الخيال التاريخي

عندما يتعلق الأمر بالتاريخ، فإن كلّا من كاتب الخيال التاريخي والمؤرخ يمتلكان الوظيفة نفسها. وكلاهما مكلف بالحد من تشابك الإدراك الفردي وإيصال الحقيقة.
الاثنين 2018/06/11
الخيال هو المكان الذي لا يمكن تمييز المؤرخين فيه عن الروائيين

بالنسبة للكثيرين، يعد الخيال التاريخي نوعا من الكتابة المملة لدرجة أنه لا يستحق القراءة. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بعد ذلك هو: ما هو الخيال التاريخي؟ ولماذا يقرّر العديد من القرّاء بشكل خاطئ أنه متجهم وممل من دون الدخول إلى عوالمه؟

تحتوي كتب الخيال التاريخي قصصا حدثت في الماضي البعيد، وتمتلئ هذه القصص بتفصيلات عن ماضينا. هي قصص تفصّل حياة أناس حقيقيين مثل أي شخص على قيد الحياة اليوم. في الكثير من الحالات، عاش هؤلاء الناس أحداثا لم تغير حياتهم وحسب، بل حياة الناس جميعا وإلى الأبد. هؤلاء الناس كانوا أبطالا وأشرارا وقادة وأتباعا.

لقد عايشوا في حياتهم قضايا ربما غيّرت مجرى التاريخ، وتروي قصصهم المواقف التي غيرت حياتهم وكيف تعاملوا معها. لقد عانوا من المشاعر نفسها ومن عدم اليقين والقلق والشعور بالذنب والغبطة والفرح واليأس التي يشعر بها الناس اليوم في وضع مماثل.

الأمر يحيلنا إلى إشكالية ثيميّة بين روايات الخيال المطلق والروايات الواقعية غير الخيالية التي تدخل ضمنها ما يسمى عندنا الرواية التاريخية أو الخيال التاريخي، وهو نوع أدبي يستند مضمونه إلى أحداث أو شخصيات معينة في التاريخ، ولكن يتم إنتاج شخصياته من جديد بواسطة خيال الكاتب، إما لتسليط الضوء عليها بواسطة الأدب وتوضيحها وإما بغية تقديم المعلومة التاريخية بشكل جديد وممتع وخلّاق.

لكن كيف تختلف الروايات التاريخية عن روايات الخيال المطلق أو الواقعي؟

في الواقع يروي الخيال التاريخي قصة ذات صلة بالتاريخ، مع اختراع شخصيات أو ثيمات تاريخية فعليّة للتفاعل مع أولئك الذين عاشوا الأحداث التاريخية الفعلية، ويقدّم هذا النوع للقارئ حقائق مثل الأوقات الفعلية والأماكن والشخصيات التي كانت مهمة في الماضي.

أما الخيال المطلق الذي يتمثل الواقع، فهو يبدو واقعيا نظرا للأحداث والشخصيات -التي يمكن تصديقها- والتي تشكل جزءا محوريا من القصة، أي أنّ هذه القصص معقولة للغاية، لكنّها من جهة أخرى خيال مطلق أبطاله شخصيات لم تكن موجودة أبدا وأحداثها لم تحدث أبدا.

عندما يتعلق الأمر بالتاريخ، فإن كلّا من كاتب الخيال التاريخي والمؤرخ يمتلكان الوظيفة نفسها. وكلاهما مكلف بالحد من تشابك الإدراك الفردي وإيصال الحقيقة. وبالطبع، فإن أكبر اختلاف بينهما هو مدى التقارب الذي يمكن أن يصل بكل منهما إلى الحقيقة، ومقدار هذه الحقيقة التي يرغبان في اتخاذها، باستخدام الحرية الفنية من أجل ربط قصتهما. لا شك أن المؤرخ سيسعى إلى الاقتراب من الحقيقة قدر الإمكان، بشكل واضح ودقيق يصور كيفية تفاعل الشخصيات التاريخية مع أحداث معينة، بواسطة الأبحاث المكثفة ليجمع الحقائق في شأن تلك الأحداث التاريخية حتى يتمكن من ربطها بدقّة.

يروي كتاب الخيال الواقعي قصة يمكن أن تكون قد حدثت، ولكنها في الحقيقة لم تحدث. يخرج الخيال الواقعي من الحقائق التاريخية ويعطينا وضعا يشبه حدثا تاريخيا فعليا ولكنه لم يحدث أبدا. مما يجعل القصة معقولة ومثيرة للاهتمام، ولكنّها ليست دقيقة من الناحية التاريخية. يمكن أن يلمس القارئ قصة التفاعل الإنساني والتجارب أو انتصارات الشخصيات الخيالية، ولكنه لن يكتسب أي معرفة بالأحداث التاريخية الفعلية.

فالخيال هو المكان الذي لا يمكن تمييز المؤرخين فيه عن الروائيين. ومثل المؤرخين، سينظر روائي تاريخي جيد في الحقائق التاريخية الصعبة، وفي الحقائق التاريخية “الناعمة” للقصص الأقل موثوقية، ثم يستخدم خياله في صنع قصة. ربّما يكون الفرق هو أن الروائي يعلن أن قصته نوع من الخيال، بينما يستخدم المؤرخ تكهنات للترابط بين حقيقة واحدة معروفة وأخرى.

14