الخيبة مستمرة في تونس

الجمعة 2016/10/28

علامات الخيبة في تونس كثيرة وصادمة وقد لا تترك فرصة لأي نفس حالمة بأهداف الثورة بأن تستمر في إنعاش حلمها. من هذه العلامات استبسال النظام الحاكم في تونس منذ 14 يناير 2011 في الحفاظ على خيارات نظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي نفسها على كل المستويات، رغم أنها هي التي أسقطته وفجرت ثورة التونسيين.

تتلخص هذه الخيارات ببساطة في التعويل على الدوائر الأجنبية من دول وتكتّلات وبنوك وأحلاف عسكرية واقتصادية وإقليمية لرسم سياسات تونس، مقابل منحها ما يكفي من القروض لمصادرة قرارها وتوريطها في الاتفاقيات غير المتوازنة كاتفاقية الشريك المتميز مع الاتحاد الأوروبي واتفاقية الشريك غير العضو في الحلف الأطلسي، التي كانت أول مهمة في الخارج أنجزها الرئيس الباجي قائد السبسي مطلع العام 2015 إثر تولّيه الرئاسة.

طبعا كلّ الذين تداولوا على حكم تونس بعد الثورة يرفعون شعار السيادة وصيانة الاستقلال والمسؤولية الكاملة على أمن تونس والتونسيين، من دون أن يقبلوا بأي تقييم أو نقد لخياراتهم.

أما منهج الثورة فقد اجتهد جميع الحكام في تحييده وإبعاده من حساباتهم دون الغفلة عن إدانته سرّا والتشهير به في المجالس الخاصة وطمأنة الأحلاف في الخارج إلى أنّه لن يحيا ولن ينفّذ أبدا، رغم أنه هو من أعاد المنفيين وأخرج المساجين وعفا عن المحكومين وأعاد لهم كرامتهم ومنحهم السلطة.

نتائج هذه الخيارات واضحة ويمكن رصدها بسرعة. ففي المستوى السياسي تداولت على حكم تونس 9 حكومات في أقل من 6 سنوات منذ 14 يناير 2011 إلى اليوم. كل هذه الحكومات خرجت ساقطة بعد الفشل وانسداد الآفاق وأزمة سياسية خطيرة باستثناء حكومة السبسي التي سلمت الحكم لحكومة حمادي الجبالي بعد انتخابات 2011، وحكومة المهدي جمعة التي نقلت الحكم لحكومة الحبيب الصيد سنة 2014.

هذه السنوات التي تلت إسقاط نظام بن علي كان يجب أن تتولى فيها الحكم حكومة واحدة. وهي فترة لا تكفي لتنفيذ مخطط واحد يمكن أن يمتد على تسع أو عشر سنوات، ولكن ضبابية الرؤية والتلهف على الحكم دون شعور حقيقي بالمسؤولية لا سيما عند حركة النهضة التي استولت على المشهد من 2011 إلى موفى 2013، وانخرطت في أجندات مشبوهة معادية للمسار الثوري قادت تونس إلى هذا الواقع المأساوي من تداول الحكومات وسقوطها السريع، مقابل تدحرج الائتمان السيادي لتونس وتهاوي الدينار التونسي وتجرّؤ الإرهابيين والمهربين والمتهربين والفاسدين على الدولة والمجتمع.

وفي مستوى المالية العمومية وصلت نسبة التداين إلى مستويات قياسية بلغت نسبة 67 بالمئة.

والغريب أن ضعف ميزانية الدولة المقدرة تقريبا بـ15 مليار دولار موجود فعلا في المجالس الجهوية في المحافظات كاعتمادات تنموية معطلة لم يتم صرفها منذ سنوات. ومع ذلك تجمدها الدولة ولا تعيد إدارتها في الاقتصاد وتركض للحلول السهلة المتمثلة في الاقتراض.

في المستوى الاجتماعي بلغت نسبة الفقر 25 بالمئة أي أنّ أكثر من 2.5 مليون تونسي هم من الفقراء، منهم مليون تحت خط الفقر بأقل من دولار من الدخل، في الوقت الذي تضاعف فيه عدد المليارديرات والمليونيرات في تونس بسبب الفساد والتهرّب الجبائي والتهريب الذي يلتهم أكثر من 3 بالمئة من الناتج المحلي الخام.

