الخيال الروائي سلم الصعود من هاوية الأيام الكئيبة

الثلاثاء 2014/02/18
رواية "الرجل الخفي" لهربرت ويلز تبدأ بالخيال وتنتهي إليه

اسطنبول - لجأ كثير من الأدباء إلى الخيال ووظفوه كعنصر هام في رواياتهم، بل إن قسما منهم انطلق من الخيال ليلامس الواقع أو يبتعد عنه، بحيث أن الملامسة أو الابتعاد شكلا طرفي معادلة متكاملة لا صراع بينهما، لتؤدي إلى نتيجة منشودة تكمن في بلورة عمل مختلف، يأخذ من الخيال والواقع ويدمج بينهما ليخلق عالما أدبيا فريدا.

هل الخيال أسّ الأدب أم إنه لا يتعدّى كونه ترفا فنيا يلجأ إليه الكاتب ليضفي على عمله أجواء غرائبية أو فانتازية بطريقة ما؟ هل يمكن تقسيم الخيال أو إبرازه في أي عمل وهل من آليات لذلك؟ كيف أجرى الأدباء تداخلاً بين الخيال العلمي والأدبي في الرواية؟

ربما يكون الفصل بين الخيال العلمي والأدبي في الرواية مثار اختلاف، ولا سيما أن الرواية، وإن تطرقت إلى مواضيع علمية بحتة، إلا أنها تظل المرتكز الأدبي الذي يمكن أن تجتمع فيه العلوم أو تقدم من خلاله في سياق البلورة والصهر وإعادة التقديم بحلل روائية. يمكن الاستشهاد ببعض الأعمال التي شكل الخيال منطلقها ومبتدأ أحداثها، كرواية «العرس السري» للفرنسي جيرار كارامارو (بروتانيا 1953)، ورواية «قلب الحوت الأزرق»، للكندي جاك بولان، ورواية «الرجل الخفي» للأنكليزي هربرت ويلز، ورواية «النهاية 2012» للأميركي ويليام غلادستون، و«صرع» للمصري نبيل فاروق.


سطوة الخيال


سعى الفرنسي جيرار كارامارو (بروتانيا 1953) في روايته «العرس السري»، «ترجمة آسية السخيري، أزمنة، عمان» إلى تصوير حالة غريبة بين شخصين، تتجاوز حالة التوق والحب والشهوة والشوق، لتصل إلى درجة من التوحد والاندماج الروحيين عبر الخيال والتخيل. وأحال كارامارو إلى قوة الخيال ودوره الهام في تسيير دفة الواقع، وخطورته في التلاعب بالعقول والأرواح، ومدى إمكانية تجميل حيَوات الناس أو تشويهها عبر تنغيص اللحظات السعيدة، وبث السوداوية بين الثنايا، إذ يصور الخيال على أنه السبيل لتحلية الأيام الكئيبة، وأنه يمكن أن يشكل خير ملاذ للمرء، حين تنسد الأبواب في وجهه، وذلك دون أن يعني ضرورة التحايل على الذات، أو إيهامها بأنها تعيش متعة أو بهجة ما، بل تصوير حقيقة بهجة يبعثها الخيال بفَرادته ويخلقها بسطوته وقوته..

مع طغيان الخيال الذي يضفيه كارامارو على الشخصيات والأحداث، يحضر مكان واقعي يكون مرتكزاً للخيال المجنح في عالم الرواية والواقع، والمكان يكون قرية في الريف الفرنسي، يختصر جمال الطبيعة وسحرها، في حين أن الساكنين فيه منشغلون عن ذلك كله بأنفسهم ورغباتهم وحاجاتهم..

يرمي كارامارو إلى القول إن الفن وسيلة لتجميل الحياة.

وإن الحكاية درب للوصول إلى الحبيبة. والتصوف ديدن الشخصية للتسامي على الذات والرغبات والغرائز، والحظوة مع مصدر العشق برفقة تدفع كل طرف إلى أن يسكن الآخر في حله وترحاله. يكون الليل ستار العاشق المتصوّف الذي يشعر أنه يحتفل فيه كل ليلة باللقاء، ويقيم عرسه الليلي السري المختلف عن الأعراس التقليدية، إذ يكون التلاقي الروحي في حفلة الخرافة والتخيل سمة بارزة.

بحر التخيلات

الكندي جاك بولان (كيبيك 1937) يتخيل في روايته «قلب الحوت الأزرق»، فكرة لا مألوفة، ينسج حكاية حول كاتب يتمّ إجراء عملية زرع قلب له، إذ يُزرع له قلب فتاة يافعة، ويبدأ بتتبع التغيرات المُفاجئة التي تجتاح شخصية بطله. يطلق الروائي لبطله العنان كي يبحر في تخيلاته، تراه يشعر بأنه يحلق بقلبه الفتي، ويشعر بالمسؤولية في وجوب حفظ الأمانة التي زُرِعت في كيانه. ويكون الحب المتجدد في قلب البطل محرضاً لتمسكه بحب مدينته وماضيها، تكون سياحته في القطب الداخلي للذات سياحة في دهاليز الذاكرة وفي خبايا مدينته كيبيك العريقة التي تبدو له كلها مثل كتاب صور قديمة، ويشعر أنه يسير ببطء في شوارعها، ووسط المنازل القديمة والذكريات التي تتوقد في الذاكرة، والتي تقوده إلى أعماق الذاكرة الجمعية التي تنبثق كنقوش في كلماته وتصوراته.

