الخيانة الوطنية واليوم الفاصل

الأحد 2014/06/01

يوم الأحد، الخامس والعشرين من مايو للعام ألفين وأربعة عشر، حدث ما لا يحمد عقباه، فالمؤتمر الوطني العام في ليبيا يصدر قرارا بحضور أربعة وتسعين عضوا، صوت ثلاثة وثمانون منهم لاعتماد حكومة أحمد امعيتيق، وذلك في ظروف استثنائية بالغة الحساسية نلخصها في ما يلي:

* عشرة أيام على بداية عملية الكرامة بقيادة اللواء خليفة حفتر وما يدور حولها من لغط.

* مبادرة الحكومة بتعليق أو تجميد عمل المؤتمر الوطني العام.

* الطعن المقدم من أعضاء المؤتمر بخصوص عدم دستورية وعدم صحة التصويت الذي تم في عملية انتخاب رئيس الحكومة المرتقب.

* تصريح الناطق باسم عملية الكرامة بأن المؤتمر مستهدف في حالة انعقاده.

* انعقاد مؤتمر القبائل والمدن الليبية في نفس اليوم بمنطقة العزيزية.

* البيان المشترك الأوروبي الأميركي الذي حث السلطات الليبية على المضي قدما نحو إجراء انتخابات برلمانية بأسرع ما يمكن.

* أبرز الظروف الاستثنائية وأهمها خروج عشرات الآلاف من المواطنين يوم الجمعة 23/ 5 / 2014 في جميع ساحات ومدن ليبيا خاصة ساحة الشهداء بطرابلس وميادين بنغازي مطالبة بإنهاء أعمال المؤتمر الوطني ووقف انعقاد جلساته وعدم شرعيته في إصدار أية قرارات أو قوانين.

أخذ المؤتمر قراره وضرب عرض الحائط بمطالب الجماهير ورغبة الأمة، أصدر قراره الصّادم للأمة، المخيب لآمال النخبة، المعيب قانونا، المشوه دستورا، غير المقبول عرفا، ويستحيل تنفيذه على أرض الواقع.

الجميع مذهول حائر، وعاجز عن فهم أسباب صدور مثل هذا القرار في هذا الوقت بالذات، خاصة أنه تمخّض عن اجتماع مشبوه، بشكل سري، وبدفع سخي، كما ذكر أعضاء من المؤتمر وعلى رأسهم النائب الأول.

أنا أعتبرها آخر صفقة بين المأجورين والحاكمين، خلاف إرادة الشعب، وبمباركة مفتي الديار ومن والاه من أنصار، للاستحواذ على الأموال وإنفاقها على الحرب المرتقبة التي وضعوا أساسها منذ عام ونيف.

لن يغادر ما تبقى من أعضاء للمؤتمر إلا بعد أن يؤكدوا ويعززوا بما لا يدع مجالا للشك اشتعال الحرب الأهلية في ليبيا، وما يؤكد ذلك رفضهم تسليم السلطة يوم 7/2/2014 واستمرارهم في تهميش الأمة رغم مطالبتها الدائمة والمستمرة بوقف أعماله وتجميد أفعاله وتعليق اجتماعاته، أصبح المؤتمر يصدر القرار تلو الآخر دون أن يوجه أدنى اهتمام لمطالب الشعب بنهاية ولايته.

وأخيرا أصدر قراره في اليوم الفاصل بتنصيب حكومة غريبة عجيبة لمدة شهر وبميزانية بلغت حوالي ستين مليار دينار.. يا للسخرية.

لقد شاهد الجميع ردة الفعل الشعبية من الشرق إلى الغرب إلى الجنوب ورفضهم لهذا القرار، وكذلك الرأي القانوني ببطلان إجراءات انعقاد الجلسة التي أصدرت القرار، ومخالفة القرار للإعلان الدستوري في مادته الثلاثين، بالإضافة إلى البيانات التي صدرت من عدة جهات بعدم اعتدادها بهذا القرار ورفضها تنفيذه.

عمّ يبحث هذا المؤتمر الوطني العام الذي كان من المفترض أنه يمثل الشعب ويعبر عن إرادته؟

ألا تتفق معي أخي القارئ أن ما يقوم به أعضاء المؤتمر الوطني يرتقي إلى مصاف الخيانة الوطنية، باعتبار أعمالهم وقراراتهم منذ تسلمهم السلطة تؤدي إلى طريق واحد سيصل بالأمة إلى الاقتتال، وبالمجتمع إلى التفكك، وباللحمة الوطنية إلى التمزق، وبالبلاد إلى التقسيم والانهيار.

ماذا فعل المؤتمر فيما أسند إليه من أعمال طبقا للإعلان الدستوري ولائحته الداخلية، وماذا قدم للشعب الليبي، وما هو دوره في بناء مؤسسات الدولة والمحافظة على سيادتها وهيبتها، أين هو المؤتمر مما سيرد ذكره:

1 – إقرار سيادة القانون وحماية حقوق المواطنين والأجانب في الحياة والأمن على الأراضي الليبية

2 – كبح جماح الميليشيات المسلحة التي تمارس الانتهاكات وتعمل خارج الحكومة وإنشاء جيش وطني نظامي ملتزم.

3 – إحراز تقدم في إصلاح القوانين القمعية التي تنتهك الحقوق وتعطل التحول الديمقراطي.

4 – إنهاء جرائم الاحتجاز الجماعي، والتهجير القسري.

5 – مراجعة حالات آلاف الأفراد المحتجزين في ليبيا دون اتهامات.

6 – تقديم المساعدة للنظام القضائي المتهالك، وإنشاء منظومة قضائية عادلة تعمل بشكل كامل.

7 – توفير أفراد مدربين وقوات شرطة خاضعة للمحاسبة وفرض سيادة القانون.

8 – إنهاء حالة الإفلات من العقاب التي تتمتع بها أطراف كثيرة.

9 – إخضاع جميع من ارتكبوا أخطر الجرائم لمحاكمات وعقوبات، على سبيل المثال جرائم التفجيرات، الاغتيالات، السبت الأسود، غرغور، محاصرة الوزارات، خطف رئيس الحكومة، خطف السفراء والدبلوماسيين، اغتيال السفير الأميركي، وغيرها من جرائم كبرى لا يمكن حصرها.

10 وقف الهجمات التي استهدفت مزارات دينية ومبان أثرية.

أخي القارئ؛ إذا رأيت أنهم، أي أعضاء المؤتمر الوطني العام، قد قاموا بأي عمل ناجح في النقاط العشر السابقة يمكن أن يغفر لهم أو يعطي مبررا للتغاضي عن محاسبتهم ومحاكمتهم عن جريمة الخيانة الوطنية فلك ذلك ولكن بيّن لنا ما هي أعمالهم التي ستجعلهم يفلتون من العقاب والحساب.

أما إذا أقررت معي بأنهم لم يقوموا بأي فعل صالح، وهو الواضح طيلة فترة عملهم منذ توليهم مقاليد الحكم يوم 8/8/ 2012، وحتى اليوم الفاصل الذي أطلقوا فيه القشة التي قصمت ظهر البعير باعتمادهم حكومة امعيتيق، فإن أبناءنا وأحفادنا والأجيال القادمة ستحاسبنا وتحملنا المسؤولية عما اقترفه هؤلاء الحمقى من جرائم وانتهاكات إذا لم نحاكمهم ونقتص منهم الآن بعد أن اتضحت معالم جريمتهم “الخيانة الوطنية".


قاض وناشط حقوقي ليبي

3