من الرجل.

ولكن هذا الكلام ينطبق أيضا على الرجل. وإذا كان تاريخ الرواية يحتوي على شخوص روائية محورية ذكورية مشهورة، مثل دون كيشوت وراسكولينكوف وهاملت وجان فالجان وغيرهم، أكثر بكثير من الشخوص المحورية النسوية، فذكورية النص هنا تعكس فقط “بطولة” الرجل وهيمنته في المجتمع.

ليس صحيحا القول بأن المرأة تتصف طبيعيا بخصائص سلوكية تميزها عن الرجل والقول بوجود هوية خالصة أو نقية، بما فيها الهوية الجنسية، أصبح قولا باليا اليوم

ولأن الإبداع يتطور بمعزل عن مقولتي الذكورة والأنوثة، فإن الأديبات ينتمين إلى نفس المدارس الأدبية التي ينتمي إليها الأدباء الذكور: رومنسية، واقعية، تيار الوعي، رواية جديدة، ما بعد حداثية، وهلم جرّا، فلا وجود لمدارس أدبية خاصة بالنساء. كما أن ظاهرة تأثرهن بالأدباء الذكور -ربما أكثر من تأثر بعضهن ببعض- مسألة لا ينكرها أحد.

إن رواية “ذاكرة الجسد”، على سبيل المثال، تبدو متأثرة برجلين: نزار قباني الشاعر ومالك حداد الروائي. فإذا عملنا بمقولتي الذكورة والأنوثة في هذا المجال، تحتم علينا الوصول إلى نتيجة مفادها وجود أثر ذكوري في أدب أحلام مستغانمي. ولأن هذه الأخيرة أثّرت بدورها على روائيين ذكور، لا بد من الوصول إلى نتيجة مماثلة: وجود أثر أدب أنثوي في أعمالهم. كل هذا يفيد أن مقولتي الذكورة والأنوثة هي، في أضعف الإيمان، مقولة نسبية، وبأن كل نص أدبي هو ذكر وأنثى في ذات الوقت.


الذكور يحملون


ولعل القول المشهور لـ”فلوبير”: “مدام بوفاري هي أنا”، أمر لا يمكن إلا أن يؤكد ما سبق، أعني عدم سريان مقولتي الذكورة والأنوثة في مجال الإبداع كفعالية نوعية جمالية حاسمة. فها هي “الذكورة” عند فلوبير لا تجد غضاضة في أن تعبر عن نفسها من خلال شخصية أنثوية: مدام بوفاري. ونحن نعرف أن رواية “ليليات امرأة أرق” كتبها رشيد بوجدرة بضمير المتكلم، فها نحن نجد رجلا “يتحول” إلى امرأة، متكلما بلسانها.

وإذا ما سلمنا بأنه من بين ما تتطلّبه الكتابة الإبداعية أن يتوفر الكاتب على رهافة الحس، تكون للكتابة حينئذ علاقة بالجانب الأنثوي في الذكورة، لأن هذه القابلية أكثر ما توجد عند المرأة، كما يدل على ذلك حملها لتلك التسمية الجميلة المتمثلة في “الجنس اللطيف”، بسبب تكوينها الاجتماعي الضارب في أعماق التاريخ.

الإبداع يتطور بمعزل عن مقولتي الذكورة والأنوثة والأديبات ينتمين إلى نفس المدارس الأدبية التي ينتمي إليها الأدباء

وما سبق ذكره من شأنه أن يؤدي إلى القول بأن النص أنثى من حيث الجوهر. نفس النتيجة نصل إليها إذا ما افترضنا بأن رهافة الحس يتطلّبها الشعر ربما أكثر من الرواية: الشعر ذو جوهر أنثوي، في هذه الحالة. ربما لهذا السبب لا يتعلق الأمر بمجرد تشبيه حين يصف روبير إسكاربيت في كتابه “سوسيولوجيا الأدب” مختلف الخطوات التي تمر بها العملية الإبداعية لدى المؤلف قبل أن ترى النور في شكل كتاب، بـ”الحمل” و”الولادة”، قبل أن يشير إلى الناشر بـ”القابلة”. هكذا يكون الإبداع هو الطريقة التي يحمل بها الذكور، الطريقة التي يعوضون بها حرمان الطبيعة إياهم من امتلاك رحم.


