الخير والشر والأخلاق

الخميس 2016/03/10

لا يولد الإنسان خيرا بل يغدو كذلك، ولا يولد شريرا أيضا بل يصبح كذلك، أي أن الخير والشرّ لدى الإنسان مكتسبان. ولكن إذا كان الإنسان يكتسب الخير عن طريق التربية، في البيت والمدرسة والمجتمع، فهل يكتسب الشر في تلك الحاضنات نفسها؟ بعبارة أخرى، هل يمكن أن يتعلّم الشر كما يتعلم الخير؟ وهل تكفي دروس الأخلاق في تكوين فرد يعرف ما له وما عليه، فينشأ محصنا لا ينساق إلى سبل الرذيلة والجريمة؟

أسئلة أثارها ملف بعنوان “الخير والشر، هل يتعلمان؟” أعدته مجلة “فلسفة” الفرنسية، بمساهمة ثلة من الفلاسفة وعلماء التربية، على خلفية الأحداث التي هزّت فرنسا العام الماضي، في محاولة لفهم الأسباب التي دفعت شبّانا وُلدوا وكبروا في مجتمعات مسالمة وديمقراطية إلى القتل الجماعي، وتلمس الخلل في تكوينهم، لأن انجذاب الآلاف منهم إلى أيديولوجيا جهادية دليل على عجز المؤسسات عن نقل القيم الأخلاقية الأساسية. فكيف يمكن النهوض بتربية أخلاقية في عالم تتنازعه تيارات فكرية وتوجهات دينية متباينة؟

وأيّا ما يكن المنهج المتوخى، فالأخلاق، كما يقول أندري كونت سبونفيل، ليست من مشمولات التعليم (الذي ينقل معارف) بل من مشمولات التربية (التي تنقل قيما). ولكن هذه التربية الأخلاقية في نظر ميشيل إيتشانينوف تطرح سلسلة من المشاكل، أولها تحديد ماهية الخير والشر. هل هما مبدآن متقابلان حسب الفهم المانوي، أم أن الشرّ ليس سوى إرباك لنظام الخير، وفوضى عارضة على رأي سان أوغستين؟ ألا يختلف فهمهما من عصر إلى عصر ومن فضاء إلى آخر؟ فإذا كان أفلاطون يعتقد أنه بالإمكان تحديد مفهوم الخير بعد تجربة عقلانية فردية، فإن باسكال يؤكد أن لكل مجموعة بشرية مبادئها الخاصة.

وفي رأي إيتشانينـوف أن التربية تمر عبر ثـلاث سبل أساسيـة هـي: التعليم النظـري، الانـخـراط فـي المجمـوعـة، الاستئناس بمثـل الإنسانية في الأساطير والسرديات الأدبية.

فأما الأولى، فيمكن أن ترسّخ أفكارا معينة عن الخير والشر قد تؤدي إلى الامتثالية، على غرار الألمـان الذين خضعوا لمنظومة متأثرة بالتعاليم المسيحية فـانخـرطوا صاغـرين فـي القـومية الاشتراكية. وأما الثانية التي تـدرب الفرد على تمثل فضائل المجموعة كالتواضع والصبر واحترام الغير، فقـد تفقـده حريته وتجعل سلوكه آليا. وأما الثالثة فهي تلقائية، بعيدة عن الإرغام، يكتشف مـن خلالها الفرد بنفسه تجارب إنسانية عميقة تعلي قيم الخير بشكل غير مباشر، فيمر الإنسان من الحرية الطبيعيـة إلى الحرية الأخلاقيـة، كمـا يقـول روسو، أي أن يمتلك الحرية التي تجعله فعلا سيّد نفسه.

كاتب من تونس مقيم بباريس

15