الدراجة تروق للشباب المصري لكنها لا تمثل مشروعا قوميا

الفتيات يؤيدن المبادرة كي يعتاد المجتمع على استقلالهن الدراجة، ويعتبرنها وسيلة لمواجهة التحرش الجنسي في المواصلات العامة أو في مواقف سيارات الأجرة الخاصة العشوائية.
الأحد 2019/08/25
رياضة وترفيه وحل للمشاكل المرورية

تمثل الدراجة الهوائية أداة لتيسير التنقل وهواية لدى الشباب، بعضهم يعتمد عليها كوسيلة لمواجهة الضغوط الاقتصادية وتقليل تكلفة التنقل، والبعض الآخر يرى أنها تمكّن من سبر أغوار مناطق مجهولة وبناء شبكة علاقات مع قاطنيها، فيما يذهب شق ثالث إلى أنها تمثل وسيلة تمرّد على عادات اجتماعية تفرّق بين حرية التنقل والرياضة على أسس نوعية جنسية.

القاهرة – أثارت مبادرة “دراجة لكل طالب” الجدل بين الشباب في مصر، وانقسموا إلى فريقين، أحدهما اعتبرها تحمل توجيها فوقيا من الحكومة حتى في ممارسة الهوايات، وآخر وصفها بمشروع قومي موجه ضد الأعراف الاجتماعية التي تحدّ من حرية الفتيات في الاستمتاع بحياتهن.

وسعت الحكومة إلى توظيف ارتباط الشباب بالدراجات بإطلاق مبادرة “دراجة لكل طالب”، يتم تطبيقها مع بدء العام الدراسي في سبتمبر المقبل، وتستهدف ثلاثة ملايين من الطلاب في الجامعات والمعاهد العليا وأعضاء هيئة التدريس على مراحل، وتحمل أهدافا صحية واقتصادية في المقام الأول.

وتبدو المبادرة مُغرية للجميع من الوهلة الأولى، لكنها تصطدم بميول لدى الكثير من الشباب نحو التمرّد ومعارضة التوجيهات الفوقية التي تطاردهم، ففي رأيهم يجب أن ينبع القرار من قناعة ذاتية دون أن تحمل طابع الوصاية، حتى لو كان يتضمن مزايا.

ويقول محمد عليّ، طالب بجامعة القاهرة، إن الدراجة أصبحت هواية مفاجئة للكثير من المسؤولين، لأن الرئيس عبدالفتاح السيسي ظهر أكثر من مرة وهو يقود دراجة، لكن ذلك لا يعني أن تصبح مشروعا قوميا تخصص له ميزانية واجتماعات متواصلة، ويقبل الشباب عليها لمجرد إطلاق مبادرات لاستخدامها، فمن يريد التنقل بها يمكنه بسهولة شراء دراجة رخيصة الثمن دون الحاجة لاشتراطات التمويل المصرفي.

وأعلنت الحكومة عن مبادرتين متزامنتين، الأولى تتبناها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لتوفير دراجة لكل طالب، والثانية تدعمها وزارة الشباب والرياضة وتستهدف تعميم استخدامها بين جميع المواطنين، واتفقت مع بنوك حكومية على قروض لتمويل شرائها يتم تسديدها على أقساط لمدة تقترب من العام، حسب نوعها وسعرها النهائي.

وحدّدت دراسة للاتحاد المصري الرياضي للجامعات، متوسط قيمة الدراجة، بالمشروع القومي بواقع 5 آلاف جنيه في المتوسط (300 دولار)، ومقرر أن توفر ثلاثة مستويات أولها العادية للسير على الطرق، والثانية الجبلية، والثالثة هجينة بين النوعين وتتّسم بقدرتها على السير فوق الطرق غير المعبّدة وأريحية الجلوس على مقعدها.

وتسيطر على بعض الشباب حالة من التشكيك في القرارات الرسمية مع ميلهم لنظرية المؤامرة، التي حضرت حتى في استخدام الدراجات بالحديث عن منفعة مباشرة ستعود على هيئات ومؤسسات حكومية من تعميمها، وجني مكاسب من أنشطة تجميع مكوناتها المستوردة، أو إنشاء مصانع لإنتاجها محليا.

ويشير علي لـ”العرب”، إلى أن الحكومة تسعى لتوفير العربة قبل الحصان الذي يجرّها، فعلى الفور أعلنت عن توفير مئات الآلاف وربما الملايين من الدراجات رغم غياب البنية التحتية التي تمكن الشباب من قيادتها، فلا الطرق تتضمن حارات مخصصة لها، والسير بها سيكون وسط السيارات ممّا يعرض مستقليها لخطر الحوادث.

