الدبلوماسية الموازية أسلوب ناجع لتبديد المغالطات حول القضايا العادلة

في مرحلة تواصلية كالتي يعيشها العالم اليوم، أصبح من السهل الوصول إلى الرأي العام داخل أي دولة في العالم من خلال التواصل الشبكي أو عبر مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب والنخب الفكرية والإعلامية، وذلك ما يساهم في معاضدة مجهود الدبلوماسية الرسمية لأي دولة تريد رسم صورة بعينها لدى الأطراف المقابلة، وهذا ما تقوم به دول عربية اليوم.
الأربعاء 2016/08/03
الدبلوماسية الموازية مطلب شعبي أيضا

تونس - لم تعد الأجهزة الدبلوماسية الحكومية لوحدها قادرة على الوصول إلى مستويات متقدمة من العمل على تحقيق الأمن الخارجي ورسم الصورة المطلوبة للدولة لدى دولة أخرى، فـ”الانفجار الاتصالي”، حسب تعبير الباحث الإعلامي الكندي سيرج برو، أصبح يمثل عالما متداخلا من المعلومات التي تضخ عبر وسائل الاتصال الجديدة والإعلام التقليدي واللوبيات الثقافية والفنية والسياسية لدولة داخل دولة أخرى.

هذا الواقع الدبلوماسي الجديد أصبح واضحا في السلوك الحكومي والخطاب السياسي العربي الجديد، بعد أن كان جزءا من تعامل الدول مع بعضها البعض في الستينات من القرن الماضي خاصة مع جمال عبدالناصر في مصر.

ويمكن استنتاج ذلك من خلال التعامل السعودي مع الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط ضد التهديد الطائفي الإيراني مع الانفتاح على المعارضة الإيرانية وكذلك بالنسبة للمغرب وكيفية دفاعه عن وحدته الوطنية في ملف الصحراء المغربية، في الحين الذي تشهد فيه مصر محاولات إعادة تقاليدها في “الدبلوماسية الموازية” لكنها تعاني صعوبات في ذلك خاصة وأن جملة القضايا المطروحة على مصر تعد معقدة جدا.

السعودية قوة إقليمية

تمكنت الأيديولوجيا الإيرانية من اختراق مجالات أبعد من المجال العربي، فقد وصل تمجيد نظام الولي الفقيه إلى أعماق غرب أفريقيا. هذا الواقع الجيوسياسي يعد نتيجة من نتائج عمل الأجهزة الإيرانية على اختراق النقاط التي تخدم المشروع التوسعي الطائفي من خلال خلق جيوب تدين بالولاء لمحتويات ثورة 1979.

وكان ذلك من خلال آليات الدبلوماسية الموازية التي مكنت إيران من استمالة شيوخ دين وإعلاميين وصحافيين وتوكيل مهمة تلميع صورتها في تلك الدولة، مثلما يحدث الأمر في نيجيريا مع إبراهيم الزكزاكي الزعيم الشيعي الذي يقود ميليشيا مسلحة تأتمر بأوامر الحرس الثوري الإيراني، أو من خلال ما تقوم به في اليمن والعراق (مع اللوبيات الطائفية في مدن الجنوب العراقي) أو في لبنان مع أجهزة حزب الله.

الرد السعودي على هذه الاختراقات التي تعتبر خطيرة على الأمن القومي العربي كان قد عبر عنه حضور الرئيس السابق للمخابرات السعودية الأمير تركي الفيصل لمؤتمر المعارضة الإيرانية في باريس والذي أعلن فيه الفيصل عن رغبته في إسقاط النظام الطائفي الإيراني.

مد جسور التواصل بين الشخصيات السعودية التي لا تتقلد مناصب مباشرة في الدولة مع المعارضين والمفكرين والفنانين وغيرهم يعد دعامة قوية لخلق الصورة المطلوبة للواقع الذي تطمح إليه أغلب الفئات والشعوب في منطقة الشرق الأوسط؛ أي خلق محيط آمن وخال من الشحن الطائفي الذي من شأنه أن يزيد في تقسيم المنطقة ويديم فيها الحروب.

بالرغم من تاريخ مصر الذي يعد مرجعيا في الدبلوماسية الموازية يعاني المصريون من تراجع هذا الإشعاع الدبلوماسي

وبالنظر إلى التعريف النظري للدبلوماسية العامة أو الدبلوماسية الموازية (بابليك دبلوماسي)، فإن الانفتاح على النخب والأحزاب والمجتمع المدني في دول أخرى يعد العمود الأول والرئيسي لهذا الصنف من الدبلوماسية، وهذا ما يتطلبه الأمر بالنسبة إلى السعودية في سياق حماية المجال العربي من أي تغيير إيراني قد يمس مفهوم الاستقرار الاجتماعي في منطقة ما.

ولا يقتصر الأمر على الانفتاح على المعارضين أو الحركات التحررية بل إن العمل الثقافي والدراما والفنون والمسرح والعمل على خلق صورة مضادة في وسائل التواصل الافتراضية تعد من ضمن الإستراتيجيات المهمة.

