الخيال الغربي والمدوّنة الكبرى للكتاب المقدّس

الأحد 2013/10/27
الأساطير تؤشر على مناطق محددة من الثقافة الإنسانية

الأثر الكبير والواسع للكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد في الأدب والثقافة الغربية اتخذ أشكالا ومظاهر مختلفة، لاسيما في الشعر الغربي، ولعل أوضح تعبير عن هذا التأثير يمكن أن نجده في شعر ت.س. إليوت وفي قصيدته الشهيرة" الأرض الخراب" التي أثرت بشكل كبير على شعراء الحداثة العربية.

الناقد الكندي نورثروب فراي صاحب الكتاب الشهير "تشريح النقد" يحاول مقاربة هذا التأثير من خلال تجلياته الأدبية والجمالية في الأدب الأوروبي في كتابه "المدونة الكبرى: الكتاب المقدس والأدب" الصادر عن مشروع كلمة في أبو ظبي بترجمة سعيد الغانمي حيث يسعى فيه إلى تقديم نظرية كاملة عن علاقة اللغة بالفكر واللغة، ومبينا أن لغة الكتاب المقدس تنتمي إلى لغة الطور الأول لغة الاستعارة والتماهي بين الذات والموضوع، بينما يكشف عن مقاطع كاملة من العهد الجديد( الإنجيل) تكرر بنى رمزية وسردية سبق أن وجدت في العهد القديم ( التوراة).

ويؤكد الناقد فراي منذ البداية أن هذا الكتاب ليس بحثا في اللاهوت وإنما ينطوي على وجهة نظر شخصية في الكتاب المقدس بهدف توضيح التأثير الأدبي الذي مارسه على الأدب الغربي، بعد أن كان يقرأ تقليديا كوحدة جعل تأثيره في الخيال الغربي كوحدة أيضا. ويدافع عن بحثه الأدبي في الكتاب المقدس باعتبار أنه لا يعقل من وجهة نظره أن يمارس هذا الكتاب كل هذا التأثير الأدبي دون أن يمتلك في ذاته الخصائص الأدبية، الأمر الذي يدفعه إلى استيضاح المعايير الجمالية التقليدية فيه، انطلاقا من الدور الكبير الذي لعبه في تشكيل التراث الخيالي للغربيين وفي مقدمته الخيال الإبداعي.

وقبل أن يتوسع في هذا المجال يتناول في الفصل الأول موضوع اللغة التي يستخدمها الناس عادة عند الحديث عن هذا الكتاب وما يرتبط به من قضايا دينية. ويرى فراي أن الكتاب المقدس قد كتب بتركيز لغوي على غرار ما يحدث عند كتابة الشعر على الأقل لأنه كالشعر يرتبط ارتباطا وثيقا بشروط لغته، ويميز بين مستويين في اللغة هما المستوى الاستعاري الذي يجري فيه توحد الفكر مع الخيال، والمستوى الكنائي الذي يتوحد فيه مفهوم الإله معترفا بالدور الذي لعبه جاكبسون على هذا الصعيد.

وبعد أن يقسم تاريخ اللغة إلى ثلاثة أطوار سادت فيها كلمة مميزة بالنسبة إلى الكيان الإنساني الذي كان يستعمل اللغة، ففي الطور الاستعاري ساهم تعدد الآلهة في حفظ وحدة العالم، في حين أن الطور الكنائي قد شهد تبلور إله التوحيد الذي بات ينظر إلى الإنسان فيه على أنه نفس مفردة وجسد ينتمي إلى الطبيعة ويعود إليها، في حين أن النفس تنتمي إلى العالم المتعالي وستعود إليه. لذلك فإن جميع اللغات التي تتناول الكتاب المقدس قد ميزت بين النفس والروح دون أن يكون فيه استعمال ثابت لأية كلمة منهما.


الشعري والبدائي


في هذا المحور يتناول فراي تاريخ بدء شعراء الأدب الإنكليزي ونقاده بإحياء حس القرابة بين الشعري والبدائي في النصف الثاني من القرن الثامن عشر وهي المرحلة التي سادت فيها الحركة الرومنسية.

وإذا كان الشعري يهيمن على اللغة في الطور الأول، فإن الطّورين التاليين على العكس منه ولذلك يحاول الشعراء التكيف مع الظروف اللغوية المتغيرة ما جعل شعراء الطور الثاني يستخدمون السرد الاستعاري في موازاة مع السرد المفهومي. إن الشعر هنا يبقي على الاستعمال الاستعاري للغة حية وكذلك على عاداتها في التفكير بعلاقات الهوية التي تقترحها بنية الاستعارة ما يؤدي إلى اختفاء المعنى الأصلي للسحر وللطاقات الممكنة التي تطلقها كلمات القوة.

