الدبلوماسية في إدارة الأزمات المصرية

الاثنين 2016/09/26

وسائل تنفيذ السياسة الخارجية لأي دولة، تعتمد على مجموعة من الأدوات، البعض منها خشن، والآخر يتسم بالنعومة، وهناك دول تلجأ إليهما معا أو إلى كليهما، وتتوقف طريقة الجمع أو الفصل على الظروف العامة، وطبيعة المشكلات والتحديات.

في حالة مصر، يبدو اللجوء إلى الدبلوماسية الناعمة، أداة رئيسية في التعامل مع كل، أو غالبية، الأزمات الخارجية التي تواجه الدولة خلال الأعوام الثلاثة الماضية، ربما كانت الأداة الخشنة حاضرة، بشكل أو بآخر على الساحة الداخلية، لكن لم يتم اللجوء إليها إلا نادرا على الساحة الخارجية، عندما يكون الهدف توصيل رسالة أو أكثر بصورة معينة، كما حدث العام الماضي حينما قصفت طائرات مصرية معسكرات تابعة لداعش في الأراضي الليبية.

وحتى في هذه الحالة، يكون هناك حرص على توفير غطاء دبلوماسي، يحمي النظام الحاكم ومؤسسات الدولة من المساءلة القانونية، سواء من خلال محاولة الاستناد إلى مشروعية دولية بعينها، أو التعاون والتنسيق مع قوى لديها قدرة على توفير الحماية اللازمة، وهو ما جرى عند الضربات التي وجهها الطيران المصري لتنظيم داعش.

الخيار الدبلوماسي، ليس ابتداعا مصريا، لكن الدول تركز عليه وتمنحه أولوية، إذا كانت تواجه عقبات ومشكلات داخلية كبيرة، وتمر بفترة انتقالية حرجة، ولا تملك رفاهية الأدوات الخشنة المكلفة، وربما هروبا من مواجهة مصيرية خطرة، أو اعتذارا مبطنا للبعض من الأصدقاء والحلفاء، الذين يعولون على هذه الدولة أو تلك ويطلبون منها القيام بدور قد يكلفها ما هو فوق طاقتها السياسية.

الحاصل أن هذه العوامل مجتمعة، تبدو منطبقة على مصر، وإذا كانت ثمة أبعاد في هذه المعادلة مفهومة ومعروفة، فإن الجانب الأخير فيها، أي الهروب والاعتذار الضمني، قد يكون بحاجة للمزيد من التفسير.

في أزمتي اليمن وسوريا، كان المنهج المصري رافضا للتعاطي بخشونة، وتحايلت القاهرة لعدم الزج بقواتها على أرض اليمن مباشرة، والسفن التي أرسلتها لمراقبة السواحل اليمنية، جرى تبريرها رسميا بأنها لضمان أمن البحر الأحمر وحرية الملاحة في مجرى قناة السويس.

وفي المواجهة المعلنة بين السعودية وإيران، وروافدها في كل من العراق ولبنان وسوريا واليمن، لم تتبنّ مصر موقفا خشنا في أي منها، يميل إلى منطق الرياض، باعتبارها حليفا مركزيا للقاهرة، وكانت الدبلوماسية الناعمة، وسيلة للحفاظ على علاقات متينة مع السعودية، وتجنب خسارة طهران، أو الدخول معها في مواجهة، تعد مجانية أو خاسرة من وجهة النظر المصرية الراهنة، ومالت نتائج هذه الأزمات (خاصة في سوريا واليمن) إلى منطق القاهرة.

مع كل الحساسيات التي تسببت فيها الطريقة المصرية، فإنها حافظت على شعرة معاوية مع قوى كثيرة، لديها أجندات متباينة، وفي خضم الخلافات مع الإدارة الأميركية، والتلويح بورقة روسيا والصين، لم تجرؤ القاهرة على إعلان الطلاق مع واشنطن، الأمر الذي أرخى بظلال سلبية على علاقتها مع موسكو، لكن لم يؤد إلى خسارة العلاقة مع الولايات المتحدة.

