الدبلوماسية السعودية في أفريقيا: ساحة جديدة لأخذ المبادرة

تعتبر أفريقيا، خصوصا جنوب القارة ووسطها، من أبرز المحطات التي عملت طهران على تثبيت أقدامها فيها، واستغلّتها خاصة في فترة العقوبات التي كانت مفروضة عليها، لترسل من خلال موانئها السلاح لحزب الله والحوثيين ومختلف حلفائها من الميليشيات في الشرق الأوسط، وهو ما فرض على السعودية أن تضع، ضمن سياستها الخارجية الجديدة، التأسيس لعلاقات قوية مع الدول الأفريقية، وقد نجحت في ذلك إلى حد كبير.
الخميس 2016/03/31
العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز يوشح رئيس جنوب أفريقيا جاكوب زوما بقلادة الملك عبدالعزيز

الرياض - تعمل المملكة العربية السعودية اليوم على التموضع في مكانة تتواءم مع إمكانياتها ووفق خيارها الاستراتيجي لمتطلبات المرحلة الراهنة، خاصة في ظل ما يشهده النظام الدولي من تحولات تحتّم صعود قوى دولية وإقليمية تسعى الرياض إلى أن تكون من ضمنها.

وتعتمد الرياض، في إطار هذا الهدف، على سياسة خارجية مؤسسة على الانفتاح على أكبر عدد ممكن من دول العالم وتجاوز المحطات التي تغافلت فيها عن بعض المناطق، لا سيما تلك التي قامت إيران بملء الفراغ فيها، مستغلّة تراجع، أو غياب، الاهتمام السعودي، والعربي عموما بها على غرار الساحة الأفريقية، مفتاح التغيرات الهيكلية في النظام الدولي، بحسب تقديرات المراقبين.

وسبق أن انخرطت السعودية في علاقات قوية مع دول أفريقيا منذ عقود، لكنها تراجعت لفترة زمنية محدودة وعادت في السنوات الأخيرة، أكثر زخما على مختلف الأصعدة. ويساعد الرياض في ذلك امتلاكها للعديد من عناصر التأثير ومقومات الارتباط القوي مع دول أفريقية، سواء على المستوى الاقتصادي والمادي الذي يخول لها فرص الدخول في شراكات واستثمارات واسعة، أو على مستوى الرمزية الدينية للسعودية التي تساعدها على التواصل بسهولة داخل القارة ذات الأغلبية المسلمة.

تطوير العلاقات

في المقابل نجحت إيران أيضا، إلى حد ليس بالبعيد، في دخول المجال الأفريقي بقوة، منذ عهد الرئيس السابق أحمدي نجاد، من خلال تكوين حلقة واسعة من العلاقات مع العديد من دول المنطقة والدخول في شراكات اقتصادية وعسكرية مطعّمة بهوية وثقافة مرجعية ولاية الفقيه. وقد أكّد حينها نجاد أن “لا حدود لتوسيع الروابط بين إيران والدول الأفريقية”.

وعملت الآلة الإعلامية والبحثية الإيرانية على التسويق لفكرة أن إيران نجحت في غلق المنافذ الأفريقية أمام السعودية. والخطير في هذا الأمر لم يكن التواصل الاقتصادي والاستثماري، فمن حقّ الدول الأفريقية أن تعمل على تنمية اقتصادها ومجتمعاتها وتطور سياساتها، لكن ما كان مرفوضا وخطيرا هو ما تبطنه إيران من خلال هذه العلاقات.

الاستثمار، لم يكن هو الأساس، بل نشر المذهب الشيعي وتأسيس أذرع سياسية لها وإنشاء نسخ أفريقية من حزب الله اللبناني، ويذكر في هذا السياق حزب الله النيجيري وزعيمه إبراهيم الزكزاكي، الذي يعد من أكبر مناصري فكر الثورة الإيرانية ودخل في صدامات عديدة مع الدولة في محاولات لإرساء قواعد نظام جمهورية إسلامية في نيجيريا مشابه للجمهورية الإسلامية في إيران.

المشروع الإيراني في أفريقيا تبين أنه هش بمجرد أن باشرت الرياض صياغة رؤية دبلوماسية وتنفيذ مشاريع تؤسس لعلاقة جادة

تريد إيران حشد أكبر قدر من الموالين لها، خاصة أن كلّ الطرق في الشرق الأوسط مغلقة بوجه سفنها التي تحمل شحنات الأسلحة والدعم لأذرعها في المنطقة على غرار حركة حماس وحزب الله، وفي ذروة أزمة اليمن تبيّن أن السلاح الإيراني يصل إلى الحوثيين في اليمن عبر سواحل أفريقيا.

