الدراجات النارية في بغداد تسرع نحو خطر الموت

منذ أول اختراع للدراجة النارية كنقل آلي شخصي في عام 1893، مازالت هذه الآلة خالدة تواكب العصر ليس على مستوى السرعة والتقنية فقط، بل على مستوى الخطورة أيضا، حتى اعتبرت شعار العصر في حوادثها المرورية القاتلة، وفي العراق تزداد الحوادث كل يوم جراء السياقة المتهورة وعدم الالتزام بقوانين وإشارات المرور وخاصة من قبل الشباب والمراهقين.
الأربعاء 2017/01/18
الفوضى الخلاقة للمخاطر

بغداد - لجأ العديد من سكان بغداد إلى ركوب الدراجات باعتبارها وسيلة نقل عملية تعفيهم من عناء وسائل النقل العمومي أمام الازدحام المروري، لكن هذه الوسيلة تشكل خطرا على المارة والسيارات مع تهور الشباب الذين يقودون هذه الدراجات بسرعة جنونية دون مراعاة لقوانين السير واحترام الإشارات المرورية.

ويقول البغداديون إن الفوضى عمت الشوارع في السنوات الأخيرة، وصار السائقون لا يحترمون الإشارات المرورية التي أصبحت نادرا ما تعمل، إضافة إلى أن الناس صاروا يسوقون في الاتجاهات الخاطئة، وهو ما يعطل حركة المرور ومن ثمة يقضي الناس ساعات طويلة للوصول إلى مقرات عملهم.

أمام هذه الفوضى اختار الآلاف من البغداديين استعمال الدراجات النارية، خاصة وأنها أرخص من السيارات وأقل تكلفة في استهلاك الوقود، لكنها زادت من الازدحام المروري في شوارع العاصمة.

ويصرّ البغداديون على ركوب الدراجات النارية أيضا، لأنها تساعدهم في اجتياز نقاط التفتيش وتجعلهم لا يواجون الشكوك التي يواجهها أصحاب السيارات، فرجال الأمن يستطيعون مشاهدة سائق الدراجة النارية دون عناء، وتتم عملية تفتيشه بسهولة على عكس السيارات التي تأخذ وقتا طويلا قبل أن تعبر الحواجز.

يقول حسن جواد، البالغ من العمر 35 سنة، “أحب دراجتي النارية، فهي سريعة الخروج من الازدحامات المرورية، وأستطيع أن أستدير بها حول السيارات أو أعبر بها على طريق المشاة بسهولة”.

ويرى جواد، الذي اشترى دراجته بـ750 دولارا، “أنها تستحق كل دولار دفعته فيها، ليس فقط لأنها تسمح لي بالمرور عبر الازدحامات بسرعة وخفة ودون تأخير، بل لأنها تجعلني أيضا لا أواجه الشكوك التي يواجهها أصحاب السيارات من قبل الحراس في نقاط التفتيش”.

ويؤكد جواد أنه يحب دراجته لأنه يشعر بالمتعة والهواء يضرب وجهه ويحرك شعره، فيما يشعر سائقو السيارات بالضيق ويختنقون بالتلوث في ساعات الذروة.

نقل مشترك

ومن أسرار البغداديين من وراء الإقبال على اقتناء الدراجات النارية هي أن ثمنها يعتبر زهيدا أمام ثمن السيارات التي يتراوح سعرها بين 20 ألف دولار و30 ألف دولار إذا كانت جديدة، فملكية الدراجات تبعث الانطباع بضعف حال مالكيها في مدينة أصبح امتلاك المال فيها مصدرا للخطر أمام ازدياد الجماعات المسلحة وعمليات الاختطاف والمطالبة بالفدية.

ويقول حسين سعد، صاحب دراجة نارية، “إن الناس لا يريدون أن يعرف الآخرون أن لهم مالا كثيرا، لأن هناك جماعات مسلحة في كل مكان يمكن أن تختطف أصحاب السيارات أو تسرق سياراتهم خاصة إذا كانت جديدة”.

وتنتشر مراكز بيع الدراجات النارية في منطقة الصدرية وشارع فلسطين ومنطقة “الرمبة” في بغداد، يقول مصطفى الذي افتتح محلا للدراجات سرعان ما ازدهرت تجارته، إن سبب انتشار الدراجات النارية يعود إلى سهولة ركوبها وحركتها بالمقارنة مع السيارات، مضيفا أن هذا الانتشار ساهم في ظهور شبكة أخرى موازية تتمثل في محلات إصلاح الدراجات وبائعي أدواتها الاحتياطية والإكسسوارات الإضافية.

ويقول مصطفى إن صورة الازدهار بدأت تتراجع، لأن رجال الشرطة بدأوا يطبقون القوانين التي تفرض على مالكي الدراجات الحصول على أرقام ورخص تسجيل تعد مكلفة بالقياس إلى أسعار الدراجات ذاتها.