الخيال الأنثوي


الذكورة والأنوثة، إذا ما استثنينا بعدهما البيولوجي، هما في الحقيقة مقولتان ثقافيتان بالأساس، وبالتالي نسبيتان، أي نتاج الأوضاع التاريخية والاجتماعية والتربوية. وبالتالي ربما ليس صحيحا القول بأن المرأة تتصف طبيعيا بخصائص سلوكية تميزها عن الرجل، فالخوف والشجاعة والجبن، والغيرة والحب والكره والقتل والرحمة، وما إلى ذلك، قاسم مشترك بين الذكورة والأنوثة. لا يوجد تخصص فطري أو طبيعي في هذا المجال تبعا للذكورة أو الأنوثة. ومما له دلالة بهذا الصدد أن أكبر روائية في موضوع الجريمة هي امرأة: السيدة أغاثا كريستي. وقد يبدو هذا الأمر للبعض متعارضا مع نفسية نصفنا الآخر الذي نسميه “الجنس اللطيف”. وقد أظهرت الأنثروبولوجية الأميركية مارغريت ميد في كتاب لها يحمل عنوان “العادات والجنس” في مجتمعات بدائية بغينيا الجديدة، بأن ما ينسب للرجل والمرأة من طباع هو نتاج التطبيع الاجتماعي، وبأن الطبيعة قابلة للتطويع. كما أظهرت في دراسة أخرى أنه يمكن للرجال أن يكونوا محبين للسلم والنساء محبات للحرب. وعليه لا يمكن الحديث عن طبيعة فطرية خالصة خاصة بالنساء وأخرى خاصة بالرجال.

فالقول بوجود هوية خالصة أو نقية، بما فيها الهوية الجنسية، أصبح قولا باليا اليوم. وبالتالي فإن ما يمكن أن يتضمنه النص الأدبي من خصائص ذكورية أو أنثوية، تؤكد بعض الناقدات النسائيات وجوده، مثل قول ألين شولتز بوجود خيال أنثوي، ليس غير تمثيل اجتماعي أو ثقافي ناتج عن قرون من التطبيع، وليست أبدا انعكاسا لـ”ماهية” الذكورة أو الأنوثة في الأدب.

عندما تجعل المرأة ذاتها موضوعا إبداعيا، فليس من المؤكد أنها تستطيع أن تعبر عن نفسها بالضرورة خيرا من الرجل


النص المحض


من الواضح أنه عندما نتحدث عن هذين المعطيين في الأدب، أي عن الذكورة والأنوثة، فإن الأمر لا معنى له إلا بالنسبة إلى النظريات التي تربط النص بالمؤلف أو بالمجتمع، يعني بشيء خارج عنه، كالتحليل النفسي للأدب أو نظرية الانعكاس.

والنقد النسائي، الذي لا يمكن عزله عامة عن الحركة النسوية بوصفها حركة مطالبة بالمساواة وبتحرير المرأة، ينخرط في الحقيقة في هذه النزعة عندما يعالج النص الأدبي بوصفه تعبيرا عن قيم الذكورة بوصفها القيم المهيمنة في المجتمع أو حتى بوصفها تعبيرا عن خصوصية طبيعية أو فطرية تميز كلا من الرجل والمرأة. لكن إذا ما انطلقنا من النظرية الشكلانية أو من مقولة رولان بارت عن موت المؤلف، ومما يقوله ما بعد البنيويين عموما، فإن النص الأدبي ليس ذكرا ولا أنثى، إنه نص لا غير. ثم إن إدخال القارئ والقارئة من قبل ما بعد البنيويين كسلطة، منتجة لمعنى النص يفتح الباب أمام أسئلة أخرى حول الذكورة والأنوثة ودورهما في إنتاج المعنى.


روائي جزائري وأستاذ الفلسفة بجامعة تيزي وزو

11