الدار البيضاء والبحر توأمان صيفا وصديقان شتاء

يواجه البيضاويون وزوار المدينة الاقتصادية في المغرب موجة الحر الشديدة بقضاء يومهم في البحر، هناك يسبحون ويأكلون ويمرحون، فالأطفال يلعبون بالرمال، يشكلونه قصورا وتماثيل كلما تعبوا من السباحة، والشباب يمارسون الرياضة، فمنهم من يلعب الكرة الطائرة وآخرون يلعبون التنس وكرة القدم، هكذا يقضون يومهم إلى المساء ليتحولوا بعدها إلى الحدائق والمقاهي والمطاعم يتسامرون إلى وقت متأخر إلى أن يشرف الصيف على الانقضاء ليعودوا إلى عملهم ومدارسهم.
السبت 2016/08/27
الشباب ومغامرات الغطس

الدار البيضاء - أضحت شواطئ عين دياب وسيدي رحال وتاماريس، خلال هذه الأيام الصيفية الملاذ المفضل لسكان العاصمة الاقتصادية الدار البيضاء وسياحها، الباحثين عن الطراوة والانتعاش لمواجهة درجات الحرارة المرتفعة.

فخلال هذه الفترة الصيفية، يفضل أغلب البيضاويين التوجه إلى الشواطئ، التي عادة ما تستقبل يوميا الآلاف من الأشخاص من مختلف الأعمار، وذلك من أجل الانتعاش والاسترخاء والسباحة وأخذ حمامات الشمس وممارسة الرياضة والألعاب.

وحسب أحمد بشري، متقاعد من المكتب الشريف للفسفاط، فإن العديد من العائلات تختار الوجهات البحرية التي توفر لأبنائها فرصة للاستمتاع بالسباحة.

ويستطرد قائلا “في واقع الأمر، الشاطئ هو الوجهة المنطقية للإفلات والانعتاق من الحرارة الشديدة التي تخيم على الأجواء خلال الأيام الأخيرة، إذ بلغت معدلات مرتفعة”.

وأشار إلى أن الشواطئ تعد أيضا الوجهة المفضلة للكثير من العائلات التي تزور في هذه الفترة مدينة الدار البيضاء قادمة من مختلف مناطق المملكة، مضيفا أن الأمر نفسه ينطبق على المغاربة المقيمين في الخارج عند عودتهم إلى أرض الوطن لقضاء عطلتهم الصيفية.

والملاحظ، أن الشواطئ أضحت أيضا المكان المفضل لكل محبي الرياضات المائية المختلفة والركض والمشي وممارسة كرة القدم، دون نسيان عشاق السباحة، علاوة على المتيمين بحب الطبيعة، الذين تجلبهم جمالية المشاهد والبانورما المذهلة التي يوفرها المحيط الأطلسي.

وبالإضافة إلى أن الشواطئ مكان للاستجمام وملاذ من حر الصيف فإنها مصدر رزق موسمي أيضا للشباب العاطلين عن العمل أو الطلبة الذين يريدون أن يؤمنوا بعضا من تكاليف الدراسة.

البحر ينسي المتاعب

مهن شاطئية

تنتعش بشواطئ الدار البيضاء في فصل الصيف، حرف ومهن موسمية، يرى فيها ممارسوها من الفقراء والعاطلين عن العمل من الشباب والطلبة مصدر رزق ينتهي بانتهاء موسم الاصطياف.

ومن أبرز المهن التي تنتشر في شواطئ الدار البيضاء حراس السيارات على غرار ما يفعل الشاب العشريني ماجد الذي يعترض القادمين بسياراتهم ليدلهم على مكان يركنون فيه عرباتهم حيث يعدهم بحراستها إلى أن يعودوا، ولا يحدد ماجد سعرا لذلك بل يرضى بما يسلمه له المصطافون الذين يكونون كرماء معه في أغلب الحالات كما يقول.

ويقول ماجد إنه أجبر على ترك مقاعد الدراسة لأن والده مريض وأمه غير قادرة على إعالتهم، لذلك يشتغل في الصيف في البحر ليوفر مصاربف الدراسة لأخويه، إضافة إلى مصاريف العائلة المتكونة من خمسة أفراد.