وكان مركز ستراتفور الأميركي للدراسات الأمنية والاستخبراتية ذكر أن “إيران تنقل أسلحة عبر طريق يبدأ من ميناء عصب الإريتري، ويمر شرقا حول الطرف الجنوبي من بحر العرب في خليج عدن إلى مدينة شقراء التي تقع على ساحل جنوب اليمن، ومن هناك تتحرك الأسلحة برا إلى شمال مدينة مأرب شرقي اليمن، وبعدها إلى محافظة صعدة على الحدود السعودية-اليمنية”.

ومع ثبوت تورطها في الصراعات الداخلية وتغذيتها للنزاعات في القارة انهار جزء كبير من البناء الذي شيدته إيران لسنوات في هذه القارة. فقد قطعت كل من السنغال وغامبيا علاقاتهما مع إيران سنة 2011، بعد اكتشافهما مرور شحنة من الأسلحة القادمة من إيران باتجاه غامبيا، بهدف تزويد متمردي الجنوب السنغالي بالسلاح. وفي أكتوبر 2010 رصدت السلطات النيجيرية عملية نقل أسلحة قادمة من إيران في طريقها إلى غامبيا، وهو ما دفع السلطات النيجيرية إلى قطع علاقاتها الدبلوماسية مع إيران وطرد دبلوماسييها.

وأوقفت جنوب أفريقيا وارداتها النفطية من إيران سنة 2012 استجابة للعقوبات الدولية، كما أوقفت شركات جنوب أفريقية استثماراتها في إيران. وفقدت طهران مصداقيتها لدى عدد من الدول الأفريقية بسبب عدم إيفائها بوعودها الاستثمارية على غرار ما حدث في السودان التي انتظرت مطولا أن تترجم الأخيرة وعودها دون جدوى.

واليوم بدأت بعض الدول الأفريقية تشعر بالخوف من النفوذ والتدخلات الإيرانية، وتحديدا بعد الاعتداءات على البعثات الدبلوماسية السعودية في إيران، وكردة فعل قطعت كل من السودان والصومال وجيبوتي وجزر القمر وموريتانيا علاقاتها تماما مع طهران وطردت سفراء إيران لديها معلنة تضامنها مع الرياض.

حاصر حصارك

المشروع الإيراني، تبيّن أنه هشّ وأنّه بني على باطل، بمجرّد أن باشرت الرياض صياغة رؤية دبلوماسية قطعت مع مرحلة سياسة الحياد السابقة، وتنفيذ مشاريع وأفكار أسسّت لعلاقة جادة ومثمرة مع عدد كبير من دول أفريقيا، بل وكسبت تأييدهم في العديد من الملفات الكبرى التي تقودها السعودية اليوم.

نقلة جديدة بين في العلاقة بين السعودية والدول الأفريقية

زيارة عادل الجبير وزير الخارجية السعودي في فبراير الماضي إلى السودان وجنوب أفريقيا وزمبيا، واستقبال السعودية لعدد كبير من قادة الدول الأفريقية، يعد أحد تجليات هذه النقلة الجديدة بين الطرفين. كما تم الشروع في إنجاز بعض المشاريع الاقتصادية والعسكرية، والانتهاء من البعض الآخر في إطار شراكات بين دول أفريقية والسعودية.

وعلى المستوى الاقتصادي انطلقت السعودية في العديد من المشاريع الثنائية مع عدد من بلدان القارة السمراء، على غرار تدشين جنوب أفريقيا والسعودية لمحطة طاقة شمسية قيمتها 328 مليون دولار في محافظة كيب الجنوب أفريقية الشمالية.

وفي السعودية افتتح الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي ولي العهد السعودي وزير الدفاع وجاكوب زوما رئيس جنوب أفريقيا في محافظة الخرج (جنوب شرق العاصمة الرياض)، مؤخرا مصنعا للقذائف تم إنشاؤه بترخيص ومساعدة من الشركة الجنوب أفريقية “راينميتال دينيل” للذخيرة بتكلفة بلغت حوالي 240 مليون دولار لإنتاج ثلاثمئة مقذوف مدفعي أو ستمئة مقذوف هاون يوميا.

والمصنع هو عبارة عن مجمع صناعي لإنتاج القذائف العسكرية بدءا من القذائف ذات العيار المتوسط مثل قنابل الهاون عيار (60 ملم، 81 ملم، 120 ملم) مرورا بقذائف المدفعية عيار (105 ملم، 155 ملم)، وحتى القذائف الثقيلة مثل قنابل الطائرات التي تتراوح أوزانها بين 500 رطل و2000 رطل.