وبدأ رجال الشرطة في منع الدراجات الصغيرة والبطيئة في الشوارع، قائلين إنها غير آمنة، فيما تتصاعد حوادث الدراجات النارية باستمرار.

من جانب آخر، يقول أمنيون إن الانتحاريين بدأوا يلجأون إلى استخدام الدراجات في عمليات التفجير، الأمر الذي بدأ يدفع رجال الشرطة والجيش إلى توقيف وتفتيش بعض الدراجات وسائقيها.

ويشير أحمد الجبوري، وهو ضابط مرور في بغداد، إلى أن الجماعات الإرهابية، استغلت فوضى امتلاك الدراجات النارية والكثافة العددية لها في الشارع العراقي للقيام بعمليات انتحارية، مما اضطر مفارز الأمن وشرطة المرور إلى الحيطة من راكبي الدراجات بعدما كثرت التفجيرات.

مخاطر وحوادث

تبدو الدراجات النارية حلا سحريا للتنقل في شوارع بغداد المزدحمة خاصة في أوقات الذروة، لكنها تشكل في المقابل خطرا يوميا يحدق بالبغداديين بسبب عدم معرفة سائقيها بالطريقة الأفضل لتجنب الحوادث، إذ يصبح همهم كيفية تجاوز الجميع لأجل الوصول إلى المكان الذي يريدونه، وما يترتب على ذلك من عدم الالتزام بقوانين السير واحترام إشارات المرور، فضلا عن القيادة المتهورة للشباب المولعين بالسرعة والاستعراض.

ولا تنحصر مخاطر الدراجات النارية في الحوادث المرورية ولكن انتشرت ظاهرة التحرش بالفتيات وإزعاجهن ثم الفرار، إضافة إلى انتشار ظاهرة السرقة بالخطف للمحافظ النسائية.

وبات انتشار الدراجات النارية يشكل ظاهرة اجتماعية ومرورية سيئة بعدما حصدت حوادثها أرواح الكثيرين وتسببت في إعاقات متفاوتة للبعض الآخر.

وتقدر الجهات المختصة أن عدد الحوادث المسجلة يقدر بالآلاف سنويا، يتوفى على إثرها المئات من الأشخاص، وذلك راجع حسب رأيهم إلى أن سائقي الدراجات في بغداد لا يلتزمون بمعايير الأمان والسلامة، في حين يقول هواة قيادة الدراجات إن الأسباب الحقيقية لهذه الحوادث تعود إلى افتقاد العاصمة العراقية إلى أماكن وساحات مخصصة لقيادة الدراجات.

"الماطور كتال صاحبه" مثل عراقي يشير إلى أن كل دراجة سوف تقتل راكبها عاجلا أم آجلا ما لم يلتزم الحذر

ويؤكد مسؤولون في مستشفيات بغداد أن معظم الحوادث التي تتسبب فيها الدراجات النارية لراكبيها، لا تسجل في المستشفى بسبب التكتم عليها من قبل أصحابها، خصوصا تلك الحوادث التي تكون النساء والأطفال ضحايا لها، مضيفين أن النساء المصابات لا يذكرن غالبا حقيقة الإصابة مدعيات أن سبب الإصابة السقوط من السلم أو غيره من الحوادث العرضية، في الوقت الذي لا تدخل فيه حالات أخرى المستشفيات وتفضل العلاج خارجها.

تقول أم هاشم إنها رفضت مرارا مساعدة ابنها على شراء سيارة خوفا عليه من مخاطر الطريق، لكن هاشم قرر أن يشتري بالمال الذي ادخره دراجة نارية صينية الصنع، وحصل ما لم تتمنه أم هاشم بعدما طلب ابنها الأصغر ياسر من أخيه أن يسمح له باستعمال الدراجة الجديدة التي انقلبت به وألحقت به أضرارا وجروحا ومن حسن الحظ كانت غير خطيرة.

وفي فترة التسعينات من القرن الماضي فرض نظام المرور العراقي السابق على سائقي الدراجات رخص سياقة، وترقيم المركبات، لكن تطبيق القانون لم يحدث بصورة جدية على أرض الواقع بعد 2003، ما رفع من مستوى الفوضى في القيادة وارتفاع حوادث المرور التي يدفع ثمنها في الغالب المارة أو المصاحبون لسائقي الدراجات وعادة ما يكونون من النساء أو الأطفال.

إياد، صاحب العشرين عاما، تعرض لحادث بدراجة أقعده سنة كاملة في الفراش وتسبب له في عاهة دائمة في ساقه اليمنى، لكن شغفه بالدراجات النارية حال دون ابتعاده عنها، فظل متعلقا بها وبمحركها، فأصبح متخصصا في إصلاح كل الدراجات النارية.