المهمة المغربية

ظهرت بوادر مشكلة دبلوماسية مغربية في ما يخص ملف الصحراء المغربية مع إعلان السويد موقفها الداعم لمنح البوليساريو دولة على الأراضي المغربية، الأمر الذي دعا الخارجية المغربية إلى الرد على توجه السويد للاعتراف بالصحراء المغربية عبر بيانات ومواقف شديدة اللهجة.

موقف السويد وضع الدبلوماسية المغربية منذ أكثر من سنة تحت المجهر، ومن خلال ذلك أصبحت دوائر التفكير والقرار تركز بشكل أكثر دقة وفعالية على الدبلوماسية الموازية لمزيد تعريف الرأي العام العالمي بقضية عادلة هي قضية السيادة المغربية على كامل أراضي المغرب.

يتميز المغرب بقوة مجتمعه المدني وتنوعه وأيضا بالتعددية الحزبية والسياسية التي تنظمها أحكام دستورية تتغير في كل مرحلة لتواكب التطورات الداخلية والخارجية. وبهذه الكيفية فإن إمكانية الانفتاح الكامل على العديد من الأحزاب المشابهة في العالم العربي والأفريقي تعد إمكانية واسعة وهي بوابة لتكون للمغرب صورة لدى تلك الدول تؤكد أن البلاد في وضعية لا يمكن معها التقسيم، وأن التقسيم استهداف وإضعاف للمملكة ولا يتضمن تلك الشعارات التي تتحدث عن حق الشعوب في تقرير مصيرها بالقدر الذي يهدف فيه التقسيم إلى تحجيم قوة المغرب.

يمكن للدبلوماسية الموازية المغربية، كما يؤكد العديد من الخبراء، أن تحسم ملفات غاية في التعقيد ولا تتعلق فقط بملف الصحراء، بل أيضا بملفات مثل تكون أئمة المساجد في عدد من الدول الأفريقية التي فيها عدد كبير من المسلمين وأيضا مسألة الأمن والوقاية من الإرهاب والتوعية المدنية والمواطنية داخل عدد من الأقطار الأفريقية خاصة جنوب الصحراء.

وقد كانت للمغرب تجربة ملفتة في الحضور الدائم والمكثف في الملتقيات الدولية غير الرسمية والتي تمثل فرصا للتعريف بقضايا الدول والشعوب في سياق غير رسمي وغير بروتوكولي، مثل المنتدى الاقتصادي والاجتماعي العالمي الذي وقع تنظيمه في العاصمة التونسية تونس مرتين متتاليتين، وكانت فيه القوى المدنية المغربية حاضرة وبقوة في ملتقيات المنتدى ودافعت عن صورة المغرب الموحد وتمكنت من تفسير عواقب الانقسام على الوضع المغربي وكيف أن الصحراء جزء من الأراضي المغربية ولا تملك أن تكون مجالا سياديا مستقلا عن الرباط.

ضرورة مواجهة الخطاب المعادي للعرب

محاولات مصرية

لم تتمكن الدبلوماسية المصرية إلى الآن من حسم نقطة الاختلاف في الأولويات بين متطلبات مرحلة ما بين 2011 و2013 وما بعد ثورة يونيو 2013. فقد لوحظ من طرف مراقبين أن جماعة الإخوان المسلمين لم تتمكن إلى حد الآن من تحدي الدولة المصرية في الخارج عبر لوبياتها والترويج لصورة سيئة عن أهداف ثورة يونيو قبل ثلاث سنوات.

ومن ناحية أخرى، فإن جملة القضايا المطروحة على المصريين اليوم والمتمثلة في قضية مياه النيل مع دول حوض النيل جنوبا، ومشكلة الأمن على الحدود مع فلسطين في جزء التماس مع قطاع غزة، لم تجد طريقها إلى الزخم الإعلامي والشعبي المطلوب لدى الرأي العام في الدول المعنية عبر قنوات الدبلوماسية العامة أو الموازية.

وتجد الدبلوماسية المصرية نفسها في مستوى متقدم من الأزمة خاصة مع قضية الطالب الإيطالي جوليو ريجيني الذي فشلت الأجهزة المصرية في أن تخلق بشأنه حالة من التهدئة مع موجة الغضب الإيطالية على شبهة تورط الأجهزة الأمنية المصرية في تعذيب وقتل ريجيني، بالرغم من وجود جالية مصرية كبيرة في إيطاليا وتحتوي طلبة وكوادر وإعلاميين قادرين على العمل بقوة من أجل حصر القضية في القنوات الرسمية بين البلدين وعدم تحويل الحدث إلى مسألة رأي عام.

وبالرغم من تاريخ مصر الذي يعد مرجعيا في الدبلوماسية الموازية خاصة مع أيام جمال عبدالناصر، والذي استطاع أن يحول الصراع المصري الإسرائيلي إلى قضية عربية كبرى عبر آلة ضخ إعلامية وفنية كبرى (إذاعة صوت العرب، فنانون وموسيقيون، دراما ومسرح وخاصة سينما)، فإن المصريين اليوم يعانون من ضعف وتراجع في ذلك الإشعاع والانتشار وهو ما يسبب تراجعا لمكانة مصر الإقليمية والأفريقية والدولية نظرا لموقع مصر الجغرافي وحساسية الملفات التي للمصريين دور في حسمها.

7