الدبلوماسية المرة تضيف كرسي طالبان إلى طاولة المفاوضات

ذبيح الله مجاهد تعلّم في مدرسة الدبلوماسية القطرية دروسا ثمينة واستثمر أحدها بعد دخوله منتصرا مطار كابول.
الخميس 2021/09/02
دبلوماسية خليل زاد مع طالبان

لم تكسر القيم الدبلوماسية عبر التاريخ السياسي مثلما كسرت اليوم من قبل الولايات المتحدة بإضافة حركة طالبان إلى النادي الدبلوماسي الدولي واعتبارها منذ اليوم الأول في التفاوض معها عضوا فعالا في هذا النادي الذي جمع الرجال الأقوياء الذين كانوا يفكرون في وئام العالم.

كيف لنا أن نتخيّل أن الغطرسة الأميركية كانت أول من أضاف كرسيا جديدا لطاولة الدبلوماسية الدولية لتجلس عليه حركة طالبان.

الأمر لم يعد جزءا من الخيال منذ سنوات، بل حقيقة سياسية قائمة في العالم ترى أن الحركة الإسلامية المتشددة جزء من النظام السياسي العالمي المقبول.

السياسيون الوطنيون أكثر من يشعر بمرارة الدبلوماسية عندما تفرض عليهم شروطها، ليس بفكرة التحاور مع عدو الأمس بوصفه صديق المستقبل، بل بدبلوماسية القبول بالقاتل كند سياسي مقبول في التحاور.

تكاد جملة الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير -عندما وصف المشاهد الدرامية لحيرة أفغان يائسين يحاولون الفرار من البلاد في مطار كابول بعد دخول حركة طالبان العاصمة الأفغانية، بأنها “عار على سياسة الدول الغربية”- تكون الأكثر تعبيرا عن المرارة الدبلوماسية نتيجة القبول بطالبان بوصفها ممثلا شرعيا، مع أن شتاينماير كان يعبر عن أساه حيال هؤلاء الأفغان، لكنها إشارة ساخطة تزدري المستقبل المنهار الذي تسبب به الرئيس الأميركي جو بايدن.

لذلك بدا لي أن ألمانيا لا تقبل بطالبان إلا بحدود دبلوماسية واطئة، ربما تكون مثالا لبقية الدول. ذلك ما عبر عنه وزير الخارجية الألماني هايكو ماس بقوله إنه لا يريد  التحدث بنفسه مع حركة طالبان حول رحيل الأفغان الذين يبحثون عن الحماية. وقال إن “ممثل الحوار للحكومة الألمانية مع طالبان هو الدبلوماسي ماركوس بوتسل، الذي يتفاوض حاليا مع ممثلين عن الحكام الأفغان الجدد في قطر”. تلك إشارة ألمانية مشجعة عندما تستمر في استخدام تلك القناة التي يديرها موظف ألماني مع الحركة المتطرفة، ولا يجب أن يرتفع إلى مستوى وزير.

القبول بطالبان

Thumbnail

لسوء حظ القيم الدبلوماسية، لا تتوفر لدينا أمثلة قريبة من الموقف الألماني الجيد، لأن غالبية الدول قرأت ما هو مكتوب على الجدار مبكرا وقبلت بطالبان، بعد أن كانت الولايات المتحدة أول من سحب لها كرسيا على طاولة التفاوض في قطر، حيث تستضيف الدوحة المكتب السياسي للحركة وهو أشبه بوزارة للخارجية.

ويحاول المجتمع الدولي التوصل إلى اتفاق على الشروط الواجب توافرها للاعتراف بحركة طالبان وشرعية حكمها لأفغانستان وسط تقارير عن خلافات بين قوى عظمى بعد أن طالبت روسيا بإلغاء القيود التي تفرضها الولايات المتحدة على البنك المركزي الأفغاني منذ استيلاء طالبان على السلطة في أواسط الشهر الماضي.

مع أن الأمم المتحدة تقدر عائدات طالبان الحالية، المتأتية بشكل خاص من أنشطة إجرامية، بما بين 300 مليون دولار وأكثر من 1.5 مليار دولار سنويا.

وتلك بداية التراجيديا الدبلوماسية المستمرة التي تمثل الحركة المتطرفة طرفا فيها مع دول لا تكف عن الصراخ عن القيم الديمقراطية ورفض القبول بالمنظمات الإرهابية وعدم التحاور مع المجموعات غير الشرعية!

