الدخلاء يفسدون مهنة طب الأعشاب في المغرب

اكتسبت الشعوب من تجاربها المتراكمة خبرة في مداواة الأمراض بالأعشاب، وصارت لها دكاكين في الأسواق، وفي المغرب عرف العشابون في المدن الرئيسية الكبرى، لكن الدخلاء على هذه المهنة التي تتطلب خبرة ومعرفة أدخلوا عليها الشعوذة والدجل طمعا في ربح أكثر.
الاثنين 2017/10/02
أدوية مجربة

الرباط- تنتشر في مدينة الرباط وفي الكثير من المدن المغربية، كالدار البيضاء وفاس وطنجة ومراكش دكاكين بيع الأعشاب وأجزاء الحيوانات المجففة، كالجلود وأعضاء محنَّطة من الزواحف.

ويشرف على هذه الدكاكين العشّاب الذي يقدّم نفسه العارف بالأمراض ودوائها بالأعشاب، مؤكدا للزبائن أنَّ عمله هو ما يسمّى بـ”الطبّ البديل” لترغيبهم بشراء ما لديه من بضاعة يسميها الدواء النافع. وما إن تدخل بقدمك اليمنى أحد هذه المحلات بالسويقة بالرباط، حتى تفاجأ بجلد أفعى ضخم مُجَفَّف.

ويشير لك العشَّاب إلى نقشة باهتة، تبدو على حراشف جلد الأفعى، قائلا إنَّ الأفعى من نوع الأناكوندا، وطولها ستة أمتار، ويؤكد لك أنَّ ما تراه فوق الحراشف من نقش هو لفظ الجلالة الله، ليوحي إليك بشكل غير مباشر بقداسة ما تراه، ونزاهة عمله في علاج المرضى.

في المحل تجد غير جلد الأفعى، كأسنان وأجزاء مجففة من الضَّبّ والثعالب والسلاحف والهدهد والقنافذ والفئران وحيوانات أخرى. ولكل جزء وظيفة علاجية لمرض من الأمراض التي أعيت من جاء يبحث عن علاج بالأعشاب كالضعف الجنسي والزهري والسرطان والتهابات القولون والبرص والحساسية وداء الثعلبة والسل والسكري وضغط الدم المرتفع وغير ذلك.

العديد من الأعشاب تفقد فائدتها، وتصبح مضرة للصحة حين تخزن في أماكن غير صالحة للخزن

علاجات وهمية

يتعدَّى دور بعض العشَّابين في معالجة أمراض الجسد بحل المشاكل لبعض زبائنهم، كمعالجة الحظ السيء، وكسب قلب المدير في العمل، وإعادة الحبيبة المفتونة بشخص آخر، وإمالة قلوب المسؤولين للذي يريد الحصول على منصب وظيفي.

تجارة هذه الدكاكين في ما تبدو تقتصر على الأعشاب، كالشّيح والفليو وعشبة الحريقة والدغموس واليزير وحبة الحلوى واللويزة والغار والشيبة والسالمية ومليسة وعرق السوس والحبة السوداء، وغيرها، ولكن بعض هذه المحلات في الحقيقة تعدَّت مجال طب الأعشاب إلى الشعوذة، والنَّصب على الزبائن بعلاجات وهمية لا علاقة لها بالطبّ البديل.

فجوزة الطيب لدى هؤلاء لإعادة الحظ، وحرق ورق الغار يصلح الزوجين المتخاصمين، وعظام الهدهد لطرد الجان، واستخدام جزء من الضَّبّ لخلق المشاكل في بيوت الأعداء، وحدوة الحصان لكسب قلوب الجميلات، ووبر الجمل لإشاعة الخراب بين الزوج وامرأته الثانية. وحرق الفاسوخ لإبطال مفعول السحر الضار، وغلقة الذئب لطرد العين الحاسدة، وكل جزء من هذه الأجزاء له ثمنه، وتتراوح الأسعار بين 50 و 3 آلاف درهم (الدولار يساوي 9.6 دراهم).

