الدجاجة الاستعراضية

الجمعة 2017/06/09

وفقا لأبراهام بوشوفال، الفنان الفرنسي المعاصر، أفضل وسيلة لمعرفة وفهم أنواع الحياة المُختلفة التي تعيشها الكائنات الحيّة غير الإنسان، هي محاكاتها وليس مراقبتها ودراستها عن بعد، وقد نتجت عن نظريته مجموعة من ممارساته الفنية المعاصرة التي تستحق الوقوف عندها، ليس لأهميتها بحد ذاتها، بل بسبب إشارتها إلى سلسلة من خصائص إنسان هذا العصر.

أولاها رغبته في الفرار من قدره كإنسان يعيش في زمن بالغ التوحش، وثانيتها الجوع إلى الظهور والشهرة مهما كان الثمن، وثالثتها تظاهره بالاهتمام بكائنات أخرى، ما هو في قرارته إلا أنانية تهدف إلى تجميل الصورة الذاتية، ورابعتها، وربما الأهم، تأكيد أننا نعيش في زمن يعتبر المُحاكاة عملا بطوليا موازيًا لبطولة العيش في واقع يختبره، وغالبا على مضض، الآخرون.

ومن الممارسات التي قدمها الفنان إلى جمهور متحف “قصر طوكيو” في باريس المُتعطش لكل خارج عن المألوف، الهروب من السأم، الذي هو أيضا حالة معاصرة يصعب الفرار منها.

ومن تلك الممارسات أيضا ما حدث سنة 2014، حين قضى بوينشيفال نحو أسبوعين داخل دب محنط ومفرغ من الداخل في متحف الصيد والطبيعة في باريس، وتناوله خلال تلك الفترة للديدان والخنافس ليحاكي النظام الغذائي للدببة، كما قضى أسبوعا في حفرة تحت الأرض في مدينة مرسيليا.

ونذكر أيضا تجربته الفنية التي أطلق عليها عنوان “صخرة”، وتطلبت منه المكوث داخل صخرة جيرية كبيرة مفرغة من الداخل لتناسب جسمه.

ويستوي عمله الفني الجديد الذي قدمه نهاية شهر مايو الماضي من هذه السنة على قراره، بأن يحاكي حياة الدجاجة من خلال الرقود على عشر بيضات، وقد أكد للصحافة أن لهذا العمل بعدا إضافيا شديد المعاصرة، إذ يعيد طرح فكرة “التحولات الجندرية” والتساؤل حول مدى إمكانياتها.

وأكدت الأخبار الصحُفية التي نشرت عن تجربة الفنان الجديدة، أنه سينفذ العمل من خلال عدم استخدام أي مؤثرات خارجية سوى حرارة جسمه الطبيعية وعيشه داخل قفص زجاجي، يمكن زائري المتحف من رؤيته، لحين فقص البيض، بدلا من الرقود على البيض مباشرة.

ووضع بوينشيفال كرسيا به وعاء للبيض تحت مقعده، كما قرر تناول أطعمة ترفع درجة حرارة الجسم، مثل الزنجبيل، ليؤمن الحرارة الكافية التي يحتاجها البيض، وكان طعامه قريبا منه ليسهل له تناوله، أما بالنسبة إلى قضاء الحاجة فلم يكن الأمر سهلا على بوينشيفال، إذ استخدم صندوقا تحته لقضاء حاجته.

كما لم يكن الفنان قادرا على النهوض والابتعاد طويلا عن البيض لأكثر من نصف ساعة كي يفقص البيض بصورة ناجحة، وهي الفترة التي كان يستغلها لتناول وجباته على مرأى من الجميع.

وتضيف الأخبار أن الفنان توقع استمرار عملية المُحاكاة إلى ما لا يتعدى 26 يوما، وهي المدة التي قبع فيها الفنان/الدجاجة على البيض مباشرة قبل أن يقول للصحافة والجماهير المُهتمة بفنه بوجه عام “سأصبح دجاجة”.

وبالفعل، تحول أبراهام إلى دجاجة استعراضية عملاقة، وبعد مرور المهلة المحددة التي استمتع فيها زائرو المتحف برؤيته وهو يلقي النظرة على البيض بين الفينة والأخرى لكي يطمئن قلبه عليها، خرجت الفراخ من البيض بكامل صحتها البدنية.

بعد أن نجحت تجربة المحاكاة وبلغ العمل الفني الاستعراضي نهايته المرجوة، السؤال الذي يطرح نفسه: هل استطاع الفنان فعلا أن يكون دجاجة وأن يكون دبا وصخرة دون أن تلتبس عليه شؤون وشجون الكينونة ليعيش صراعا لا تحمد عقباه؟

بمبادرة لامعة منه قد يكون ما حماه من تداعيات تجارب المُحاكاة لفّ الفنان جسده ببطانية عازلة، صممها الفنان الكوري سيجلوي لي، للإبقاء على ارتفاع درجة حرارة جسده، ولم يرتد زيّ دجاجة بمنقارها وريشها وأرجلها، وإلا لكانت التجربة خطيرة بصدقها تحاكي المظهر الخارجي محاكاتها المزعومة للواقع.

ناقدة لبنانية

17