الدبلوماسية التونسية تستعيد نشاطها الإقليمي والدولي

ساعد تصنيف تونس كدولة ديمقراطية ناشئة في محيط إقليمي متأزم، على بداية استعادة الدبلوماسية التونسية لحضورها الفاعل على الصعيدين الإقليمي والدولي. وبرز ذلك من خلال اللقاءات المكثفة التي أجراها وزير الخارجية، خميس الجهيناوي، على هامش أعمال الدورة الرابعة والثلاثين لمجلس حقوق الإنسان بجنيف السويسرية، مع وزراء خارجية عرب وأجانب. وتناولت الاجتماعات الدورة القادمة للقمة العربية، وعلاقات تونس الدبلوماسية، وسبل التسوية للأزمة الليبية.
الخميس 2017/03/02
تونس اليوم تبرز كنقطة إشعاع

تونس - بدأت الدبلوماسية التونسية تستعيد تدريجيا حضورها الفاعل على الصعيدين الإقليمي والدولي، مستفيدة في ذلك من تصنيف تونس كدولة ديمقراطية ناشئة في محيط إقليمي متأزم ومتوتر.

وتجلى هذا الحضور الفاعل من خلال اللقاءات والاتصالات والمشاورات المكثفة التي أجراها وزير الخارجية التونسي خميس الجهيناوي خلال الأيام الثلاثة الماضية، مع عدد من وزراء الخارجية العرب والأجانب، والتي عكست عودة قوية للدبلوماسية التونسية التي بدأت تستعيد مكانتها بخطى حثيثة.

واجتمع الجهيناوي مساء الثلاثاء، مع نظيره الأوكراني فافلو كليمكين، وبحث معه علاقات التعاون الثنائي في مختلف المجالات، ودعم التنسيق والتشاور بين البلدين، بخصوص القضايا الإقليمية والدولية الراهنة.

وتمّ خلال هذا الاجتماع الذي عُقد على هامش أعمال الدورة الرابعة والثلاثين لمجلس حقوق الإنسان للأمم المتحدة بجنيف السويسرية، الاتفاق على عقد لجنة التشاور السياسي بين البلدين واللجنة المشتركة التونسية-الأوكرانية قبل نهاية العام الجاري.

وقبل ذلك، التقى وزير الخارجية التونسي نظيره العراقي إبراهيم الجعفري، وبحث معه الأوضاع في المنطقة العربية والقضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، بالإضافة إلى واقع العلاقات الثنائية بين البلدين، بحسب بيان وزعته وزارة الخارجية التونسية، قد أشارت فيه إلى أن الجهيناوي سيقوم خلال الأسبوع المقبل بزيارة رسمية إلى العراق تستهدف الارتقاء بالعلاقات الثنائية في مختلف المجالات، ودعم التنسيق بخصوص القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

ولم يتوقف نشاط وزير الخارجية التونسي عند تلك اللقاءات فحسب، وإنما تنوعت، حيث اجتمع أيضا مع نظيره الأردني أيمن الصفدي، في إطار التنسيق والتشاور الثنائي بشأن الأوضاع الإقليمية والدولية، وسبل مواجهة التحديات العربية الراهنة، وخاصّة ظاهرة الإرهاب.

كما تم خلال هذا الاجتماع التطرق إلى الاستحقاقات العربية القادمة، وخاصة منها الدورة الثامنة والعشرين للقمة العربية التي ستُعقد في العاصمة الأردنية عمان في نهاية شهر مارس الجاري.

وبحسب بيان لوزارة الخارجية التونسية، فإن الجانبين التونسي والأردني تطرقا خلال هذا الاجتماع إلى المستجدات الميدانية والسياسية المرتبطة بالوضع في سوريا، وبنتائج اجتماع أستانة، حيث شددا على ضرورة “تثبيت وقف إطلاق النار، ودفع السوريين إلى الحوار لتجاوز خلافاتهم وإيجاد حل سلمي للأزمة في بلادهم”.