ومن ضمن اختصاص العشابين بيع أنواع من الزيوت للتداوي بها من أمراض جلدية مختلفة، كالحساسية والإكزما، وأغلب ما موجود في محلاتهم كما يقول العشَّابون “إذا لم يُفد فهو لا يضر”.

وهذه المقولة ليست صحيحة دائما، فهم لا يعرفون غير طريقة واحدة لاستخلاص ما في الأعشاب من فائدة تتمثل بوضعه في ماء ساخن، وتعاطي العصير الناتج من ذلك المحلول. بينما “ليس كل المفيد في هذه الأعشاب يذوب في الماء الساخن أو في الماء البارد بل يذوب في سوائل كيمائية أخرى”.

ويوضح يونس أكديرة صيدلي بإحدى المختبرات الدوائية بالدار البيضاء هذا، قائلا “هناك مخاطر لبعض الأعشاب لما يوجد فيها من أجزاء سامة ينبغي إزالتها قبل أن يستخدمها المريض، كما أن هناك الكثير من المواد المفيدة في هذه الأعشاب تتحلل في الإيثانول ــ الكحول ــ وفي البروبانون، لاستخلاصها لعمل الدواء الناجع منها. ومكوّنات هذه الأعشاب لا تذوب لا في الماء المغلي ولا في البارد”.

دواء لكل الأمراض والأسحار

ويتساءل يونس “هل أن كل العشَّابين يعرفون تمييز الأجزاء السامة من هذه الأعشاب عن أجزائها المفيدة؟ لا أظن ذلك، لأنَّ بعض الذين جاؤوا إلى مهنة بيع الأعشاب، والتداوي بها هم من غير المختصّين بل اعتمدوا على معارف بسيطة لممارسة هذه التجارة”.

ويستطرد أكديرة “يقولون إنَّ ما يبيعون من أعشاب هو الطبّ البديل، وهذا خطأ، لأنَّ الطبّ البديل ليس المعالجة بالأعشاب فقط بل هناك الوخز بالأبر والمساج، والحجامة واستخدام الزيوت العلاجية والحمامات الرملية والمعدنية والرياضات النفسية والبدنية، وغيرها”.

ويقول حميد داوي، موظف في إدارة المياه والغابات ومحاربة التصحّر عن زراعة هذه الأعشاب الدوائية “أغلب هذه الأعشاب تنبت بشكل طبيعي على سفوح جبال الريف، وفي الأطلسين الكبير والصغير. وتضمُّ منطقة الصحراء وشرق المغرب ربع الإنتاج العشبي. وتشتهر مناطق عشبية كثيرة في مراكش والصويرة وفاس وزاكورة وترادونت وأكادير وغيرها”.

ويضيف داوي “يوجد في المغرب أكثر من 4 آلاف نوع من الأعشاب، ولكن حاليا لا نستفيد إلا من 150 نوعا فقط. لأنَّ القسم المتبقي أما يكون ساما، ولا يمكن عزل المفيد منه بالوسائل البدائية المتوفرة حاليا لدى العشَّابين، وتحتاج إلى مختبرات لتحليلها والاستفادة منها كمواد طبية وعطرية وتجميلية وغذائية”.

تقول السيدة رضائي (65 سنة) ربة بيت، “من النادر أن نذهب إلى الطبيب أو نشتري دواء من صيدلية، لقد تعلمنا التداوي بالأعشاب، فللزكام نأخذ خليط عصير الليمون مع العسل. والصداع نعالجه بأخذ اللويزة، نغلي الماء، ونضع ورق اللويزة فيه لبضعة دقائق. ونشرب الخليط بعد ذلك في كؤوس كالشاي”.

