الخيانة إعلاء أم استعلاء

الثلاثاء 2017/09/26

جرت العادة أنه كلما اختصم اثنان انتصر الثالث، لذلك خيرت أن أقف في المنتصف بين فائض من النكت وزبدة الدراسات والأبحاث، وأكون أنا نفسي الخائن، سأقف على مسافة من هذه المعادلة الصعبة؛ مَن أكثر ميلا إلى الخيانة الرجل أم المرأة؟ ولسبب ما أسرفت النكت في تصوير النساء خائنات بامتياز، وأبت البحوث إلا أن تؤكد العكس.

لن أكون امرأة بل كائن لا جنس له يرصد ظواهر متأصلة في الطبيعة البشرية، فبقطع النظر عن نوع العلاقات بين الناس لا يعدم أحد منهم ذاك الانقسام الأزلي بين الخير والشر، ذاك الملاك عن اليمين والشيطان عن اليسار وكلاهما يشده إلى عالمه ومن هذا الرحم الهجين تولد الخيانة التي يحصرها البعض في الفعل الجنسي وحسب، متغاضين عن أعراضها الأخرى.

لا شيء يخلق من عدم، كذلك هي الخيانة فليست هي بالنكتة التي تقول وتؤكد أن “واحدة عندها 5 أولاد 4 بيض وواحد أسود، فالولد الأسود بيقول لمامته اشمعنى اخواتي بيض وانا أسود؟ قالتله احمد ربنا واسكت أنا لو اعتمدت على أبوكم لا كنت جبت أبيض ولا أسود”، والأمثلة في هذا المضمار لا تحصى ولا تعد.

ولا هي نتائج دراسات أجريت وتجرى على مجموعة محدودة من البشر كان آخرها اكتشاف علماء كنديين أن الرجال المميزين بوجوه مربعة، أكثر ميلا إلى الخيانة والغش، آملين أن تسلط النتائج الضوء على الدور الذي تلعبه ملامح الوجه في العلاقات الجنسية واختيار شريك الحياة.

وليست محاذير علمية تنبه إلى مقاييس معينة وجب توخي الحذر منها عند الارتباط، على غرار دراسة علمية فرنسية حديثة تنصح المرأة بتوخي الدقة عند اختيارها لشريك حياتها، لأنها بكل بساطة توصلت إلى أن الرجل ذا القامة القصيرة أكثر استعدادا للخيانة مقارنة بالرجل متوسط الطول.

لكن قطعا لم تستند الدعابات والعلوم على الركيزة الأساسية التي تغذي وتدعم هذا السلوك البشري المنافي لطبيعة نواميس الشعوب وعاداتها وتقاليدها المحافظة التي تحكم سيطرتها على النظام الداخلي لكل العائلات بوصفها الخلايا الرمزية المؤسسة للمجتمعات الكونية.

ألم يفكر أحد في الأسباب الفعلية المؤدية إلى ما يعرف بانتهاك أو خرق عهد مفترض، إذ يرى المعرفون للخيانة أنها فعل ناتج عن صراع أخلاقي ونفسي في العلاقات بين الأفراد أو بين المنظمات أو بين الأفراد والمنظمات، أو أنها انتقام أحد الطرفين من الطرف الذي نقض ما تم الاتفاق عليه مسبقا أو القواعد المفترضة بين الطرفين، دون أن يضعوا من وجهة نظري يدا على لب الموضوع المتمثل في أن الخيانة فيروس يوهن جسد الخائن وينخر عظمه ويعجل بفنائه دون غيره من البشر.

يعتقد الجميع أن الخيانة فعل بحاجة إلى عدة أطراف حتى يصبح ساري المفعول والحال أن الإنسان لا يحتاج طرفا ثانيا ولا ثالثا لكي يحيد عن المجموعة، فقط هو في بحث دائم عن مبرر يجيز له فك القيود المجتمعية والدينية التي تربطه بروابط مقدسة تجبره قسرا على غض البصر، وهو بحاجة ماسة إلى مشجب يعلق عليه أخطاءه ويتطهر منها لذلك يرفع كلا الجنسين أصابع الاتهام في وجه الآخر ويمضي.

الخيانة ما هي إلا إعلاء واستعلاء عن الواقع فقط لأن لا أحد يكتفي بما يملك ويصبو باستمرار إلى الأفضل، هي إعادة اكتشاف لإمكانيات الجسد، فهي الفاصل الزمني بين الجسد والروح، هي الطرف الثالث المنتصر دائما.

كاتبة تونسية

21