ويرفض ماجد أن يشاركه أخواه، البالغان من العمر 13 و15 سنة، العمل في الشاطئ، فهو يرى أنهما لا بد أن يرتاحا في الصيف ليعودا ناشطين إلى فصول الدراسة، كما أنه يصر على أن ينجحا كي ينأيا عن حياة الفقر والحرمان.

ماهر يبدأ صباحه على الشاطئ بمشية متأنية حاملا إبريق القهوة متنقلا بين المظلات التي يتمدد تحتها محبو البحر في الفترة الصباحية عارضا عليهم فنجان قهوة ينشطهم، وبعد ذلك، أي مع حوالي منتصف النهار، يعود بإبريق الشاي على ظهره وسلة الفول السوداني.

يقول ماهر، البالغ من العمر 21 سنة، “أنا طالب جامعي في الشتاء وبائع قهوة وشاي في الصيف، لا تهمني نظرة الناس إلي، بل ما يهمني أن أجمع بعض المال لتأمين مصاريفي خلال السنة الدراسية، فرواد البحر يحبون الشاي بالنعناع أو الفول السوداني وخاصة بعد الغداء، ثم إن العمل على شاطئ البحر ممتع، كما أنني لا أحرم نفسي من السباحة الصباحية، فكل يوم أسبح مرتين؛ واحدة في الصباح وواحدة في المساء، وفي الليل أجلس مع أصدقائي في المقهى على الكورنيش، هكذا اقضي عطلة الصيف”.

وعلى الرمال الساخنة يمشي توفيق حاملا بيده صفيحة خشبية مناديا “حلويات طرية”، ويبيع توفيق حلوى “البنين”، وهي حلوى مغربية يتم تحضيرها خلال الأعياد، تغلف بالسكر، تعدها أمه في المنزل ويعرضها للبيع مقابل ما يعادل ربع دولار، وتلقى إقبالا كبيرا لدى المصطافين لمذاقها اللذيذ.

الماء يطفئ لظى الحر

توفيق يجد في هذه المهنة الصيفية مصدر رزق لمساعدة عائلته ذات الدخل الضعيف، فوالدته فطيمة تعد له هذه الحلويات ليبيعها طيلة فترة الصيف، ليبحث في الشتاء عن مهنة أخرى، وعادة ما تكون نادلا في مقهى أو مطعم، هكذا أجبرته الظروف بعد أن ترك مقاعد الدراسة منذ سنوات.

رفيق يستغل الحرارة المفرطة ليحمل ثلاجته الزرقاء الصغيرة متنقلا بين المصطافين عارضا لائحة منتوجاته، فيقبل عليه المصطافون وخاصة من الأطفال الذين لم يرو الماء ضمأهم ولا الغطس في مياه البحر أطفا حرارة أجسامهم، ليجدوا الملاذ في “الآيس كريم” بمختلف نكهاته.

المارون على الشاطئ حاملين ما خف من السلع كثيرون، فتجد بائع الألعاب البلاستيكية التي تساعد الأطفال في تشكيل مجسمات من الرمال كما تجد أطواق السباحة التي تحمي من الغرق. ومن أكثر السلع مبيعا على الشاطئ نجد الفواكه الجافة والغلال، إذ أن المصطافين يجدون فيها لذة عند الاستمتاع بشمس الصيف، فمذاقها المتنوع وبرودتها، يمنحان الجسم طاقة تمكنه من البقاء مدة أطول في الشاطئ.

وعكس الشباب الذين يهربون من البطالة في فصل الصيف، فإن فطين الذي يبيع أنواعا مختلفة من الكريمات المضادة لأشعة الشمس يملك محلا وسط المدينة، لكنه يجد في فصل الصيف فرصة لزيادة أرباحه إذ يقول “أبيع كريمة ‘البرونزاج’ على الشاطئ بأسعار مرتفعة عن التي أبيع بها في المحل، فالنساء والرجال أيضا يقبلون على كريمات الوجه خوفا من الحروق والأضرار التي يسببها التعرض لأشعة الشمس مباشرة”، مضيفا “أنا لا أفوت فرصة الصيف والبحر ولا أفارق الشاطئ يوما، لأنني استرزق منه الكثير. الشيء الذي يتطلب مني شراء سلعة أخرى بعد أن أبيع المتواجدة عندي بالمحل”.