وتضيف “بالطبع أنا أعرف أي عشَّاب أقصد، فليس كل العشَّابين من الذين يفهمون عملهم بشكل جيد. أما طرد العين الحاسدة، وأعمال السحر، فيبطلها مسحوق الفاسوخ، وسائل التنظيف الجافيل”.

من ضمن اختصاص العشابين بيع أنواع من الزيوت للتداوي بها من أمراض جلدية مختلفة، كالحساسية والإكزما، وأغلب ما موجود في محلاتهم

وتقول رضائي “نحن نفعل ما فعلته أمهاتنا وجدَّاتنا، فنعمل الحجامة حين يؤلمنا عضو من الأعضاء، لإستخراج الدم الفاسد. وفي حالة آلام المفاصل نستخدم خليطا من زيت القرنفل واللوز وزيت الزيتون، وفي حالة أوجاع الظهر نستعين بزيت الأركان. وكل ذلك لا يكلف مالا كثيرا، أذهب إلى العشَّاب، وأوضح له مكان الألم، وهو صاحب خبرة، فيحدد لي الدواء اللازم، وبالفعل أشفى من آلامي بعد فترة قصيرة.

وهذا لا يكلفني سوى مبلغ بسيط بين 20 و50 درهما، لكنني لو ذهبت إلى الطبيب، وكتب لي دواء، فسيكلفني هذا مبلغا كبيرا، قد يصل في بعض الحالات إلى 500 درهم، دون أجرة عيادة الطبيب بحدود 300 درهم. وهذا عبء مالي علينا، لدينا ثلاثة أولاد يدرسون، وزوجي موظف بسيط، والراتب محدود. كما أنَّ علاج الصيدلية في بعض الأحيان لا يأتي بالنتيجة المرجوة”.

لكل داء دواء

التداوي بالأعشاب، له امتداداته في عمق التأريخ المغربي، فقد كان الأجداد يعالجون مرضاهم بالأعشاب والحجامة، والكيّ، وغير ذلك من وسائل كانت متاحة في القرون الوسطى. وكان وقتها العلاج يستمر لفترات طويلة حتى تظهر نتائجه الإيجابية.

وأخذ الغربيون منذ القرن الثامن عشر يطوّرون آليات العلاج بتقنيات حديثة لتركيز الدواء، وجعله فعّالا وسريعا، وهذا أحدث انقلابا في رؤية الناس وتوجهاتهم. وفي قرننا الحالي توجد عودة لطبّ الأجداد بعد أن توفرت التحليلات المخبرية لأنواع الأعشاب. وتم جمع معرفة شاملة بهذا النوع من العلاجات، وأيضا للهروب من كلفة العلاج المرتفعة، بعد أن ارتفعت أثمان الدواء وأجرة الطبيب.

يقول مهدي عدنان (45 سنة) صيدلي في صيدلية أعشاب بالنهضة في الرباط، “ليس كل العشَّابين من أهل الخبرة، لذا تكون وصفاتهم فيها خطورة على حياة المريض، الذي جاء يستعين بهم. صحيح أنَّ الله تعالى جعل لكل داء دواء، ولكن ليس في كل الأحوال نهتدي إلى العشب الصحيح في معالجة أعراض مرضية.

وأنا أعرف سيدة تعاني من آلام في الأمعاء فاعطاها العشَّاب خليطا من عشبي الفليو والمليسة، فأصيبت السيدة، بغثيان شديد وتسمّم كاد يؤدي بحياتها، لولا أن ولدها أسرع بنجدتها وطلب الإسعاف الفوري، لنقلها إلى إحدى المصحات بفاس، وأنقذت المرأة”.

وأضاف عدنان “العلاج بالأعشاب لدى الجاهلين من العشَّابين، كالسهم يصيب مرة ويخطئ مرات. ولكن في هذه الصيدلية نبيع عبوات أدوية مصنّعة من مواد عشبية، وهي مجازة من قبل مركز السلامة الصحية بالمغرب. وطب الأعشاب بالمغرب زهيد الثمن، ويعالج مرضاه بكفاءة، ولكن بعض الدخلاء يحولونه إلى شعوذة ودجل للأسف”.

