الداعية والسقوط العظيم

الاثنين 2014/05/26

ما كنت أحبّ أن تكون نهاية القرضاوي بهذا الشكل، فالرجل الذي بلغ من السنّ عتيا، وكان يقال عنه إنه عالم جليل، وداعية إسلامي، ومحيط بشؤون الدين والدنيا، ونال الجوائز، وحظي بتكريم الشيوخ والأمراء والحكّام، تحوّل إلى “شخشيخة” في أيادي أصحاب الأجندات السياسية، يقولون له تكلم فيتكلم، ويأمرونه بالصمت فيصمت، ويدعونه إلى الإفتاء بما يشاؤون فيفتي، ويطلبون منه تبرير الجريمة فيبرّر، والدعوة إلى التمرّد فيدعو، والتحريض على الإرهاب فيحرّض، والتلاعب بمشاعر البسطاء والسذّج فيتلاعب.

ومن آخر طلعاته أن حرّم الانضمام إلى الجيش الليبي في محاربة التكفيريين والخارجين عن القانون والمشاركة في الانتخابات الرئاسية المصرية، فقط لأن مصلحة قطر تتناقض مع انتصار حفتر وانتخاب السيسي.

وطبعا لم يصدّق الليبيون ولا المصريون أن القرضاوي يصعد كل صباح إلى سدرة المنتهى على براقه القطري ليأتي إلينا بإشارات الإرادة الإلهية في كل ما يخصّ حياتهم اليومية، ولن يقتنعوا بأن الله قرّر أن يفتح خطا مباشرا بينه وبين الدوحة لينزل على القرضاوي بقية باقية من وحي لم ينزل على خاتم المرسلين، ولم يجدوا في القرآن والسنّة ما يشير إلى أن الإسم الحقيقي للمهدي المنتظر هو يوسف القرضاوي، ولا ما يقول إنه ستبدو عليه الكرامات الإلهية والمعجزات الاستثنائية في زمن خليفة المسلمين حمد وابنه تميم.

لذلك قرّر الليبيون الانحياز إلى جيشهم وتحدي الإخوان ورفض التدخل القطري المفضوح، وسخروا من الفتاوى القرضاوية، واعتبروها نكتة ظريفة لتخفيف شعورهم بالأزمة، وهتفوا في مظاهراتهم “هذا عار، هذا عار، يوسف يفتي بالدولار” و”الشرقاوي والغرباوي أكبر من فتوى القرضاوي” و “لا قرضاوي لا غرياني، راح زمانك يا إخواني”.

أما المصريون، فيكفي أن من كانوا يصلّون خلف القرضاوي في مساجد الدوحة، تحدّوا وصاياه، وكذّبوا فتواه، وذهبوا إلى صناديق الاقتراع، وانتخبوا السيسي، وبات من الطبيعي أن تسخر فلّاحات الصعيد والدلتا من تشنّجات الداعية الإخواني، ومن مواقفه التي تنزع عنه جلباب التقوى وخوف الله، وتلبسه ثوب حب الدنيا وطاعة الأمير القطري.

ولكن، ماذا عن علماء الدين الحقيقيين؟ ومتى سيدركون أن خطرا حقيقيا يحدق بالإسلام والمسلمين، إسمه يوسف القرضاوي وفتاوى القرضاوي، ومواقف القرضاوي، فما نراه اليوم من استغلال القرآن والسنّة لغايات سياسية، وبشكل فاحش، أنزل الدين من سموّه ورفعته إلى اللعب تحت طاولة المصالح والحسابات الدولية، وأطاح به من المطلق إلى النسبي، ومن الكمال إلى الابتذال، وبات داعية مثل القرضاوي قادرا على جرّ الشباب إلى الإلحاد بما لم يفلح فيه أعداء الدين، يكفي أنه أقنع بعض المسلمين بأن الله مع الإخوان وقطر فانهزم الإخوان وانكسرت قطر، وأقنع بعضهم بأنه الوصيّ على الفتوى فانهار صرحه وانهارت الفتوى.

وإذا كان الدين هو هذا الذي يستغله القرضاوي بهذا الشكل فوا أسفاه على الإسلام، أما إذا كان الدين ما فهمه الساخرون من القرضاوي ومن وضعوا فتاواه تحت أقدامهم، فلا خوف عليهم، رغم بعض الخسارات طبعا.

24