الخيال والعقلانية

الخميس 2017/05/11

يتفق علماء التربية على أن الغاية الأساس للتعليم هي خلق فكر عقلاني لدى المتعلم، ولذلك عادة ما يشجع الأولياء أبناءهم على التفوق في العلوم الصحيحة، كي يحوزوا وظائف مشرفة تدرّ عليهم الجاه والمال، فيضمنوا بذلك مستقبلهم؛ غير أنهم يزهدون في ما عداها، كالآداب مثلا، لكونها في اعتقادهم شطحات شعراء يقولون ما لا يفعلون، وهلوسات كتاب يقضون أوقاتهم في ترصد أعمال من يعمل، وهم قعود، يحتسون القهوة، (بمفهوميها في الماضي والحاضر)، دون أن يفيدوا المجتمع بنَشب.

جميل أن نحتفي بالعلوم، فهي مقياس التقدم، على المستوى المادي على الأقل، ولكن هل يعني ذلك أن ننكر، باسم المعرفة العلمية، معرفةً أخرى تقوم على الخيال والصور؟

قد يبدو التوفيق بين الطرفين في هذه المسألة صعبا، إلا أن الواقع غير ذلك، فالمفاهيم العقلانية والإبداعات المتخيلة، كما يقول غاستون باشلار، تتطور في فكرنا وفق محورين مختلفين، ولكنهما متكاملان، ليشكلا في النهاية ما يسميه “وحدة حياتنا اللاشعورية”.

وفي رأيه أن “الفكر العلمي إن كان لا بدّ أن يقاوم بغير انقطاعٍ الصورَ والتماثلَ والاستعارات، فإن رجل العلم أيضا ينبغي أن ينسى علمه، ويتخلى عن عاداته في البحوث الفلسفية، إذا ما رام دراسة المشاكل التي يطرحها الخيال الشعري”.

ولكن الشخص نفسه هو الذي يحلم بالتناوب، ويطّلع حينا وحينا، دونما خَلط، على محوري حياته الفكرية، أي عقلانية في الأنيموس (الطبيعة الذكرية عند المرأة) وحلم في الأنيما (الطبيعة الأنثوية عند الرجل) حسب تحليل كارل غوستاف يونغ الذي يؤكد هذه الثنائية في اللاشعور الفردي. أي أن ثمة تواترا بين الصور والمفاهيم، وأن الخيال والعقلانية ضروريان لتوازننا النفسي.

ومن ثَمّ يمكن للعمل التربوي أن يحمل مشروعا طموحا في مجال التخييل، من خلال معاشرة نصوص متخيلة، موضوعة أو مبتكرة، لا سيما أن التخييل في حياتنا اليومية تراجع بشكل ملحوظ، مثلما تدنى وضعه الاجتماعي أو زال تماما، بعد أن اجتاحت عالَمَ الطفل طفرةٌ من الإنتاج السمعي البصري المتدني، تغلب عليها كتابة ساذجة تستبله الأطفال وتعتبرهم قاصرين أبدا، وبنيةٌ منمطّة كأشدّ ما يكون التنميط، وتبسيطيةٌ مانوية مفزعة.

ما يوحي بأن مجتمعاتنا العربية تراجعت في هذا المجال، وأن الإرث الميثولوجي الذي تنقله إلى أطفالها لا يرقى إلى ما كان الأطفال يتلقونه في الأزمنة السابقة، أي قبل أن تغزو البيوتَ تلك الوسائلُ التقنية الحديثة. فما أحوجنا اليوم، مع العقل، إلى الخيال. ألم يقل أينشتاين، وهو من هو، إن الخيال أهمّ من المعرفة؟

كاتب تونسي

15