وفي هذا الصدد يقول أنور عيّاد (35 سنة)، باحث في المركز الوطني لمحاربة التسمّم بالدار البيضاء، “من المعروف أنَّ أكثر من 12 ألف عشَّاب يعملون في دكاكين لبيع الأعشاب في عموم المملكة، ولم ينل من هؤلاء إجازة العشَّاب سوى 900 عشّاب.

عقاقير من الشرق والغرب

والجهل بمهنة العشَّابة يتسبب في الكثير من حالات الغش التجاري، التي تقع في نوعية الأعشاب التي يتم بيعها عن طريق هؤلاء الدخلاء على المهنة، فهي إما أنْ تخلط مع نوعيات أخرى أقل ثمنا وإما مع مواد غريبة مؤذية لمجرد زيادة الوزن وتحقيق الربح عند البيع”.

ويستطرد “وهذا ما نلاحظه في جولاتنا التفتيشية خصوصا على باعة التوابل المطحونة، والأعشاب الأخرى، التي تستعمل كمطيّبات للطعام. كما إنَّ العديد من الأعشاب تفقد فائدتها، وتصبح مُضرّة للصحة حين تخزن في أماكن غير صالحة للخزن، وفي زوايا مظلمة، وبذلك تكون معرضة للرطوبة، ودرجة الحرارة، والحشرات”.

ويضيف عيّاد “ولكل عشبة، وحتى التوابل عمر معيّن، فهي تفقد فائدتها بعد فترة قصيرة من طحنها حتى لو وفرنا لها مخازن معدلة الحرارة والرطوبة، وعزلناها عن التأثيرات الطبيعية من هواء وضوء”.

ويقول نجيب أحرار (30 سنة) عشَّاب سابق، “اضطرتني الظروف إلى أن أعمل مساعدا مع عشاب قريب لي لعدة سنوات وتعلمت الكثير من هذه المهنة، وهي بحق مهنة لها أصولها وعلومها الرصينة. وكانت تأتي الكثير من الحالات المرضية التي يطلب فيها العشَّاب من المريض التوجه إلى الطبيب لأخذ الدواء المناسب. لأنَّ الدواء العشبي لا يلبّي متطلبات العلاج”.

ويضيف أحرار “كما عرفت أنَّ التداوي بالأعشاب يتطلب مدة أطول للعلاج أكثر بكثير من دواء الصيدلية، بالرغم من كفاءته وكونه بلا مضار جانبية كالدواء الكيميائي. والسبب أن الدواء الكيميائي مركز، ويعالج الداء بشكل مباشر، بينما الأعشاب تعتمد العلاج البطيء غير المؤذي لبقية أجهزة الجسم. وإذا صادف المرض تطورات سريعة، فالعلاج بالأعشاب لا يستطيع اللحاق بالمرض، خصوصا إذا استفحل في صاحبه وأصبح متقدّما”.

ويتابع أحرار قائلا “مهنة العشَّاب تتطلب شخصا له دراية كبيرة وتأثير على مرضاه. أي أنَّه يحتاج إلى كاريزما خاصة، وحكمة تجعل المريض يقتنع بما يقدّمه العشَّاب له من علاج لكي يكتمل مفعول تأثير الدواء العشبي.

والكثير من الزبائن يخجلون في البداية عند الطلب منهم توضيح حالتهم المرضية خصوصا، إذا كانوا يعانون من الضعف أو البرود الجنسي أو من مرض الزهري، وعلى العشَّاب المتمرس طمأنتهم، ودفعهم للثقة به. وعليه توضيح حالتهم المرضية، وطريقة استخدام العلاج؛ وفائدة كل عشب يبيعه لهم، وطريقة الاستفادة منها”.

20