ويفترض الشباب أن الإعلان الرسمي عن توفير 100 ألف دراجة للمبادرتين سيكون خلال أقل من شهر، يتم تنفيذه دون دراسة جدوى لكيفية تطبيقه، في تحرك دفعات ضخمة من الدرّاجين في الشوارع المتكدسة بحافلات تلاميذ المدارس والموظفين صباحا، وأماكن ركنها في بعض الجامعات التي تعجز مساحاتها عن استيعاب أعداد الطلاب والعاملين وسياراتهم. كما يبدي أعضاء هيئة التدريس من الشباب أيضا معارضة إزاء التوجه إلى عملهم بواسطة الدراجات، رغم تأكيدهم على مكاسبها وحَدّها من التلوث البيئي والضوضائي بالمدن خصوصا القاهرة التي تحتل مرتبة متقدمة ضمن العواصم الأكثر تلوثا في العالم، بحجة أن قيادتها وسط الطلاب تقلل من هيبتهم.

نيل الاحترام

مبادرة "دراجة لكل طالب" تثير جدلا يبدأ بالسياسة وينتهي بالتمييز الجنسي
مبادرة "دراجة لكل طالب" تثير جدلا يبدأ بالسياسة وينتهي بالتمييز الجنسي

ويقول “م.ن”، معيد بكلية العلوم بجامعة الزقازيق في محافظة الشرقية بشمال القاهرة (23 عاما)، لـ”العرب”، إن أعضاء هيئة التدريس بدءا من “معيد وحتى مدرس” يجاهدون لفرض أسلوبهم ونيل احترام الطلاب الذين يقتربون منهم في المستوى العمري، واستقلال الدراجات يذهب بمحاولاتهم هباء مع أجيال فقدت احترام الأكبر، وتميل للجدل المستمر والعنف اللفظي.

وتراهن الحكومة على أن الشباب رغم تمرّدهم إلا أن لديهم الاستعداد لتقبل الجديد والتكيّف مع التأكيد على مزايا المشروع على قدراتهم البدنية والمالية، في ظل ارتفاع تكلفة التنقل.

دشّنت مجموعة من الشباب مبادرة باسم “مصر نظيفة” تنقلوا خلالها داخل مدنهم بالدراجات الهوائية، وسافروا بها من القاهرة إلى مناطق بعيدة مثل “الواحات والإسماعيلية”، لكنها تحمل أغراضا ترفيهية فقط.

وقال ياسر عاشور، مؤسس الحملة لـ”العرب”، إنه كان يخجل من ركوب الدراجة والتحرك بها لقضاء مصالحه، وبعد أن شاهد الكثير من المسؤولين يستخدمونها عزم النية على التجربة واستمتع بتغلبه على الازدحام المروري.

ويلجأ الكثير من الشباب حاليا إلى استخدام الدراجة في رحلات طويلة تستغرق أياما والتخييم خلالها حتى وصلوا إلى حدود ليبيا غربا والسودان جنوبا، واعتبروها فرصة لاستكشاف أماكن جديدة وعادات وتقاليد مختلفة وبناء شبكة علاقات مع أصدقاء جدد.

وتفكر وزارتا الشباب والتعليم العالي في التغلب على الاعتراضات بتنظيم خروج جماعي لطلاب الجامعات، ما يقدم للمواطنين مشهدا رياضيا شبيها بالسباقات، وربما يكون وازعا لدى الكثيرين لتقليده.

وتميل الفتيات إلى تأييد المبادرة، ومنحت لديهن إحساسا بالتمتع بالحرية في الشوارع كي يعتاد المجتمع على استقلالهن الدراجة، ومواجهة التحرّش الجنسي في المواصلات العامة أو في مواقف سيارات الأجرة الخاصة العشوائية.

وأكدت ملك محمد، طالبة في الجامعة الأميركية بالقاهرة، لـ”العرب”، أن شعار “عجلة (دراجة) لكل طالب’ يحقق حلما لها بالاستقلال في تحركاتها، على اعتبار أن الكثير من الفتيات يشاركنها الرغبة ويخلقن بذلك على المدى القصير تقبلا لها، لتصبح مصر شبيهة بالمجتمعات الأوروبية التي تعتمد عليها في حياتها”.

وتحاول الحكومة أيضا استهداف الشباب بحملات صحية من بينها “100 مليون صحة” الموجهة في الأساس إلى السمنة والأمراض المرتبطة بها مثل الضغط والسكري، وقامت بجولات توعوية في الجامعات لتغيير الأنماط الغذائية من الوجبات السريعة إلى التغذية السليمة بعد احتلال مصر المركز الثاني عالميا في زيادة وزن الفتيات.

وتأتي الدراجات كأحد أساليب المواجهة المبتكرة، فاستقلالها يساعد على حرق السعرات حرارية قد تصل إلى ألف سعر حراري في الساعة، حسب وزن الشخص، وتساهم في تحسين الحالة النفسية وتقليل الضغوط اليومية.

وأضافت ملك أنها تمارس هوايتها داخل “كومباوند” (تجمع سكني) مغلق على قاطنيه بشرق القاهرة، ويمتاز بالمساحات الخضراء والهدوء والشوارع المتسعة كنوع من الرياضة يحافظ على وزنها المثالي، وتعتقد أن متعتها تزيد بالسير في الطرقات الممتلئة بالبشر والسيارات، والاحتكاك بحياة غالبية المواطنين.

