الدجاجة سيدة معرض فني في الطبيعة المفتوحة

الفنان كوين فان ميخيلن يقيم مشروعا يضم أعماله التي تعكس رؤيته الفلسفية وتعتبر "الدجاجة الكوزموبوليتانية" من الموضوعات الرئيسية التي اتخذ منها محورا لفتح نقاش حول التعددية والهوية.
الاثنين 2019/08/19
الدجاجة الكوزموبوليتانية

جنك (بلجيكا)- تستريح بعض الحيوانات الألبكة (حفيد الجمل) أمام بوسترات عملاقة لصور دجاج، بينما ترعى بعض تلك المجترات إلى جوار حلقة نقاش.

يعرف هذا المكان غير المألوف على الإطلاق باسم “لابيوميست”، ويقع بمدينة جنك البلجيكية، هناك أقام الفنان كوين فان ميخيلن مشروعه على مساحة 24 فدانا، ليضم أعماله التي تعكس رؤيته الفلسفية والتي تجمع بين الفنون والعلم، وتعتبر “الدجاجة الكوزموبوليتانية” من الموضوعات الرئيسية، والتي يتخذ منها الفنان محورا لفتح نقاش حول التعددية والهوية.

يقول فان ميخيلن (53 عاما) “المشروع يعكس أفكاري، والتي تتركز في ثلاثة محاور: فني ومؤسساتي ومزارعي. وتتأثر الجوانب الثلاثة وتؤثر في بعضها البعض، وبالكاد يمكن التمييز بين واحد والآخر، وهو ما يمكن التحقق منه في (لابيوميست)”.

المكان الذي يتسع لـ24 ملعبا لكرة القدم، خصص فان ميخيلن جزءا للفنانين تقدر مساحته بنحو 5 آلاف متر مربع أطلق عليه “البطارية”، وجزءا آخر الـ(لابوفو) ويضم مسرحا رومانيا لعقد حلقات النقاش العلمية والفنية والفلسفية، يعلوه سطح يتيح رؤية بانورامية “للحديقة الثقافية الكوزموبوليتانية”، والتي تضم منحوتات من تصميم فان ميخيلن.

هناك أيضا حظائر دجاج، ونعام، وجمال وألبكة، مصدرها جميعا مزارعه.يتمحور تفكير وفنّ فان ميخيلن حول الدجاج في المقام الأول، وقد حقق الفنان البلجيكي شهرة لا بأس بها خارج بلاده، نظرا إلى أنه يعمل منذ عام 1990 على مشروعه “الدجاجة الكوزموبوليتانية”، بهدف تربية دجاجة تكون لها هذه المواصفات، ولهذا أخذ يربي دجاجا وديوكا من بلاد كثيرة، مستعينا بخبراء في الهندسة الوراثية وعلماء الفيروسات إلى أن نجح في تلقيح 24 جيلا من الدجاج.

يقول فان ميخيلن إن دجاجاته لديها خلايا حامض نووي تصل إلى 30 ألف خلية بزيادة ثلاثة أضعاف عن الدجاج العادي. يعتبر الفنان البلجيكي أن الدجاجة صورة استعارية للحياة ومجاز لنقد مجتمعنا، فالدجاج الذي ينتمي إلى سلالات نادرة، يمثّل بالنسبة إليه ظاهرة الثقافة الأحادية وما يستتبعها من عواقب، مثل التلاعب بالأخبار والأمراض وغيرها من المشاكل.

ويدرك فان ميخيلن أن مشروعه لتربية الدجاج لا يقف على أرض صلبة، وهو مستعد للنقد من جانب المدافعين عن حقوق الحيوان، ورده هو، “الأمر لا يتعلّق بتحسين السلالات، بل يركّز على التنوع البيولوجي والتعايش والهوية. ويؤكد الفنان أنه لم يذبح دجاجة قط وأن جميع الدجاجات تموت بصورة طبيعية في حظائرها”.

على مرّ السنين، لقي مفهومه عن الدجاجة الكوزموبوليتانية صدى واسعا في البلدان النامية، ومن ثم بدأ يعمل مع المعهد الإثيوبي للزراعة والمعهد الدولي لبحوث الثروة الحيوانية في عام 2016 في مشروع “عوالم الحضانات”، ويقوم على تلقيح دجاج وديوك إثيوبية مع دجاج فان ميخيلن الهجين، لتفريخ سلالات محلية أكثر قوة وأكثر خصوبة.

تعتبر إثيوبيا من الدول التي ليس لها منفذ على البحر، وهو من أعلى دول أفريقيا كثافة سكانية، ومن أكثر دول القارة فقرا. يتذكر فان ميخيلن “لقد كانت واحدة من أفضل لحظات حياتي”، حيث تمكّن من أن يرى هناك إحدى أفكاره تصبح حقيقة وهي: أن الفن يمكن أن يجعل العالم مكانا أفضل.

يذكر أن مؤسسة “لابيوميست” تعدّ سادس مؤسسة ينشئها فان ميخيلن، ففي 2010 أنشأ مؤسسة “البيضة المشاءة”، بهدف إجراء أبحاث حول الخصوبة في دول العالم الثالث، وفي 2011 افتتح أول “جامعة مفتوحة للتنوع”، لتكون مركزا للأبحاث حول التنوع البيئي.

يعمل فان ميخيلن على مدار أكثر من 20 عاما، من أجل الرقي بطيوره الهجينة إلى مرتبة العمل الفني بكل الطرق الممكنة. وتشمل أعماله الرماد والبيض والحيوانات المنوية.

كما قام بتحنيطها وتشريحها، وتخليدها في أعمال تصوير بالألوان الزيتية على قماش، ويعرضها في البيناليات والمتاحف في جميع أنحاء العالم. تزين موقع “لابيوميست”، صورتان لدجاجاته الهجينة في حظيرة تربية الألبكة.

وتعني “لابيوميست” شيئا مثل الحياة المختلطة، وتم إنشاء المؤسسة بالتعاون مع بلدية مدينة جنك (66 ألف نسمة)، حينما كان العمدة فيم درايز يبحث عن وسيلة يستغل بها الأرض المقام عليها المشروع حاليا، والتي كانت حديقة حيوان حتى عام 1997، أقيمت فوق منجم “زفارتبرج” الذي أغلق نشاطه عام 1966، ولكن توجد بمقر إدارة “لابيوميست” شواهد تذكر بتاريخ المنجم القديم، وتعرض إلى جوارها أعمال فان ميخيلن.

بلغت تكلفة المشروع 20.6 مليون يورو ما يعادل 22.9 مليون دولار، بلغت نسبة مساهمة الفنان منها 8 ملايين يورو، بالإضافة إلى مساهمات عدد من المؤسسات والهيئات الحكومية والتي بلغت 4.6 مليون يورو، علاوة على 8 ملايين يورو أخرى قدمتها البلدية. يؤكد العمدة درايز أن “لابيوميست” تناسب جنك تماما. يذكر أنه قديما كان المنجم يوفر فرص عمل لجنسيات مختلفة: إيطاليين وإسبان ويونانيين وبولنديين وبرتغاليين ومغاربة. 

20