الغابات والحدائق

لمواجهة الإقبال الكبير الذي تعرفه شواطئ الحاضرة الاقتصادية للمملكة، عبأت السلطات المحلية موارد بشرية مهمة لضمان الراحة والأمان للزوار، حيث تنتشر مختلف الأجهزة الأمنية وعناصر الوقاية المدنية على طول الشواطئ حرصا على سلامة المواطنين.

وتحت عنوان “شواطئ نظيفة للجميع” نظمت جمعيات حملة لتنظيف شواطئ الدار البيضاء قبل انطلاق موسم الاصطياف، وزعت خلالها أكياسا ومطويات وشعارات تحسيسية، وساهم في هذه التظاهرة أزيد من 100 متطوع ومتطوعة.

الشاطئ هو الوجهة المنطقية للإفلات من الحرارة

ويفضل أشخاص آخرون الهدوء والسكينة التي توفرهما غابة بوسكورة، للاستمتاع بالمساحات الخضراء وبالمناخ المعتدل، وهو الأمر الذي ينطبق على منى ميسور، المحبة والشغوفة بالفضاءات الغابية.

تقول السيدة ميسور في تصريح استقته وكالة المغرب العربي للأنباء “منذ مدة تزيد عن 5 سنوات، وأنا أرافق أبنائي وزوجي إلى هذه الغابة ونقضي يومنا نمارس ألعاب الطاولة، دون أن نحس بمرور الوقت”.

وأضافت “في مدينة مثل الدار البيضاء، لا شيء أفضل من أخد نفس عميق من الأوكسجين في بوسكورة لإزالة الضغوط المختلفة وتجديد الطاقة”.

وعند المساء، تنتعش الحركة الاقتصادية في المقاهي والمطاعم المحاذية للشريط الساحلي، حيث تشهد تدفقا غير مسبوق للمواطنين مما يخلق تنافسا بين أرباب هذه المحلات لاستقطاب أكبر عدد من الزبائن.

وفي هذا السياق، أكد علي محجوب، صاحب مطعم في عين دياب “أن عائداتنا خلال الصيف ترتفع بنسبة 50 في المئة، وفي المساء غالبا ما تكون جميع الأماكن محجوزة”. وأوضح أنه خلال فصل الصيف، “غالبا ما ننظم أمسيات وسهرات موسيقية يحيها نجوم الغناء المعروفون على الصعيد المحلي والوطني، علاوة على ذلك نقدم وجبات غذائية للزبائن تتناسب مع أجواء الحر”.

ويعتبر شارع الكورنيش من الوجهات المفضلة لسكان الدار البيضاء وزوارها، فمع غروب الشمس لا تكاد تنقطع الحركة على أرصفته المزدحمة وشرفات مقاهيه المطلة على البحر، وشواطئه الرملية الجميلة المنغرسة بين الصخور، ومسابحه الخاصة المجهزة بمختلف الوسائل الترفيهية والملاهي المتنوعة للصغار والكبار والملاعب الرياضية.

وإذا كان الكورنيش يتميز بقربه الكبير من وسط المدينة، فعلى بعد كيلومترات منه باتجاه الجنوب يوجد حي سياحي جديد على شاطئ داربوعزة، بتجهيزات راقية موجهة للشريحة الميسورة من الزبائن. كما توفر مدن المحمدية وبوزنيقة شمال الدار البيضاء، ومدن آزمور والجديدة، سلسلة من الشواطئ والمنشآت الاصطيافية البديلة عن كورنيش الدار البيضاء.

ولكسر رتابة الصيف يتجه البيضاويون نحو الشرق للاستمتاع بالنزهة في أرياف بن سليمان أو بجولة قنص في غابة بلوط الفلين الرائعة بمنطقة الزايدية، أو برحلة إلى الجنوب عبر مزارع الكروم باتجاه قصبة بولعوان التاريخية المحصنة المشهورة بممارسة الصيد بالصقور.

وفي انتظار نهاية العطلة الصيفية والعودة إلى العمل ومقاعد الدراسة، يبدو أنه مع استمرار موجة الحر في المغرب، من المرجح أن تتواصل الفترة الصيفية أكثر من المعتاد.

20