الدراجات الهوائية تمنح المدينة أوكسجين الحياة

المدينة الإنسانية الصديقة للبشر هي في المقام الأول مدينة يسهل الوصول إليها وتتيسر الحركة فيها للجميع. فالعديد من المدن الآن تعاني من الازدحام المروري، وفي المناطق المكتظة بالسكان تعد الدراجة هي أسرع وسيلة لتجنب الازدحام، كما أنها وسيلة تنقل تتميز بالكفاءة العالية.
الجمعة 2018/07/13
أنصار الدراجة من كل الأعمار

كوبنهاغن - توجد أعداد من المدن تشهد زيادة سكانية مطّردة في جميع أنحاء العالم وتتوق إلى التحول إلى مدن تستخدم الدراجات كجزء من الإستراتيجية الإجمالية التي تستند على التطوير المستدام والرغبة في التحول إلى مدن صديقة للبيئة، فتطوير شبكات طرق للدراجات تدعم نظام النقل العام يعد إسهاما كبيرا في الحد من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون.

وفي كوبنهاغن، على سبيل المثال، يحمي راكبو الدراجات المدينة من انبعاث 90 ألف طن من غاز ثاني أكسيد الكربون سنويا. وهناك الكثير من الفوائد المترتبة على التركيز على استخدام الدراجات تفوق تلك الناتجة عن استخدام الوسائل الصديقة للبيئة.

إن مدن الدراجات هي مدن ملائمة للناس، كما أن تخطيط المدينة الذي يراعي المشاة وراكبي الدراجات سيشكل إسهاما عظيما في المدينة الصديقة للبشر في المستقبل.

وتندرج مشكلة الازدحام المروري ضمن كبرى المشكلات الاقتصادية لما يترتب عليها من إهدار العديد من ساعات العمل يوميا في التوقف في الاختناقات المرورية. ويبلغ متوسط سرعة السيارات في مكسيكو سيتي في ساعات الذروة 4 كم بالساعة، في حين تتميز الدراجات بمتوسط سرعة يبلغ 10 كم بالساعة.

وفضلا عن كون الدراجات وسيلة انتقال فعالة في ما يتعلق بالوقت المستغرق، فإنها كذلك تتميز بتكلفتها المعقولة، حيث يمكن لأكثر شرائح المجتمع فقرا امتلاك واحدة على العكس من السيارات، لذا فإن التخطيط لإنشاء مدينة ملائمة لركوب الدراجات من شأنه الإسهام في خلق مدينة تتمتع بالمزيد من الشمولية والعدالة الاجتماعية، وبذلك لن تستثنى شرائح كبيرة من الناس من التحرك داخل المدينة.

ويمكن من خلال شبكة طرق دراجات مطورة الإسهام في الاندماج الاجتماعي بين الفئات العمرية المختلفة، فحتى في المدن فاحشة الثراء، تعاني شريحة كبيرة كالأطفال والشباب والكهول من قيود شديدة في الحركة، نظرا لأن المدينة مصممة للسيارات، وهي وسيلة تنقل لا يتسنى لهم استخدامها. كما أن المدن المصممة للسيارات تغلب عليها المسافات الطويلة، فضلا عن كونها تضم العديد من العوائق التي تعرقل التحرك سيرا على الأقدام أو بالدراجات.

الجميلات يبحثن عن راحة الدراجة
الجميلات يبحثن عن راحة الدراجة

وعادة ما تتطلب مدينة الدراجات البنية التحتية الملائمة التي تتضمن دروبا وأماكن لانتظار الدراجات، فضلا عن عدد من مبادرات التواصل مثل إطلاق الحملات التي تعزز ركوب الدراجات وتثقيف الأطفال وإطلاق مبادرات خاصة تستهدف المجموعات التي لا تقوم عادة بركوب الدراجات. وتتمثل أهمية هذه المبادرات في تبني ثقافة الدراجات في المدن التي تفتقر لهذه الثقافة.

ومن الضروري كذلك خلق نوعية من البيئة المدنية تجعل من التنقل على الأقدام أو باستخدام الدراجة فكرة محببة.

