الخيمة ملجأ الذاكرة العربية مهددة بالاندثار

ليس ثمّة أفضل للتعبير عن متانة الروابط بين مشاعر الإنسان الوجدانيّة ونمط عيشه المادي في الحياة العربية القديمة، إلى درجة أنّه لا يمكن الفصل بينهما، من استعمال كلمة “بيت” للدلالة في ذات الوقت على الوحدة الشعريّة الدنيا التي يستودعها العربي مشاعره في كلمات موزونة ومقفّاة، وعلى الخيمة التي يصطحبها معه في حلّه وترحاله ويجعل منها سكنا يأوي إليه: الشعر هو خيمة العربي التي يستودعها مشاعره ومُثله وقيمه، والخيمة هي التي يرتاح ويشعر فيها بالطمأنينة والآمان لأنّها لا تقيّده في مكان بعينه.
الاثنين 2015/09/14
الخيمة ماتزال عند العرب رمزا للأصالة والاحتفالات

الخيمة كما يدلّ على ذلك اشتقاقها اللّغوي (خيّم بالمكان أقام بسكنه وأخام الخيمة بناها وتخيّم المكان أي ضرب خيمته فيه والجمع خيمات وخيام وخيم) تحيل على التنقّل والحركة في المكان، وإذا كانت المعاجم القديمة قد أشارت في تعريفها للخيمة أنّها بيت من بيوت الأعراب مستدير قد يُبنى من عيدان الشجر، تارة ثلاثة أعواد وطورا أربعة يُلقى عليها نبات الثمام ويُستظلّ بها من أشعّة الشمس وحرارتها. وهي لدى العربي بمثابة البيت والمنزل وسُمّيت خيمة لأنّ صاحبها يتّخذها كالمنزل الأصلي الذي يستظلّ به، فإنه قد شاع استعمال المصطلح للتدليل على الخيمة السوداء التي تمكّن ساكنها من قهر المكان والتغلّب عليه.

فإذا كان المنزل من الحجر يحيل على الاستقرار والحياة الحضريّة ورتابة المكان وثبوت الإنسان في رقعة واحدة من الأرض، فإنّ الخيمة على العكس من ذلك تنفلت من ربقة المكان وتطوي الجغرافيا طيّا ولا تعترف بالحدود بانفتاحها على أفق رحب. فيكفي لساكنها إذا ما سئم المكان وملّه ولم يعد يفي له بالضروري والحاجي بلغة ابن خلدون في وصفه لطبيعة العمران البدوي، أي يوفّر له قوته وما به يستطيع أن يضمن بقاءه ويحقّق له رغبته في العيش هنيئا، أو إذا ما أصبح مهدّدا بالمخاطر الطبيعيّة والبشريّة وهي كثيرة في مجتمعات تتميز بغزو القبائل والعشائر لبعضها البعض وصراعاتها التي لا تنتهي حول مصادر المياه وأراضي المرعى والانتجاع أن يطويها على عجل ويضعها فوق ظهر جمل يمكن أن يقطع به مسافة مئة كيلومتر دون توقّف قبل أن يرتاح ثمّ ينصرف في حال سبيله بحثا عن الماء والكلإ أو طلبا لدرء المخاطر.

الخيمة بسيطة بساطة البدو وتستمد مدلولها من ظروف حياتهم، تصنع من وبر الجمال وشعر الماعز وصوف الأغنام

والخيمة بسيطة بساطة حياة البدو وتستمدّ مدلولها وجماليتها من ظروف حياتهم تُصنع من وبر الجمال وشعر الماعز وصوف الأغنام وتسمى «الخيمة السوداء»، وهي مكونة من عدة أجزاء، وكل جزء يسمى «فليج»، وهو المكون الأساسي للخيمة، ويختلف طوله وعرضه حسب حجم الخيمة، فأطوله يصل إلى العشرين مترا وأصغره عشرة أمتار. وتنقسم الخيمة إلى جزءين: الأول عادة ما يكون مخصّصا للنساء والآخر خاصّا بالرجال وهو نفسه المخصّص للضيوف وتُعتبر الخيمة في المجتمعات البدويّة رمزا للكرم، فهي ترفع عاليا حتى يراها الضيف من بعيد، وتقوده إلى المكان الذي يجد فيه الطعام والمأوى والحماية، وتُشيّد على شكل مثلث لمقاومة الرياح ولمنع تسرب مياه الأمطار إليها تتوسّطها ركيزة أو مجموعة من الركائز حسب اتساع الخيمة وطولها.