مسارات جديدة تسجّل على طريق العلاقات بين السعودية وجنوب أفريقيا أكدتها تصريحات جاكوب زوما رئيس جنوب أفريقيا أثناء زيارته للرياض منذ أيام قليلة، ودعا فيها إلى مراجعة العلاقات الاقتصادية والتجارية مع الرياض وتعزيزها، وتوسيع دائرة القطاعات التي سيشملها التعاون لتضم الزراعة والتعدين والبنى التحتية والمال والدفاع واستكشاف الغاز والطاقة البديلة. وتمثل الشراكة مع جنوب أفريقيا خيارا استراتيجيا بالنظر إلى ثقلها الاقتصادي في القارة، وباعتبار طبيعة العلاقات التي تربطها مع إيران التي قدمت الكثير في سبيل كسب ود هذا البلد، وكانت داعما رئيسيا له في مجلس الأمن والاجتماعات الدولية.

وفي مثال آخر على التوجه السعودي الاستراتيجي في أفريقيا، كشف ضياء الدين بامخرمة، سفير جيبوتي لدى السعودية، عن توجه رسمي لإقامة خطوط ملاحية مباشرة بين موانئ جيبوتي وجدة وجازان لدعم التبادل التجاري بين البلدين، وتعزيز تواجد المنتجات السعودية في دول القرن الأفريقي.

ومن المنتظر أن يقود توفيق الربيعة، وزير التجارة السعودي، وفدا مكونا من رجال أعمال سعوديين في زيارة إلى جيبوتي لدراسة الفرص الاستثمارية في هذا البلد.

بعض الدول الأفريقية بدأت تشعر بالخوف من النفوذ والتدخلات الإيرانية التي تجاوزت حدود العلاقات الديبلوماسية

اصطفاف أفريقي

أبرز مثال يؤكّد هشاشة المشروع الإيراني في القارة السمراء، الاصطفاف الأفريقي خلف المملكة العربية السعودية، حين أعلنت عن إنشاء تحالف عربي للتدخل عسكريا في اليمن، الذي أيّدته دول أفريقية عرفت بعلاقتها مع إيران على حساب السعودية، على غرار السودان. أما الاصطفاف الأكبر فكان دعم أغلب الدول الأفريقية وتأييدها السريع للتحالف الإسلامي الذي أعلنت عن تكوينه السعودية لمواجهة الإرهاب بمختلف أشكاله وجماعاته وميليشياته، والتي من بينها ما يتبع إيران.

ومن الدول الأفريقية المشاركة في هذا التحالف: بنين، تشاد، توغو، جيبوتي، السنغال، السودان، سيراليون، الصومال، الغابون، غينيا، جزر القمر، ساحل العاج، مالي، النيجر، نيجيريا، مصر، المغرب، موريتانيا، ليبيا وتونس. وكشفت العديد من التقارير عن عدد من التحالفات العسكرية غير المعلنة بين عدد من الدول الأفريقية والسعودية، أولها الحلف السعودي- الموريتاني- السنغالي، الذي تقول بعض التقارير إنه قطع أشواطا كبيرة وتعدى مرحلة التنسيقات والترتيبات منذ أول زيارة قام بها رئيسا كل من السنغال وموريتانيا في مطلع أبريل 2015 إلى الرياض. وتعهّد حينها، ماكي سال، الرئيس السنغالي، بالمشاركة عبر المئات من الجنود السنغاليين في عملية عاصفة الحزم.

وفي السادس من أكتوبر من نفس السنة قام محمد ولد عبدالعزيز، الرئيس الموريتاني، بزيارة عمل إلى السعودية تم خلالها التباحث حول آليات تقديم الدعم الموريطاني، تلتها زيارة أخرى في التاسع من نوفمبر الماضي قيل إنها تصب في نفس السياق الذي جاءت فيه الزيارة الأولى وتم فيها التأسيس للحلف الثلاثي، فضلا عن الحلف السعودي-الليبي-التشادي، الذي لا يزال، بحسب المراقبين، في طور الترتيبات الأولية.

وفي ظل البرامج الأخيرة المزمع التوجه فيها سعوديا صوب القارة الأفريقية، يرى بعض المراقبين أن مكاسب طهران التي حافظت على بقائها إلى اليوم تبدو مهددة هي الأخرى لا سيما في ظل فاعلية المشاريع المطروحة من قبل المملكة ونجاعتها مقارنة ببطء نسق تنفيذ المشاريع الإيرانية تارة وعدم الإيفاء بوعودها تارة أخرى.

إقرأ أيضا:

إيران.. زمن التمثيل الرديء

7