وعلى عكس راكبي السيارات، يتشارك راكبو الدراجات والمشاة ميزة التنقل بسرعة معتدلة مما يجعل من وجودهم أمرا ظاهرا في المناطق المفتوحة، كما يتمتع راكبو الدراجات بالمرونة في ما يتعلق بالتحول السريع من ركوب الدراجات إلى المشي، ما يتيح الفرصة للناس للتجمع والالتقاء في المدينة.

ومن الضروري كذلك إلقاء الضوء على الوجود الفعلي لراكبي الدراجات والمشاة في المناطق العامة في مقابل الوضع بالنسبة لراكبي السيارات الذين يحصرهم الحاجز

المكاني. ومع ذلك، فإن الرغبة في التنقل داخل المدينة أو باستخدام الدراجة لا تأتي من تلقاء نفسها، فلا بد أن تعززها بيئة مدنية ملائمة للناس.

ويتعرض المشاة وراكبو الدراجات إلى جميع الظروف المناخية كالشمس والرياح والمطر، وعليه يجب أن يتم وضع هذه الظروف في الاعتبار قدر المستطاع عند تخطيط أرصفة المشاة ودروب الدراجات.

وفضلا عن ذلك، يجب أن يتم التشجيع على الحضور إلى المدينة والتنقل فيها وذلك من خلال خلق بيئات مدنية شيقة، كما يجب أن يتم تقسيم المسافات الطويلة والرتيبة إلى أجزاء أصغر وتوفير تفاصيل جذابة مثل رسم بعض الصور الشيقة على الأرضيات.

وفي مدينة نيويورك نال الارتقاء الشامل بالبيئة العامة أولوية كبرى، ففي إطار الرؤية الخاصة بالمدينة على مدى 20 عاما ومفادها “تخطيط مدينة نيويورك لخلق مدينة صديقة للبيئة وعظيمة”، أوصت مجموعة جيل المعمارية المدينة بإعداد إستراتيجية “شوارع من الطراز العالمي”، حيث تتضمن هذه الإستراتيجية تحويل عدد من الأماكن العامة ووضع خطة لشبكة شاملة تضم دروبا للدراجات.

ولقد تم تنفيذ عدد من المشروعات التجريبية لتيسير الطرق الجديدة المتبعة في بحث المناطق العامة بالمدينة وتخطيطها.

رحلة في مزاج وحكايات
رحلة في مزاج وحكايات

وبعد التسليم بأن مكسيكو سيتي تخلو في الوقت الراهن من ثقافة قوية في مجال الدراجات، فإنها لجأت إلى اختيار إعداد إستراتيجيات مختلفة لتحقيق مدينة صديقة للدراجات.

أما المشكلة في بكين، فهي النقيض تماما، فهي تتمتع بثقافة عميقة في ما يتعلق بالدراجات، إلا  أنها تتعارض مع رغبة الدولة في تحقيق التقدم والنمو.

وفي سيناريوهات المستقبل الخاصة بالصين، يتم اعتبار السيارة رمزا مهما للتقدم في حين أن انتشار الدراجات الذي يسيطر على حياة الشارع فيعد من آثار الماضي وآفة جمالية تصيب المناظر الطبيعية المدنية. ومع ذلك تعمل الحكومة الصينية على الارتقاء بنشاط ركوب الدراجات باعتباره نشاطا ضروريا ومستداما، وهو ما من شأنه التخفيف من مشاكل المرور الهائلة التي نشأت في السنوات الأخيرة.

وبناء على الاستشارات التي قدمتها مجموعة جيل للمعمار، اتجهت ملبورن إلى الارتقاء بالحياة المدنية وتعزيزها، أما دروب الدراجات الموجودة في كوبنهاغن، فتأتي كواحدة ضمن العديد من المبادرات.

أصبح التفكير في مدينة الدراجات والذي يندرج ضمن العديد من الإسهامات المعدة لتعزيز البيئة المدنية الجذابة، أمرا فعالا للغاية. فكل من مدينة الدراجات ومدينة المشاة والمدينة الصحية والمدينة الجذابة والمدينة التي يسهل الوصول إليها تشكل أوجها للموضوع نفسه. والتخطيط للمشاة وراكبي الدراجات يعد نقطة انطلاق واضحة للبدء في إنشاء مدينة مستدامة وصديقة للبشر.

20