أمّا أجمل الخيام وأبهاها يظلّ بيت الشعر الذي يُشيّد للعروسين حتّى يأويا إليه ليلة البناء في احتفال طٌقسي تتغنّى فيه النسوة بالخيمة وهنّ يقمنها على الأرض بقدر تغنيهنّ بجمال العروس وفروسيّة الرجل الذي تُزفّ إليه. النسوة يصاحبن الخيمة من بدايتها إلى نهايتها فنسجها هو حرفة خاصة بالنساء في المجتمع التقليدي يتعاونّ فيها قريبات وبنات العشيرة الواحدة معتمدات في ذلك على الجدّات والأمّهات اللاتي كسبن تجربة في ذلك، فإذا لم يكنّ غير مشاركات بالفعل في نسجها خاصة إذا ما بلغن من العمر عتيّا، فيحضرن بالتوجيه والإرشاد والتعليم.

الخيمة تتحرر من ربقة المكان لتوفر لساكنها الأمان أينما حل

الخيمة العربيّة بجمالها الخلّاب الذي يستمدّ سحره من بساطته قد فتن الرومانسيين والمستشرقين الأوروبيين، ولعلّ أهمّ عمل أكاديمي وعلمي حول “الخيمة” بصفة عامة والعربيّة على وجه الخصوص هو على حدّ علمي المؤلًّف الذي أنجزه المستشرق الدنماركي فايلبارغ وصدر بعنوان “الخيمة السوداء” ونُشر في كوبننهاغ عن دار كوميسون هاوس عام 1944 لم يترك فيه لا شاردة ولا واردة تتعلّق بالخيمة إلّا وفصّل فيها القول: تاريخها، مكوّناتها، طريقة صنعها ومقارنتها بالخيام أو ما شابهها عند أقوام آخرين في شمال أفريقيا لدى البربر والتوارق وفي جنوبها وفي آسيا لدى التتار والمغول والترك ولدى أمم أخرى، ما يجعل من مؤلّفه أثرا نادرا لا غنى عنه في تتبّع آثار الخيمة العربيّة وما يجمعها وما يفرّقها عن الخيام في حضارات وثقافات أخرى من خلال المصادر العربيّة القديمة، لا سيما المصادر التاريخية والجغرافيّة وأدب الرحلات.

وحسب فايلبارغ لا نعثر على الخيمة السوداء التي تُصنع من شعر الماعز إلّا لدى الشعوب التي تعيش في المناطق الباردة -بما في ذلك شمال أفريقيا- والخصبة التي يتمتّع فيها الماعز بشعر غزير وكثيف في حين أنّ شعر الماعز الذي يعيش في الجزيرة العربية هو من القصر الشديد، ما لا يسمح بنسجه وتبعا لذلك يلتجئ عرب الجزيرة في الغالب إلى نسج خيامهم من وبر الإبل، بما في ذلك طبعا وبر الإبل الأسود أو الذي يميل إلى الحمرة وقد يخلطونه بما قلّ من شعر الماعز.

ويذكر المستشرق الدنماركي أنّ العرب كانوا يفرقون في الخيام بين المظلّة التي تصنع من جلد الإبل في شكل قبّة والخباء التي تُصنع من صوف الأغنام وتتوسّطها ركيزة أو ركيزتان وهي أصغر من الخيمة السوداء التي تصل ركائزها إلى الستّ كما يطلقون خيمة على المأوى الذي يُصنع من عيدان الشجر والنخل -من أغصان الزيتون اليابسة في المغرب العربي إضافة إلى جريد النخل ويسمّى الخصّ في الجنوب التونسي- ورغم أنّ الخيمة السوداء مهدّدة اليوم بالاندثار، فإنّها تظلّ رمزيّا ملجأ يحتضن الذاكرة العربيّة ويحميها من النسيان.

12