يصف بولان كيف أن الكاتب يسعى إلى كتابة قصته مع القلب المزروع في جسده، يتخيل ماضياً لصاحبة القلب، يبتدئ بتخيل بداية ما للقصة، لكنه ما إن يشرع بالكتابة حتى يسارع إلى الشطب وتبديل الكلمات وتمزيق الصفحات، ويعتقد أنه فقد السيطرة على ذاته وكتابته، لكنه يعترف بتعلمه أن القصة تتكور على نفسها أحياناً كما يستلقي قط وينام، وأنه لا بدّ من الانتظار حتى تنبثق فجأة صحوات عابرة ودفقات من النور في الفضاء الداخلي..

غوص في الأعماق


أما المصري نبيل فاروق فيتبدّى وكأنه يتحرك تحت تأثير الفضولي المعرفي والخيال العلمي في روايته «صرع»، التي يحاول أن يلفت الانتباه من خلال أسئلته المشككة وافتراضاته الغريبة وينطلق بقارئه في بحر الخيال، ليرتحل معه في اقتفاء التخمينات والفرضيات المؤسسة على الخيال، والنابشة في ماهية الأمور والأشياء وخصائصها. وينطلق نحو سؤال: ماذا لو أن المخ البشري يخفي في أعماقه ما لم نفهمه أو ندركه بعد؟!

النبش في خبايا المجهول والتنشـط لإبداء الآراء حياله، سيظل يشغل بال الأدباء وأبطال رواياتهم

في روايته التي تعدّ مزجاً لعوالم أفلام بوليسية وأخرى ذات خيال علمي، مع إدخال لجوانب من الدراما والتشويق، وإطلاق الخيال ليلعب في فراغ الافتراض والتخيل، يتقاطع فاروق مع الكائنات الفرانكشتانية السينمائية من جهة، وكذلك مع رواية «الرجل الخفي» للأنكليزي هربرت ويلز «1866- 1946» الذي يُعَدّ من الرواد في كتابة رواية الخيال العلمي، ومزج بين التخيل العلمي والأدبي في ابتداع شخصية فريدة، تقع في شِراك الطموح الاندفاعي بإنجاز المعجزات، وتخطي الحدود الطبيعية البشرية.

ويكون التقارب مع ويلز بخاصة في رسم شخصيات الرجال الخفيين الذين يجتاحون العالم في حوادث متفرقة مؤثرة ضمن حدود بعينها، محذرين من التمادي في البحث ووجوب التوقف عن ذلك، وكذلك يحضر تداخل مع رواية «النهاية 2012» لويليام غلادستون، وتحديداً في الخاتمة عند اجتماع مبعوثي العالمَين في نقطة محددة، والتحدث في التفاصيل وكشف الأسرار.

يبني فاروق روايته على اعتقاد أبطاله في نظرية تأثر الفراشة المُستلة من روايات الخيال العلمي، والتي تعني أن تأثر الفراشة «تعبير مجازي يصف الظواهر ذات الترابطات والتأثيرات المتبادلة والمتواترة، التي تنجم عن حدث أولي، ربما يبدو بسيطاً في حدّ ذاته، ولكن تنشأ عنه سلسلة من التداعيات، التي تفوق في حجمها حجم الحدث الأولي بمراحل، وربما في أبعد أماكن يمكن تصورها».

كما أنه يبني افتراضاته الروائية على الاكتشافات العلمية والاختراعات التكنولوجية، يستشهد بالغرائبي والكائنات مجهولة الهوية ويعتقد بأنها نتاج أبحاث سرية تقوم بها الدول الكبرى، لتنفذ عبرها أجندتها في الهيمنة على العالم، والتكتم على وسائل سيطرتها الغامضة، كما يثبت عدداً من الافتراضات التي أطلقها كتاب الخيال العلمي.

الخيال كشرارة

يظل الخيال شرارة الأدب الباعثة على التجريب باطراد، وتأتي فرادة أي عمل بحسب توظيف صاحبه لجرعات الخيال بحسب ما يقتضيه نصه، لأن التعاطي مع الخيال كعنصر فني وثيمة موضوعاتية في الوقت نفسه تفترض حساسية مختلفة لدى الأديب، ذلك أن البحث في ما وراء الأحداث والوقائع، وما وراء المعلوم والمكشوف، النبش في خبايا المجهول والتنشـّط لإبداء الآراء حياله، سيظل يشغل بال الأدباء الذين ينقلون ذاك الانشغال إلى أبطالهم في أعمالهم، ليبقى الخيال هو العنصر الأثير الذي يفرض تواجده وتميزه.

14