النشاط المكثف يعكس رغبة قوية في استعادة الدبلوماسية التونسية لمكانتها على الصعيدين الإقليمي والدولي

وأضاف البيان أن الوزيرين التونسي والأردني استعرضا أيضا تطورات القضية الفلسطينية، حيث اتفقا على “ضرورة إعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمامات الدولية، ومواصلة دعم نضال الفلسطينيين من أجل استرجاع حقوقهم وإقامة دولتهم المستقلة”.

وكان وزير الخارجية التونسي قد اجتمع قبل ذلك، مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس وبحث معه تطورات الأوضاع في فلسطين المحتلة في ظل المتغيرات الدولية والإقليمية الحالية، بالإضافة إلى العلاقات الثنائية وسبل تطويرها في كل المجالات.

وجدد الجهيناوي خلال هذا الاجتماع التأكيد على دعم تونس الثابت للقضية الفلسطينية، والتزامها الدائم بمساندة الفلسطينيين في نضالهم من أجل استرداد حقوقهم المشروعة وإقامة دولتهم المستقلة.

ولم يقتصر نشاط وزير الخارجية التونسي على تلك اللقاءات، وإنما شمل أيضا الاجتماع مع فايز السراج رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني الليبية، وذلك في سياق متابعة مبادرة الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي لإيجاد تسوية سياسية للأزمة الليبية.

وذكرت وزارة الخارجية التونسية في بيان لها، أن الجهيناوي أطلع السراج على نتائج اجتماع الرئيس السبسي بوزراء خارجية تونس والجزائر ومصر الذي أسفر عن “إعلان تونس الوزاري لدعم التسوية السياسية الشاملة في ليبيا”.

وأشار وزير الخارجية التونسي إلى أن المبادرة الرئاسية التونسية الهادفة إلى إيجاد تسوية سياسية شاملة للأزمة الليبية التي تستند إلى الاتفاق السياسي الموقّع في 17 ديسمبر 2015 كإطار مرجعي أممي، ترتكز على عدة مبادئ، أبرزها دعوة الأطراف الليبية إلى الحوار، واعتماد التوافق لتجاوز الأزمة الراهنة، ورفض التدخل العسكري والمحافظة على استقرار ليبيا ووحدتها الترابية وتحقيق المصالحة الشاملة في ليبيا.

وأكد في هذا السياق، أن الدول الشريكة في هذه المبادرة (مصر والجزائر) ستواصل اتصالاتها مع مختلف الأطراف الليبية بهدف تشجيعها على الانخراط في الحوار من أجل إيجاد تسوية سياسية توافقية.

ورأى مراقبون أن هذا النشاط المُكثف يعكس رغبة قوية في استعادة الدبلوماسية التونسية لمكانتها على الصعيدين الإقليمي والدولي، حتى أن الجهيناوي لم يتردد في القول إن تونس اليوم “تبرز كنقطة إشعاع بصفتها ديمقراطية ناشئة في قلب المشهد الإقليمي المتأزم والمتوتر”.

ولفت في محاضرة ألقاها الثلاثاء، بمعهد الدفاع الوطني، إلى أن الدبلوماسية التونسية هي “خط الدفاع الأول عن البلاد، وأن نجاح مرحلة الانتقال الديمقراطي، وحصول الرباعي الرّاعي للحوار الوطني على جائزة نوبل للسّلام مثلت إنجازا تاريخيا وعامل قوة في إدارة تونس لعلاقاتها الخارجية اكتسبت من خلاله رسميا اعترافا دوليا بها كديمقراطية ناشئة”.

وشدد وزير الخارجية التونسي خميس الجهيناوي، في هذا السياق، على أن “تونس قادرة اليوم على التأثير في التوجهات الكبرى الإقليمية والدولية، والمساهمة في صياغة السياسات والمواقف حول المسائل والقضايا التي تعنيها مباشرة على المستويات المغاربية والعربية والمتوسطية والأفريقية”.

ولكنه أكد في المقابل على أن “نجاح الدبلوماسية في الاضطلاع بمهامها يظل رهين وجود بيئة داخلية متماسكة وقوية وقادرة على مواجهة التحديات وحماية المصالح الوطنية العليا”.

4