يقول إياد “اشترى والدي دراجة نارية يابانية وأنا في سن الخامسة عشرة، وكان والدي حريصا على ألا أستخدمها خوفا علي، لكنني كنت أتحين فرصة نسيانه المفتاح في المحرك، وحصل ذلك مرة، فانتهزت الفرصة وسرقتها ثم شغلتها بعيدا عن المنزل وانطلقت بي بأقصى سرعة، وحين أردت التحكم فيها تعطل مكبس الوقود، وفي الشارع كدت أصطدم بأحد المارة، لكنني انعطفت نحو الرصيف، ولم أتوقف حتى ارتطمت ودراجتي بواجهة أحد المحلات، الأمر الذي أدى بي إلى هذا الحال.. بعد ذلك ابتعدت كليا عن قيادة الدراجات النارية وخلال فترة النقاهة التي قضيتها بعد الحادث، تعلمت وبشكل سريع إصلاح الدراجات النارية، حيث كان والدي يوكل لي مهمة صيانة دراجته وتصليحها، ثم دراجات الجيران دون مقابل، إلى أن افتتحت ورشتي الخاصة”.

من يطبق القانون

أعلنت مديرية المرور العامة في بغداد، عن منع قيادة الدراجات النارية التي لايمتلك أصحابها إجازات سياقة، مبينة أن القرار يطبق على الدراجات النارية بأنواعها في بغداد والمحافظات، متوعدة بحجز الدراجات غير المرقمة.

وتحتاج رخصة قيادة الدراجات النارية إلى استمارة، وفحص طبي، واختبار قيادة، لأن قوانين الدراجات لا تختلف عن قوانين السيارات.

لكن هل تطبق هذه القوانين بصرامة؟ يرى مواطنون من سكان العاصمة بغداد أن تطبيق القوانين في ما يتعلق بالدراجات النارية يواجه مشكلات كثيرة، فإذا كان رجال الشرطة يستطيعون ممارسة مهامهم وسط بغداد، فإن ذلك يتعذر عليهم في الأحياء الشعبية لأن أغلب سكان هذه المناطق لا يخضعون لقانون الدولة.

وتقوم شرطة بغداد بحملات حجز الدراجات غير المسجلة، وتفرض مديرية المرور غرامات مالية ويرفع عنها الحجز بعد فترة لتكون هناك حملة أخرى وتحجز الدراجات مرة أخرى ويغرم مالكوها ثانية ويرفع عنها الحجز وتستمر على هذا النحو دون جدوى.

ويطالب المواطنون بضرورة وضع قوانين صارمة خاصة بحق الشباب الذين يسيئون قيادة الدراجة ومحاسبتهم على السرعة الزائدة عن الحد المسموح به، لأن “الماطور كتال صاحبه” كما يقول المثل العراقي في إشارة إلى أن كل دراجة سوف تقتل راكبها عاجلا أم آجلا.

ويقول الشاب رائد إن شرطة المرور تقوم بحجز الدراجة وتغريم صاحبها بمبلغ 30 الف دينار، في حين لا تقوم بحجز أصحاب الدراجات من المنتسبين الأمنيين، وهو ما يعتبره ظلما خاصة وأن الدراجات النارية تمثل مورد رزق للكثير من العراقيين باعتبارها وسيلة نقلهم إلى مقرات عملهم.

ويقول ضباط المرور إن أغلب سائقي الدراجات هم من المراهقين الذين لا يدركون أهمية القيادة وخطر الدراجة النارية، لذلك لا يلتزمون بمعايير السلامة المرورية ويفتقد أغلبهم إلى مؤهلات السياقة، كما أن بعض السائقين لا يستخدمون الخوذة مما يزيد من خطر الحوادث القاتلة، خاصة أن بعض الدراجات تصل سرعتها إلى مئتي كيلومتر في الساعة.

ويشير هؤلاء إلى أن الدراجات النارية تباع حاليا في الأسواق دون رقابة وغير مسجلة ولا توجد بها أوراق ثبوتية ولوحات تسجيل.

ويرى علماء الاجتماع أن معالجة ظاهرة التهور في السياقة وخاصة في صفوف المراهقين ترتبط بوجود برامج توعية وإرشاد تلزم سائقي الدراجات باحترام القوانين والأنظمة المرورية للحد من تلك الحوادث التي أصبحت تشكل خطرا على المجتمع.

وتشير تقارير لمنظمات دولية إلى أن عدد ضحايا الحوادث المرورية في العراق سجل نسبا عالية جراء أسباب عدة منها عدم الالتزام بمعايير السلامة والأمان وقلة الوعي لدى الشباب، وفي الوقت ذاته أرجع مختصون أسباب الحوادث إلى افتقار المدن العراقية إلى الأماكن والساحات المخصصة لهذا الغرض، وكذلك عدم وجود رقابة حقيقية من قبل السلطات وأولياء الأمور.

20