الدبلوماسية الاقتصادية القوة الصامتة لتونس

تونس فهمت متأخرا أن تنويع الشركاء الاقتصاديين أمر لا مفر منه لتفادي الخضوع للابتزاز الأوروبي والتركي.
الجمعة 2018/07/27
مسار الدبلوماسية الاقتصادية يعوض الاخفاقات السياسية

في ظل “الحرب الباردة” القائمة منذ أسابيع بين قصر قرطاج ورئاسة الحكومة التونسية بشأن عدة ملفات مفصلية شائكة، في خضم الاستعدادات للانتخابات الرئاسية والتشريعية المقررة في 2019، يبدو واضحا أن الدبلوماسية الاقتصادية هي القوة الصامتة الوحيدة، التي خرجت فائزة في ذلك الصراع السياسي.

هناك اليوم بوادر انفراج للأزمات الاقتصادية ناتجة عن تفعيل الدبلوماسية الاقتصادية باعتبارها وجه العملة الثاني للدبلوماسية التقليدية عبر توظيف كل الأسلحة المتاحة والاستفادة من العلاقات الدولية بهدف إنقاذ الاقتصاد المنهك. والمثير للانتباه أن ذلك حدث رغم الحسابات الضيقة للأطراف السياسية، التي أخرت تنفيذ البرامج الاقتصادية الاستراتيجية وفاقمت حالة التذمر بين التونسيين.

تركيز الدبلوماسيين في تونس كان في الفترة الأخيرة منصب بشكل كبير على البحث عن أسواق جديدة لتسويق المنتجات المحلية وجذب رجال الأعمال والشركات الأجنبية للاستثمار في الدولة، فضلا عن الترويج للمقصد السياحي التونسي، كونه إحدى أفضل الوجهات في حوض المتوسط، رغم وجود ملفات أمنية ودبلوماسية حساسة ذات أولوية، وفي مقدمتها كيفية حل الأزمة في ليبيا، والتي ستكون بوابة أخرى لانتعاش الاقتصاد.

هذه الفورة التي تم تحريكها فعليا منذ تولي يوسف الشاهد قيادة دفة الحكومة، نجحت في انتزاع شراكات استراتيجية يراهن عليها المسؤولون وخبراء الاقتصاد كثيرا لإنقاذ الوضع إذا تم توظيفها بالشكل الأمثل. وهذا الأمر يحسب لاستقرار نشاط وزارة الخارجية بقيادة خميس الجهيناوي منذ توليه منصبه في أواخر أغسطس 2016.

أثمرت الدبلوماسية الاقتصادية، التي تشكلت بجهود 14 وزارة بقيادة وزارة الخارجية وهياكل حكومية أخرى مثل وكالة النهوض بالصادرات ووكالة النهوض بالصناعة والتجديد، وبالتعاون مع غرف التجارة والصناعة، إبرام شراكتين استراتيجيتين يُنظر إليهما على أنهما محور انقلاب اقتصادي وشيك، بعيدا عن الشركاء التقليديين، وتم في إطارهما إبرام العديد من الصفقات التجارية والاستثمارات الواعدة.

تونس توجت عامين ونصف العام من المفاوضات مع الصين بإبرام شراكة في إطار مبادرة “الحزام والطريق”، والتي تعد من أهم الاتفاقيات الاستراتيجية التي تعقدها على الإطلاق. ومن المتوقع أن تجلب استثمارات ضخمة للبلاد تتركز بالأساس في تطوير البنية التحتية مثل بناء موانئ وطرقات ومناطق تجارية حرة، مع تعزيز المبادلات التجارية وتطوير القطاع السياحي.

البلدان وفرا الأرضية الملائمة لهذا التقارب، ولعل اتفاق البنكين المركزيين التونسي والصيني في ديسمبر الماضي باعتماد عملة اليوان في التعاملات التجارية والمصرفية والسياحية نقطة انطلاق لدخول العلاقات الثنائية بين البلدين عهدا جديدا، خاصة مع الانحدار المتسارع لقيمة الدينار أمام اليورو والدولار.

