الدب الروسي في سوريا

الاثنين 2015/09/21

فجأة باتت روسيا، وعلى لسان رئيسها فلاديمـير بوتين، ووزيري خارجيتها ودفاعها، تتحدث عن استعدادها للقيام بدور عسكري مباشر لها في سوريا، بحجة محاربة تنظيم داعش، والجماعات المحسوبة على منظمة “القـاعدة”، بعـد أن كانت اشتغلت طـوال خمسة أعـوام على دعم النظام السوري، سياسيـا وعسكـريا واقتصاديا، في جهده المستميت لوأد ثورة السوريين.

أيضا، معلوم أن روسيا بذلت جهدا كبيرا، وعلى كافة الأصعدة، في تشويه مطالب السوريين، وطمس توقهم إلى الحرية والكرامة، بادعاء أن ما يجري بمثابة حرب أهلية طائفية ودينية، وأن الجماعات الإرهابية هي المتسببة فيها، بل إنها لم تدخر جهدا للتأثير على جماعات المعارضة، وخلق البلبلة في أوساطها، فضلا عن حؤولها صدور أي قرار من مجلس الأمن الدولي يجبر النظام على وقف القتل والقصف، ويأتي ضمن ذلك إصرارها على تفسيرها الخاص لبيان جنيف 1 (عام 2012)، القاضي بإنشاء هيئة حكم انتقالية في سوريا، بكامل الصلاحيات التنفيذية، بادعائها أن ذلك لا يشمل رحيل الأسد.

من كل ذلك تبدو روسيا بمثابة شريك أساسي للنظام في كل ما يحصل في البلد، من تقتيل وتخريب وتشريد، لكن في سياق المقارنة بينها وبين إيران، يبدو من الصعب تحديد من هو الشريك أو المسؤول الأول ومن الثاني، أو من الذي يقرر توجيه دفة الأحداث، ويملي على النظام سياساته، روسيا أم إيران؟

الآن، وبغض النظر عن هذه الحيثية، مع أنها مهمة جدا، بالنسبة إلى معرفة مكانة حليفيْ النظام، إيران وسوريا، وتباين ما يريده كل منهما من سوريا، فإن السؤال الذي يطرح نفسه، هو لماذا تتدخل روسيا إلى هذه الدرجة؟ أو ما هي مصلحتها في ذلك؟ وهل هذا سيخدمها حقا أو يعزز مكانتها في الصراعات الدولية، سيما في التنافس مع الولايات المتحدة؟

في محاولة الإجابة على هكذا أسئلة يذهب البعض إلى الحديث عن قاعدة طرطوس البحرية، وأهميتها للأسطول الروسي في البحر الأبيض المتوسط، وثمة من يحيل الأمر إلى العوائد الاقتصادية في العلاقة بين روسيا وسوريا، بل إن الخيال يذهب بالبعض حد الحديث عن وجود حقول غاز مهمة قبالة الساحل السوري، وطبعا ثمة من يفسر ذلك بدعوى رد فلاديمير بوتين على ما جرى في أوكرانيا.

ومن دون بخس كل هذه الإجابات حقها، أو حصتها من الحقيقة، فإن السبب الأكثر ترجيحا يعود إلى طبيعة النظام الروسي، في ظل “القيصر” بوتين، فهذا النظام يجد في النظام السوري مثيلا له، والأهم أن الرئيس الروسي يريد أن يثبت شيئاً لذاته، ولشعبه. وتفسير ذلـك أننا في حالة روسيا، أيضا، إزاء نظام استبدادي مافيوي، يتحكم فيه بوتين في كل صغيرة وكبيرة، ويفرض هيمنته على الشعوب الروسية بقوة الجيش والأجهزة الأمنية، مع السيطرة الحديدية على الموارد والاقتصاد وعلى وسائل الإعلام والتعليم. المهم أنه بسبب من كل ذلك لا أحد في روسيا يستطيع أن يسأل بوتين، ماذا يفعل، ولا إلى أين يأخذ روسيا، أو ما هو ثمن ذلك، أو ما تداعياته على روسيا واقتصادها وأمنها.

وعلى الأرجح فإن حركة روسيا – بوتين باتجاه سوريا ليست مدروسة، ولا تتقصد تحدي الإدارة الأميركية، لاسيما مع هذا الإصرار الروسي على استدراج اجتماع قمة بين الرئيسيْن بوتين وأوباما في نيويورك، أواخر هذا الشهر، ومع تكرار الحديث عن حرص روسيا على التنسيق مع الولايات المتحدة في الحرب ضد “داعش” وأخواتها.

في غضون ذلك، وفي ما يتعلق بحدود الخطوة الروسية، ربما يجدر الانتباه إلى أربع مسائل.

الأولى، أن الولايات المتحدة الأميركية تكاد تكون مستنكفة عن التدخل في الرمال المتحركة للشرق الأوسط، وأن هذا الاستنكاف، بالذات، هو الذي يشجع روسيا – بوتين على إبداء الجرأة على ملء الفراغ؛ بمعنى أن الأمر منوط بالهامش المتاح أميركيا لروسيا.

والثانية، أن الولايات المتحدة في هذه السياسة ربما تتوخى إغراق روسيا، أو توريطها، في المستنقع السوري، في تكرار للتجربة الأفغانية (وربما أنها تتعمد ذات الشيء مع إيران).

والثالثة، أن التورط الروسي في سوريا سيحمّلُ الاقتصاد الروسي أعباء كثيرة، في ظرف تتراجع فيه موارد روسيا المالية مع هبوط أسعار النفط، ما يوقعها في مشكلات كبيرة تذكّر بواقعة انهيار الاتحاد السوفياتي السابق.

والرابعة، أن روسيا غير قادرة على تحدي الولايات المتحدة، لا اقتصاديا ولا تكنولوجيا، ولا عسكريا، بدليل أن روسيا، ذاتها، تشكو من بعض أشكال الحظر الذي تفرضه الولايات المتحدة عليها.

القصد أن روسيا – بوتين يمكن أن تقوم بأشياء كثيرة في ظل غياب أو انكفاء الولايات المتحدة، ولكن ما هي عواقب ذلك؟ وإلى متى؟

كاتب سياسي فلسطيني

8