الكتاب المقدّس.. تجلياته الأدبية والجمالية

لكن الشاعر في المجتمعات الحرة يظل مطلق الحرية في استعمال ما يشاء دون أن يفقد الشعر طاقته السحرية التي تقوم بها اللفة الاستعارية التي تطلق من السحر إلى الشعر فيضا ضمنيا من تلك اللغة حيث تظل الفرادة والجدة أمرين جوهريين بالنسبة إلى الشعر ما يجعله لا يفقد قوته السحرية بل يقوم بنقلها من فعل في الطبيعة إلى فعل القارئ في ضوء ذلك يجد أن الشعر يبقي الاستعمال الاستعاري للغة حية وعلى عاداتها في التفكير بعلاقات الهوية التي تقترحها بنية الاستعارة وبهذه العملية يختفي المعنى الأصلي للسحر والطاقات الممكنة التي تطلقها قوة الكلمات. وإذا كانت أصول الكتاب المقدس تكمن في الطور الاستعاري الأول للغة فإن الجزء الأكبر منه معاصر لانفصال الطور الثاني الجدلي عن الشعر حيث لا يقتصر استعماله الشعري للغة على الصنف الأدبي ما يجعل لهجته ذات طبيعة خطابية في جوهرها. إن تباين مستويات اللغة في الكتاب المقدس تجعلها لا تتطابق تماما مع أي من هذه المستويات فهي ليست استعارية كالشعر رغم أنها تعج بالاستعارة ويمكن اعتبارها شعرية وأن تتخذ صفة الأدبي كما أنها لا تستخدم اللغة المتعالية في التجريد والتمثيل في حين أن استخدامها اللغة الموضوعية والوصفية يظل عرضيا.

الشعري الأسطوري

على مستوى آخر يتناول الناقد الطور الاستعاري للغة في الكتاب المقدس مبينا الفرق بين نظام الأساطير والحكايات الخرافية على أساس أن الأساطير تتوافر على قانون يربط فيما بينها فهي تحتل موقعها في نظام أسطوري متواشج الأواصر، بينما الحكايات الخرافية تبقى هائمة جوالة تسافر من عالم إلى عالم وتتبادل موضوعاتها ودوافعها.

كذلك فإن الأساطير تؤشر على مناطق محددة من الثقافة الإنسانية وتقوم بعزلها عن المناطق الأخرى إضافة إلى أن الأساطير تقوم بنقل تراث مشترك وتجربة لفظية في الزمان، ما يساعد النظام الأسطوري على خلق تاريخ ثقافي.

ويستنتج فراي من خلال هذه القراءة للنظام الأسطوري أن هذا النظام بقدر ما يحتوي على قدر كبير من التاريخ الخرافي والتقليدي فإنه يساعد في تعزيز نمو ما يسميه بالتاريخ، وهو السبب الذي يجعل حكايات التاريخ من أقدم أشكال التقنيات الوصفية في الكتابة.

إن النظام الأسطوري كما يراه ليس معطى، بل هو واقعة في الوجود الإنساني لأنه ينتمي إلى عالم الثقافة والحضارة الذي يصنعه الإنسان وما زال يسكنه. وينتقل من مجال دراسة الأسطورة إلى دراسة العلاقة القائمة بين التاريخ القدسي والأسطورة أو التاريخ الشعري حيث يعد التكرار خاصية جوهرية في الأسطورة وداخل جميع سياقاتها والمجتمع لا يستطيع الاحتفاظ بأساطيره المركزية ما لم تتم إعادة تقديمها بصورة دائمة من خلال اقترانها بطقس معين وترك فواصل منتظمة من الزمان المقدس. ويرى فراي أنه لا تكمن المقابلة في الكتاب المقدس بين التاريخ العالمي والتاريخ القدسي ما دام الأخير يمكن أن يكون شعريا خالصا.

وتقوده قراءته للنص المقدس إلى الكشف عن التداخل الحاصل في الصورة الفنية بين الصورة الرعوية والزراعية مع صورة الفردوس والمراعي الخضراء والمياه الوادعة دون أن يكون هناك سبب ما في الاستعارة الخالصة يحول دون أن تكون أسراب الماشية صورة مركزية للكنيسة كالقطيع، في حين أن الحصان هو الصورة المركزية للأرستقراطية المحاربة.

وفي حين تقف الرمزية الزراعية التي تجد رمزيتها في الخبز والخمرة في منطقة الخصومة الرئيسة مع الديانات الكنعانية المحيطة بها، ولذلك كان من الطبيعي في النظام الأسطوري أن يتم التفكير بالطبيعة باعتبارها أنثى أم الخصوبة التي تلد الحياة كلها، ومنها تأتي الأسطورة واسعة الانتشار في العالم القديم عن إلهة أمّ تحضر معها شخصية ذكرية تابعة إما أن تكون ابنها أو عشيقها أو ضحية لها.

12