ما يحسب للعملاق الصيني هو عدم تعامله مع تونس على أنها قزم اقتصادي يجب استغلاله في اتجاه واحد. كما تفعل تركيا من خلال اتفاق الشراكة والتبادل الحر المبرم منذ 2004 أو الاتحاد الأوروبي الذي يمارس ضغوطا منذ فترة على السلطات التونسية حتى تبدي مرونة أكبر في مفاوضاتها معه والمتعلقة باتفاق التبادل الحر الشامل والمعمق (أليكا) المثير للجدل، بل اعتبرها إحدى الحلقات في سلسلة طويلة لتحقيق طموحاته المتمثلة في ربط أكثر من 65 بلدا، تجاريا.

Thumbnail

تونس فهمت متأخرا أن تنويع الشركاء الاقتصاديين والدخول في تحالفات استراتيجية واسعة بات أمرا لا مفر منه لتفادي الخضوع للابتزاز الأوروبي والتركي، فاتجهت للقارة الأفريقية للاستفادة من الإمكانات الواعدة التي تزخر بها. وبعد مفاوضات شاقة دامت أكثر من عامين وافقت مجموعة السوق المشتركة لشرق وجنوب أفريقيا (كوميسا) على انضمام تونس إليها اعتبارا من مطلع العام المقبل.

كوميسا، التي تضم نصف مليار مستهلك ومجموع الناتج المحلي الإجمالي للدول الأعضاء البالغ عددها 19 دولة قبل انضمام تونس يقدر بنحو 800 مليار دولار ويصل حجم المبادلات التجارية بينها إلى 250 مليار دولار سنويا، هي ميدان واسع يمكن أن يقدم حوافز كبيرة للصادرات التونسية وجذب المستثمرين الأفارقة، وبالتالي توفير فرص عمل جديدة في سوق متعطشة إلى النمو.

الحكومة التونسية مقتنعة بأن التصدير يعتبر مسألة وجودية بالنسبة للاقتصاد، وبالتالي لا بد من الإسراع في تطويره مهما كلفها الثمن بهدف تعزيز احتياطات البنك المركزي من العملة الصعبة، التي تراجعت بشكل مقلق منذ بداية الأزمة في منتصف يناير 2011، لتصل حاليا، وفق أحدث البيانات الرسمية، إلى أقل من 4.4 مليار دولار.

هناك إجماع داخل الأوساط الاقتصادية وحتى معارضي سياسة الحكومة على أن اتفاقية الشراكة التي وقعتها تونس مع الاتحاد الأوروبي في 1995 دمرت القطاع الصناعي على وجه التحديد، وأن مشروع أليكا الذي يجري التفاوض بشأنه حاليا سيقوض بقية القطاعات الحيوية للبلاد وخاصة القطاع الزراعي، في ظل عدم قدرة المنتجات التونسية على منافسة نظيراتها الأوروبية.

كما أن الاتفاقية مع تركيا تحتاج إلى مراجعة جذرية من خلال تحريك الدبلوماسية الاقتصادية، بعد أن استغلتها أنقرة لصالحها في اتجاه واحد لتغرق السوق التونسية طيلة سنوات بالسلع وتتسبب في عجز تجاري تاريخي للدولة تجاوز 6 مليارات دولار قبل أن تكبح الحكومة هذا الانفلات إثر مصادقة البرلمان على مضاعفة الرسوم الجمركية على البضائع القادمة من تركيا بدءا من مطلع هذا العام.

هنا، سيتم اختبار صلابة الدبلوماسية الاقتصادية لتونس ومدى قدرتها على إقناع الطرف الأوروبي بوجهة نظرها بأن العدالة الاقتصادية لا بد أن تكون محور المفاوضات حتى لا تغرق القطاعات المحلية في أزمة عند تحرير التعاملات التجارية في حال إبرام الاتفاق، خاصة وأنها تمكنت من إقناع أنقرة العام الماضي بأنه لم يعد ممكنا استيعاب وارداتها داخل السوق المحلية الصغيرة.

11