كما بلغت نسبة البطالة 18 بالمئة، حيث أكد المعهد التونسي للإحصاء وجود 630 ألف عاطل عن العمل من بين حوالي 4 ملايين من السكان النشطين.

واستمرار نسبة البطالة في ارتفاع مستمر يخلق أزمتين خطيرتين. تتمثل الأولى في تدحرج قيمة الشهائد العلمية التونسية من ناحية، وفي شلّ جهود المجموعة الوطنية والدولة في تطوير المنظومة التربوية وفي ترسيخ الإيمان بقيم التربية والتعليم نهجا للرقي الاجتماعي، ولتحسين مستوى العيش وللأمل في مستقبل أفضل من ناحية ثانية.

الأزمة الثانية تتمثل في ارتفاع معدل الشعور باليأس عند الشباب التونسي. وهو ما يقود إلى السقوط في مخاطر المخدرات والتجنيد الإرهابي والجريمة. ونتيجة هذا إهدار القوى الشبابية المؤهلة والحية والفاعلة وإضاعتها وتحويلها من قوى فعل وإنتاج إلى قوى إهدار وتهديد.

كما يشهد المجتمع التونسي انحدارا خطيرا نحو الجريمة، بما يثبت فشل مخططات حركة النهضة التي انزرعت في الأحياء والحارات الشعبية والقرى والأرياف مدعية مكارم الأخلاق والفضيلة، ولكنها كانت توظف انتشارها لغايات أخرى بينما أغرق المجتمع التونسي في الفوضى وانعدام الأمن.

وتقول الإحصائيات إن أكثر من 300 جريمة قتل تقع في تونس و51 ألف جريمة سرقة و40 ألف جريمة اعتداء بالعنف وحوالي 20 ألف جريمة اعتداء على الطفولة والأسرة، هذا إضافة إلى الجرائم المتعلّقة بالصحة والاعتداء على الملك العمومي والاعتداء على الأخلاق وعلى الأمن العام وغيرها.

ولكن أمام هذا الواقع الصادم لم يغير النظام الحاكم في تونس من خياراته، بل إنه عمد إلى تغيير رئيس الحكومة الحبيب الصيد بيوسف الشاهد بحثا عن الكفاءة في تنفيذ الأجندات والخيارات القديمة، باعتبار أن الصيد كان يتردد أحيانا ويتريث أمام بعض الخيارات.

يستمر رهان النظام القائم الذي يقوده حزبا نداء تونس والنهضة على المنتسبين إلى نظام بن علي لتنفيذ الإملاءات بانضباط، حيث يلاحظ التونسيون باندهاش عودة أعوان حزب التجمع المنحل ونواب برلمان بن علي على رأس الإدارات والمؤسسات العمومية لا سيما في الجهات وفي مختلف القطاعات. وهي تعيينات وتسميات لا ترتكز على الكفاءة ولا على القدراة على الإدارة والتسيير، وإنما فقط على إظهار الولاء والاستعداد لتنفيذ التعليمات.

ويعول نظام النداء والنهضة على تأخير تركيز السلطة المحلية والجهوية المنتخبة، وهو الباب الثاني من أبواب السلطة الدستورية الذي لم يتمّ تنفيذه بعد تأجيل الانتخابات المحلية والجهوية إلى أجل غير مسمى، من أجل الإسراع في ابتلاع الإدارة والمؤسسات العمومية وإفراغها من طاقاتها الخلاقة في الفعل والإبداع والتسيير الجهوي المنفصل عن المركز.

إنّ استمرار نظام النداء والنهضة في ممارسة خيار المركزية وسحب كل إمكانيات التسيير من الجهات ليس إلا إمعانا في الثورة المضادة، إذ أن الجهات هي التي انطلقت منها شرارة الثورة وتقدمت حتى حررت المركز وأسقطت نظام بن علي في العاصمة في 14 يناير 2011.

فممارسة المركزية بهذا الشكل الأرعن هي دلالة على أن المركز هو الذي يملك سلطة الحقيقة والمعرفة والكفاءة، مع أن التعيينات المركزية تخضع لنفس أسلوب التعيينات الجهوية أي للاعتباطية وللولاءات والتنافس في تنفيذ التعليمات.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

8