إلا أن بايدن كسر الإناء بالاعتماد على هذه الجماعة وأرسل بيل بيرنز، مدير وكالة المخابرات المركزية، في زيارة سرية إلى كابول للقاء طالبان واعترف المسؤولون الأميركيون بأنهم كانوا على اتصال دائم مع الحكام الجدد للبلاد.

يتذرع وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في الدفاع عن نكسة بلاده بالقول “إن طالبان، سواء أحببنا ذلك أم لا، هي المسيطرة”. ويقول “كان من المهم أن نعمل معهم لمحاولة تسهيل وضمان مغادرة كل من يريدون الرحيل”.

مع أنه في ظل هذه الرؤية لاستخدام كلمة “استراتيجي” بسخاء من قبل الدبلوماسيين الأميركيين لن يكون هناك احتمال للنصر على الإرهاب.

فدوافع جو بايدن اليوم تمتلك نفس ذرائع جورج بوش الكاذبة بالأمس لأنها مبنية بشكل شبه مؤكد على اعتبارات سياسية، لا على أي ضرورة أخلاقية أو سياسية خارجية.

1.5 مليار دولار سنويا عائدات طالبان من أنشطة إجرامية وفق الأمم المتحدة

وهذا يعني وفق نفس مبدأ الدبلوماسية الأميركية التي أضافت الكرسي الطالباني لطاولات المفاوضات، أن بايدن وبوش متساويان في “السخافة”. ففي الأوقات المماثلة يكون التنديد بالعدو هو المهم.

إلا أن دنيس روس الذي سبق وأن قاد عملية السلام الفاشلة في الشرق الأوسط في عهد إدارتي بوش الأب وكلينتون، يعوض الأفغان عن الإجلاء المخزي للولايات المتحدة، بوهم دبلوماسي زائف لا يعول حتى على القوة الأميركية المتغطرسة.

ويتجاهل روس تكاليف أخطاء واشنطن بالقول “في واقع الأمر تملك الولايات المتحدة وسائل للضغط على جماعة طالبان، وبمقدور واشنطن الاستمرار في فرض العزلة على طالبان سياسياً، والإبقاء على تجميد الأصول الأفغانية التي تقدر قيمتها بمليارات الدولارات والتي ترغب طالبان في السيطرة عليها وتحتاج إليها”!

ترف الوقت

عندما قدرت إدارة بايدن أن الولايات المتحدة سيكون لديها ترف الوقت في الانسحاب من أفغانستان بالاستناد إلى طاولة دبلوماسية زلماي خليل زاد المفتوحة منذ سنوات في الدوحة، فإنها لم ترتكب مجرد الخطأ الجوهري في التقديرات العسكرية، بل مهّدت لدبلوماسية اعتبار كل الألوان السياسية -بما فيها الراديكالية- سياقًا مقبولا في القيم السياسية. وهذا يجعلنا نعيد شريط التاريخ لنقبل بصورة تجمع دونالد رامسفيلد مع أسامة بن لادن على طاولة تفاوض تفتحها إيران وتحظى بمباركة المرشد الأعلى علي خامنئي!!

لقد تعلم المتحدث الرئيسي باسم طالبان ذبيح الله مجاهد في مدرسة الدبلوماسية القطرية دروسا ثمينة. وها هو يستثمر أحدها بعد دخوله منتصرا أروقة مطار حامد كرزاي الدولي بالعاصمة الأفغانية، آخر مكان كان يخضع للسيطرة الأميركية، بقوله “الإمارة الإسلامية تريد علاقات دبلوماسية طيبة مع الأميركيين”، لكن عضو اللجنة الثقافية في طالبان، بلال كريمي، يعري هذا الكلام بقوله “لا يمكننا التحكم في عواطفنا، قد هزمنا أقوى دولة في العالم ونلنا استقلالنا”.

في حقيقة الأمر، ليست هزيمة واشنطن المخزية وحدها من تمنع طالبان في التحكم بمشاعرها، بل إن القيم الدبلوماسية لم تكسر عبر التاريخ السياسي مثلما كسرت اليوم من قبل الولايات المتحدة بإضافة حركة طالبان إلى النادي الدبلوماسي واعتبارها منذ اليوم عضوا فعّالا في هذا النادي الذي جمع الرجال الأقوياء الذين كانوا يفكرون في وئام العالم.

اقرأ أيضاً: طالبان المسلحة بذخائر حلف شمال الأطلسي تستضيف الجهاديين الدوليين

7