إدارة الأزمة مع إثيوبيا، بسبب سد النهضة، الذي أصبح (تقريبا) واقعا على الأرض، تعتبر نموذجا جيدا لمنهج الدبلوماسية الناعمة الظاهر في السياسة الخارجية المصرية، ومع أن الطريق الذي سلكه هذا النموذج، لم يخل من عوامل خشنة مستترة، إلا أنها ظلت بعيدة تماما عن الاستخدام أو حتى التلويح بها رسميا، وهو ما جعل القاهرة تكسب ثقة قوى كثيرة.

وسط صيحات وصرخات البعض في مصر المحرضة على استخدام أدوات خشنة لإنهاء أسطورة سد النهضة، تجنبت جميع التصريحات الرسمية مجرد التلويح بهذا الخيار، بل تعمدت دحضه والتقليل من جدواه، فقد ولى زمن الضرب والقصف دون عقاب، خاصة أن القيادة المصرية على اقتناع بأن هناك من يحرضها وينتظر وقوعها في فخ استخدام القوة في أزماتها الخارجية.

الصبر والتأني والحذر الذي وضح على التعاطي المصري مع أزمة سد النهضة، لا يعد دليلا فقط على عدم الاستعداد لاستخدام بدائل أخرى، لكن أيضا يؤكد أن النتائج التي ستترتب عليه باهظة، كما أن الأسلوب الناعم، ما لم يحقق الأهداف المرجوة، فهو يفتح طاقة أمل لتقليل الخسائر، وآفاقا للتعاون، قد تجني من ورائها مصر مكاسب في المستقبل، بعدما تيقنت أن السد الإثيوبي قاب قوسين أو أدنى من الاكتمال، ولا توجد رفاهية الاستغناء عن الدبلوماسية الناعمة.

في الوقت الذي يمضي فيه سد النهضة إلى حال سبيله، أو بمعنى أدق يستمر العمل فيه، حسب الرؤية الإثيوبية، لم تتوقف مصر لحظة عن المضي في طريق التفاوض، مع أن كل الحسابات والتقديرات المنطقية، قطعت أن أديس أبابا، ربحت واحدة من معاركها المصيرية، وقبلت القاهرة الأسبوع الماضي التوقيع على عقد الدراسات الفنية في الخرطوم، مع شركتين فرنسيتين، وثالثة بريطانية قانونية، تقدم الدراسات خلال 11 شهرا، منتظر أن يكون فيها السد أصبح مكتملا أو شبه مكتمل، بمعنى أن النتيجة النهائية عديمة الجدوى عمليا.

لكن الإصرار على عدم التوقف عن المنهج الناعم له مغزاه، فهو يتسق مع الثوابت المصرية الجديدة، ويعزز حزمة من التوجهات لم تبتعد عنه، ويبدد هواجس تساور البعض حيال رغبة النظام الحالي في إعادة التاريخ إلى الوراء، أي إلى مرحلة الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر، وتطلعاته الجامحة للقيام بدور إقليمي يفوق قدراته الحقيقية، ويسبب إزعاجا لقوى دولية تملك رؤى مناهضة.

لذلك فالتمسك بأسلوب المفاوضات مع إثيوبيا، على الرغم من الآفاق المسدودة، له مرام إستراتيجية بعيدة عن سد النهضة، ويكمل سلسلة من الحلقات في أماكن أخرى، وقد يؤدي إلى إزالة ممانعات، رأت خطورة في أو عدم انسجام مع النظام المصري.

الظاهر أن هذا المنهج حقق فوائد للقاهرة، على الأقل عصمها من الانزلاق في مواجهات، كادت أن تشكل مأزقا، في ظل استنفار كان باديا للتعامل معها وتربص بها، بالتالي ستبقى الدبلوماسية الناعمة في عمق السياسة الخارجية، لأن الأزمات التي تمر بها مصر، والسيولة التي تخيم على المنطقة، سوف تستمران حتى إشعار آخر.

كاتب مصري

9