"الخيامية" و"الفواخرية" فنّان مصريان يقاومان الاندثار

الجمعة 2014/04/25
بالعصا المبرومة وهرس القدمين تصير الطينة كعجين الخبز

القاهرة –تحتل الصناعات والحرف اليدوية في أي بلد أهمية كبيرة، فهي تعبير صادق عن تراث هذا البلد، ومخزونه الثقافي وعاداته وتقاليده، فهي بحق نبض الوطن وأحاسيسه وفنونه.

"الخيامية" و"الفواخرية" صناعتان تعتمدان على روح الصبر، وأنامل الفنان المبدع. هاتان الصناعتان الضاربتان في عمق الحضارة العربية بكل ما هو جميل، يتهددهما الآن خطر الاندثار، والانحراف أمام تيار العولمة.

وفي دكان صغير بمنطقة الخيامية بمصر القديمة، يجلس رجل عجوز لم يستطع الزمان النيل من ملامحه الطيبة، والابتسامة، زادته تجاعيد وجهه النحيل وقارا وهدوءا في كل حركاته. ربما اكتسبه من حرفة الصبر والهدوء “الخيامية”. عشقه الأزلي بحي “الغورية” العتيق يدفعه إلى العزف بأنامله يوميا على قطعة القماش. يمنحها من روحه فنا يبوح بأعظم الأسرار. يستغرقه العمل لساعات طويلة وربما لأيام متواصلة فينسى نفسه، وطعامه، ولا يتذكر إلا متعة الإبداع. يكفيه ذلك الشعور الذي يحسه بعد أن يفرغ من تلك اللوحة البديعة التي خاطها بأنامله الذهبية.

ويقول السبعيني: “أنا أعمل مادمت حيا، وسأظل أعمل مهما تقدم بي العمر بمشيئة الله. لقد حاول أبنائي حملي على الكف عن العمل بدعوى أنني تقدمت في السن وأن نظري قد ضعف، إلا أنني لم أستمع إلى كلامهم ولا زلت متمسكا بالعمل، لا أخفي أن السن أثر في سرعة آدائي، ولكنه أبدا لم يؤثر في جودة ما أصنعه، لست في حاجة إلى المال، ولكنني في حاجة إلى الإبداع، إلى الإحساس بأن في حياتنا أشياء جميلة لم تزل باقية”.

وفي دكان مجاور قال الحاج حنفي إبراهيم أحد كبار شيوخ الخيامية: “هذه الصنعة توارثناها أبا عن جد، وهي تعود إلى عهد سيدنا إدريس عليه السلام، الذي تشير المراجع الدينية إلى أنه كان أشهر من حاك النسيج ليصنع منه الخيام.

أصابع الصبر تعزف لحن الإبداع على القماش

وبعد ذلك تولاها الفاطميون بالعناية. وقد جاء ذكر الخيام في القرآن الكريم في قوله تعالي “حور مقصورات في الخيام”. وينبغي لمن يريد تعلم هذه الحرفة أن يكون صغير السن جدا، حتى يتعلم الصبر أولا. فمن منا لديه المقدرة على جلوس القرفصاء مربعا قدميه منذ طلوع الشمس وحتي مغيبها، وهو يحتضن الإبرة والفتلة والقماش”.

ويضيف الحاج حنفي: “فن الخيامية يبدأ بالرسم علي ورق مثل الباترون ثم نقوم بتخريم الرسم على الورق، ونضع على هذه الثقوب بودرة التلك، فتتساقط على القماش لترسم نفس الرسم المراد تطريزه، ثم نبدأ بعد ذلك عملية التشبيك، وهي من أدق وأصعب مراحل العمل. والصنعة تحتاج إلى إبداع في تناسق الغرز مع بعضها البعض، وفي دقة اختيار الألوان المناسبة، وعدد القطع المطلوبة للعمل والسوق، وسابقا لا يُطلب منا سوى تصنيع القماش وخيام السرادقات. أما الآن فقد تطورت صناعة “الخيامية” والقطع المطلوب العمل عليها بنفس الطريقة. فالآن نجد القطع الصغيرة جدا أو مفارش السرير”.

وعن خطر الاندثار الذي تواحهه هذه المهنة قال الحاج حنفي: “لا يمكن لفن الخيامية أن يندثر طالما هناك من يعشق الفن الجميل وطالما هناك أجيال جديدة تحرص على أن تتعلم هذا الفن الإبداعي.

وطالما هناك رواج سياحي، وعشق لإبداعاتنا، وطالما هناك استعمال للسرادقات حيث يكثر استخدامها في المناسبات الدينية سواء في المساجد أو المؤتمرات الدينية، كما في الأفراح، والمآتم”.

ومن فن الخيامية الجميل، إلى فن آخر لا يقل جمالا ولا إبداعا وهو فن الفواخير، فن الجرار، الأباريق، الزهريات، الصحون الفخارية، الشمعدانات، وغيرها من عشرات الإبداعات التي تصيرها أنامل الإبداع من طين إلى تحفة تخلب الألباب.

الفخار مخزون ثقافي يعبر عن تاريخ البلاد

وفي حي مصر القديمة أيضا بمنطقة الفواخير خلف جامع عمرو بن العاص اختفى لون ثياب أحد الفواخرية الحقيقي تحت طبقات الطينّ، ولم يستطع إرهاق العمل أن يكبح بسمته وهو يقول: “قديما كنا نعجن بواسطة الهرس بالقدمين، والتدليل بالعصا المبرومة الشكل حتى تصير الطينة كما لو كانت عجينة خبز سهلة التشكيل. أما الآن فهناك آلة تقوم بهذه المهمة، ونضيف إلى الطين بعضا من الرمل ليزيد من خشونته لأنه لا يصلح ناعما، ويتم تصنيع النماذج المختلفة حسب ما هو مطلوب، ثم توضع في الشمس والهواء لتجف وبعد ذلك يتم تلوينها وزخرفتها حسب رغبة الزبون. هناك شيء يسمى الدولاب، توضع فيه الطينة ليتم إعداد الأشكال المراد تصنيعها حسب الطلب واحتياج السوق .

وأمام دكان الحرفي إبراهيم أبو المجد اصطفت عشرات من الجرار، والأباريق، والزهريات، والصحون الفخارية، وطواجن اللبن الرائب، وأوعية القلي، وطواجن اللحم.

وقال أبو المجد: “نحن نصنع الفن ونجعل الطين كيانا ينبض بالجمال. إن أكثر الدول تحضرا ورقيا كأميركا وأوروبا وبلجيكا ورومانيا هي التي تقبل على شراء منتجاتنا.

إننا نصدر كل شتاء أكثر من عشرة آلاف آنية فخارية إلى دول العالم المتحضر”.

وحول الأضرار التي يعانيها الفواخرية قال مسؤول بمركز الخزف بالفسطاط (منطقة مصر القديمة):”هذا النوع من الصناعة اليدوية له قيمة عالية، ويدر دخلا لا بأس به. إلا أن هذه الصناعة لازالت تستخدم الأساليب البدائية في معالجة الخامات، وبناء الأفران.

وهذا ما نسعى حاليا إلى تطويره وتعصيره بالتنسيق مع الأجهزة الصحية والبيئية المختصة، مع ضرورة تأمين هؤلاء العمال من مخــاطر المهنة الشــاقة، والعمل على تطوير أساليب الإنتاج، وفتح أســواق جديدة أمام هذه المنتجات الفــــخارية البـــديعة كي نحافظ على هذا التراث الذي يشكل وجداننا الثقافي النابض بالإبــداع والجمال”.

20