ومن المقرر تطبيق المرحلة الأولى من المقترح في عدد من الجامعات الإقليمية، منها “قناة السويس، جنوب الوادي، مرسى مطروح، الوادي الجديد، بني سويف، أسوان”، ومعظمها داخل محافظات صغيرة أو تتسم بقلة أعداد السكان، كتجربة لمعرفة مدى التقبل لاستخدامها، ومشكلات التطبيق قبل نقله إلى مناطق أكثر ازدحاما.

وذكرت هبة مصطفى، طالبة بجامعة  المنيا في جنوب مصر، أنها تتمنى ركوب الدراجة في التوجه إلى كليتها، لكن أسرتها ترفض رغم توفيرها المادي، وآخر رحلة توجهت خلالها إلى المصيف اعترض شقيقها الأكبر لاستقلالها دراجة على الشاطئ، وعنّفها أمام المتواجدين بحجة أنها تكشف عن أجزاء من جسدها.

ولفتت لـ”العرب”، إلى أن استقلالها الدراجة بشكل جماعي مع بقية الفتيات يعطيها دعما إزاء مواقف أسرتها المتشددة والتي تمثل ارتدادا للخلف، فالدراجات كانت منتشرة في الماضي كوسيلة للتوجه إلى المدارس والجامعات لكلا الجنسين، وهو ما سجلته السينما في عدة أفلام أهمها “السبع بنات”.

مصدر دخل

دراجة لكل طالب..هل تتحمل طرق القاهرة مبادرة الحكومة
دراجة لكل طالب..هل تتحمل طرق القاهرة مبادرة الحكومة

تمثل الدراجات بالنسبة لبعض الشباب مصدرا للدخل المادي دائما أو موسميا، خلال فترة الأجازات الصيفية، بعد انتشار تطبيقات ذكية لتوصيل الطلبات بواسطتها بمقابل مالي يعادل 20 جنيها للساعة (1.20 دولار).

ويرى “محمد.أ”، طالب بجامعة عين شمس في القاهرة، ويعمل في شركة للنقل بالدراجات، أن قيادة الدراجات وسط الشوارع المصرية محفوفة بالمخاطر، فكثيرا ما يتعرض للإصابات بسبب سلوكيات السائقين الخاطئة في أوقات الزحام والتصاقهم بجوار أرصفة المشاة، ما يتطلب أن يكون استخدام الدراجات لمسافات قصيرة في شوارع هادئة. ويدرس الاتحاد المصري

للتأمين حاليا استحداث وثائق تأمينية على الدراجات وحياة مستقليها تغطي أخطار التلف والسرقة، وتتضمن جميع الأنواع وليس الموجودة بالمبادرتين الحكوميتين فقط، لتشمل دراجات السباق والثلاثية المعروفة بـ”تريسكل” وتستخدم في نقل البضائع غالبا.

ويعتمد الشاب “محمد” على الدراجة في تنقله، ولا تفصله عن جامعته سوى مسافة كيلومترين فقط، ويقول لـ”العرب” “إنها تناسب الطلاب القاطنين في الشوارع القريبة من مقر الجامعات ويمثلون أقلية، فلن يقطع شاب مسافة تصل إلى 40 كيلومترا من قريته أو مدينته بالدراجة للوصول إلى كليته، وإن فعلها سيصل مستنزفا بدنيا، وغير قادر على التركيز أو الاستيعاب”.

ويبدي الشاب معارضة لتقديم الدراجة كحل سريع للسمنة أو مشروع قومي يواجه أزمة المرور، بما يحمل إيحاء نفسيا بأن المعارضين لها يفتقدون للوطنية، ففي اعتقاده أن انتشارها لن يتحقق قبل خمس سنوات، فبعض الزبائن يرفضون إرسال طلباتهم مهما كانت صغيرة بواسطة الدراجات الهوائية حتى الآن، ويفضلون العربات أو الدرجات النارية بحجة أنها تحميها من مخاطر الكسر أو التلف والضياع.

وأطلقت محافظة القاهرة مبادرة “سكّتك خضراء”، لتشجيع المواطنين والشباب على ترك السيارات الخاصة وركوب الدراجات الهوائية للوصول إلى العمل أو الجامعة بسهولة والتغلب على الزحام ووفرت أماكن خاصة لها، لكنها لم تكسب أنصار جدد.

وتحتاج قيادة الدراجات إلى توعية قانونية باستخدامها، فلا تسمع الغالبية العظمى من الشباب عن وجود تشريعات تضبط استخدامها، بينها منع ركوب شخصين على دراجة واحدة، أو تعلّق سائقها في سيارة بإحدى يديه لزيادة سرعته، كما يُلزم أصحابها بالحصول على تراخيص سير من الإدارة المحلية ويحظر تأجيرها لمن هم أقل من 21 عاما.

ويتفق الشباب المصري على أهمية الدراجات كوسيلة نقل رخيصة ونظيفة وحاجتها لبنية تحتية تضمن حياة مستخدميها، لكنهم ينقسمون على التوجيه باستخدامها أو تقليدهم سلوك الآخرين، وضرورة دراستها جيدا قبل التنفيذ في ظل العقبات التي واجهت مبادرات حكومية سابقة بعد البدء في تنفيذها وآخرها تعميم أجهزة الهواتف اللوحية على الصف الأول الثانوي.

19