الدائرة المقربة والطموح الزائد يقفان وراء حسابات أردوغان الخاطئة

السبت 2015/06/20
تزايد النغمة الدينية في كلام أردوغان يرفع من درجة مخاوف ناخبيه

حين كان يحلق بطائرته الهليكوبتر فوق ساحة مزدحمة أزيح عنها السياج لتمكين آلاف من مؤيديه من الدخول، بدا رجب طيب أردوغان في قمة نفوذه قبل انتخابه رئيسا لتركيا في أغسطس الماضي.

واقتنص أردوغان 52 في المئة من الأصوات ليصبح أول رئيس دولة منتخب انتخابا شعبيا مباشرا في تركيا، بعد أن شغل رئاسة الوزراء لما يقرب من 12 عاما وليضطلع بدور شرفي إلى حد كبير كان يعتزم تحويله إلى منصب تنفيذي قوي.

لكن بعد مرور عشرة أشهر فقط، يقف حزب العدالة والتنمية الذي كان يأمل أن يصدق على تلك الخطة عاجزا عن تشكيل حكومة بمفرده، بعد أن خسر أغلبيته البرلمانية لأسباب يرجعها البعض إلى طموح أردوغان الزائد.

ويبدو أن تعجل أردوغان في محاولة إقامة نظام رئاسي والاستحواذ على سلطات أوسع، إضافة إلى تعويله على دائرة مستشارين أضيق كان من الحسابات الخاطئة التي ألحقت ضررا بشخصية سياسية متألقة.

ويقول منتقدوه إنه أخل بالتزامه بأن يسمو فوق السياسة الحزبية عندما قاد حملة صريحة لدعم حزب العدالة والتنمية. ومع هيمنته الطاغية على القنوات والإذاعات قبل التصويت والتي زادت خلال إحدى المراحل عن 44 ساعة من البث التلفزيوني المباشر في أسبوع واحد، تحول الأمر إلى استفتاء على شخصه ورؤيته لرئاسة نافذة. وتحدث كثيرون عن عدم تريثه. ومع كل هذا الجهد لم ينل حزب العدالة والتنمية سوى 40.9 في المئة.

وقال مسؤول كبير عمل مع أردوغان لأكثر من عشر سنوات ولا يزال قريبا من الحزب إنه “تعجل جدا”.

وأضاف المسؤول الذي طلب عدم نشر اسمه “نعم.. أصبح رئيسا بعد حصوله على 52 في المئة من الأصوات، لكن من الواضح الآن أنه اتخذ هذا القرار قبل الأوان … تعجل في ترك منصب رئيس الوزراء”. فخلال أول فترتين من عمله رئيسا للوزراء نال أردوغان إشادة من الداخل والخارج لإصلاحاته السياسية والاقتصادية، لكنه مني بسلسلة انتكاسات في السنوات الأخيرة منها احتجاجات مناهضة للحكومة في صيف 2013، وفضيحة فساد تكشفت بعد ذلك بستة أشهر مما أذكى لديه شعورا مرضيا بالاضطهاد. ويلمس البعض أيضا غطرسة في ملاحقته المنتقدين بتهمة “إهانة الرئيس” في التغريدات أو المقالات أو الاحتجاجات.

أما أردوغان فيرى أنه يبني تركيا جديدة ويدافع عنها أمام نخبة علمانية متشددة قديمة، يقول إنها عاملت المتدينين المحافظين لعقود على أنهم رعايا من الدرجة الثانية وسجنته لفترة قصيرة عام 1999. أما بطله السياسي فهو رئيس الوزراء السابق عدنان مندريس وهو إصلاحي لم يكن يقبل المعارضة وأطيح به في انقلاب عام 1960 وأعدم شنقا.

ومع اختلافه مع الغرب على قضايا تبدأ من سوريا وتنتهي بما إن كان قتل القوات العثمانية للأرمن قبل قرن من الزمان “إبادة جماعية”، بدا أردوغان معزولا على الساحة العالمية. وفي الوقت نفسه ضعفت الليرة وخسرت إسطنبول محاولة استضافة دورة الألعاب الأولمبية عام 2020، وعزا أردوغان ما واجهه من أحداث سلبية لمؤامرة مدعومة من الخارج وألقى -حسبما يقول مسؤولون في أنقرة- بثقته في دائرة ضيقة من المساعدين.

وقال مسؤول كبير ثان “من الواضح أن المشكلة الأساسية هنا هي دائرة المستشارين المقربة”. وأضاف “أردوغان بات وحيدا". وكان الرئيس السابق عبدالله غول ونائب رئيس الوزراء بولنت أرينتش اللذان شاركاه تأسيس حزب العدالة والتنمية من أذرعه اليمنى حتى وقت قريب. وكان كلاهما يعتبران الأكثر ميلا للمصالحة وكانا بمثابة قوة توازن تحد من نزعاته الصدامية. لكن خبا نفوذهما مع بروز دائرة أصغر من المستشارين الجدد، منهم يجيت بولوت المعلق التلفزيوني السابق الذي اتهم يوما معارضي أردوغان بالسعي لقتله من خلال التأثير الذهني عن بعد والذي عينه العام الماضي رئيسا لفريقه الاقتصادي.

وقال مصدر كبير في العدالة والتنمية “أعتقد أنه لو كان فريق مستشاريه أفضل لعرض أردوغان نفسه بشكل أفضل أمام تركيا والعالم ولواصل طريقه كزعيم أقوى كثيرا”.

وفي انتقاد ضمني لأردوغان قال أرينتش إن زيادة الاستقطاب ستثير “مناخ كراهية” بين الخمسين في المئة الذين لا يؤيدون العدالة والتنمية وستقوض حكم البلاد. ;حتى لغة أردوغان التي كانت يوما أحد أسلحته القوية باتت تساعد في ذلك الانقسام، وبات معارضوه يوصفون بأنهم “إرهابيون” أو “خونة” أو “حثالة”. ومع تزايد النغمة الدينية في كلامه تزداد مخاوف ناخبيه الذين وثقوا بكلمته بأنه لن يسعى إلى تقويض النظام العلماني.

6