الدراسة الجامعية لم تعد تحتمل أكثر من عامين

انتهى زمن التدريس بالوسائل القديمة والبحث عبر قضاء أوقات طويلة في المكتبة، واليوم تلعب التكنولوجيا دورا رئيسيا في التأسيس لثورة أكاديمية تحظى بنقاش واسع في الغرب تقوم على تقليص مدة الدراسة بحيث تقتصر على عامين فقط، وعودة الجامعات مرة أخرى إلى مؤسسات بحثية عامة بدلا من “شركات” استثمارية تبحث عن الربح المادي بأي ثمن.
الأربعاء 2017/12/20
التخرج ليس النهاية، بل نهاية البداية فقط

لندن – يطرح باحثون ومتخصصون في الغرب رؤى مختلفة لنظم التعليم في الجامعات، تقوم على التخلص من النهج الأكاديمي الذي يهيمن على العقل البشري منذ أكثر من قرن، عبر تحديد مدة الدراسة في الجامعة بـ3 سنوات في الغرب و4 سنوات في العالم العربي، بحيث يصبح أكثر اتساقا مع مقتضيات عهد جديد تقوده التكنولوجيا أكثر من أي قوة محسوسة أخرى.

ومازالت أدوات البحث الأكاديمي واقفة في مكانها دون أن تتمكن من مجاراة قفزات واسعة حققتها التكنولوجيا منذ بداية القرن الماضي، ومعها أصبحت درجة الاستيعاب والقدرة على الفهم وبناء الوعي عند الطلاب عملية تجري بسرعة أكبر كثيرا عن ذي قبل.

كما أن الذهنية التي يضع بها الأساتذة المناهج الدراسية تعتمد في أساسها على الطرق التقليدية للبحث، المبنية على قضاء أوقات طويلة في المكتبة بين أرفف مزدحمة بالكتب، بينما بالكاد يستخدم الطلاب الأقلام اليوم في كتابة أي شيء على قطعة ورقة صغيرة.

ثورة التعليم الجامعي

لكن هذا الأسبوع قال وزير الدولة المكلف بالجامعات البريطانية، جو جونسون، إن “مدة الدراسة الممتدة على مدى ثلاث سنوات التي لم تتغير في الجامعات البريطانية منذ قرن تقريبا أمر عبثي ويجب أن ينتهي”. وأضاف “كون الكثير من الجامعات في دول أخرى مازالت محافظة بدرجة مماثلة على نفس النهج ليس بالحجة المقنعة لاستمراره”.

ووصف الكاتب البريطاني في صحيفة “الغارديان” سيمون جينكينز تصريحات جونسون بأنها “جبل جليد يتكسر، وكتل جليدية تتفكك”، وأن “أكبر حيلة لنيل الثقة الثقافية منذ الكهنوت الديني في العصور الوسطى تنحل”.

يرى جونسون أن الأغلبية الساحقة من المناهج الدراسية يمكن أن تنجز خلال سنتين فقط.

وأحدثت شبكة الإنترنت (أو من المفترض أنها أحدثت) تحولا في ما يتعلق بكل من طرق التدريس والبحث الطلابي. ولم يعد من الممكن الدفاع عن التكلفة الفلكية للدراسة (التي تبلغ في بريطانيا في المتوسط 60 ألف جنيه إسترليني) أكثر من إمكانية الدفاع عن الأجور الكبيرة جدا لرؤساء الجامعات، وعدم مرونة توقيت الدراسة، وتقييد حرية التعبير.

وقاومت جامعات غربية عدة لفترة طويلة محاولات إدخال إصلاحات عليها من خلال إغراء الطبقة الحاكمة عبر إلحاق أبناء المسؤولين الكبار بنوع من المدارس المرموقة تحيط بها هالة من النزاهة والاستقامة. وبذلك يصبح المسؤولون غير قادرين على تبني مشاريع واضحة وحاسمة لإصلاح المؤسسات التعليمية والأكاديمية.

ويقول جينكينز “المستشفى يجعل الناس في صحة جيدة. الجيش يحمي الشعب. المحكمة تنشر العدل. بعض الدورات الدراسية الجامعية تمنح الطلبة مهارة قابلة للاستعمال في الطب والهندسة والكيمياء والحقوق، لكن الغالبية، وخاصة أقسام العلوم الإنسانية، تحتقر مثل هذه التفاصيل، وتتعامل مع التعليم باعتباره سلعة في حد ذاتها”.

جو جونسون: مدة الدراسة الممتدة على مدى ثلاث سنوات والتي لم تتغير في الجامعات البريطانية منذ قرن تقريبا أمر عبثي ويجب أن ينتهي

وفي مناقشة عقدت في لندن منذ سنوات بين عالمي اقتصاد كبيرين هما جون فايزي ومارك بلاوغ، تم طرح موضوع شائك للنقاش وهو: هل الجامعة استثمار وطني أم وسيلة للاستهلاك الشخصي؟

ودافع فايزي عن فكرة الاستثمار، لكنه لم يقدم أي برهان واضح أو تفصيلي عن العائدات الفعلية التي يجنيها المجتمع من هذا الاستثمار بشكل معقول، باستثناء استناده على حجج ممجوجة تقوم على كون الخرّيجين يكسبون المزيد من المال اعتمادا على طبيعة شهاداتهم في مرحلة ما بعد التخرج.

فيما أكد بلاوغ أن الجامعة تسهل الاستهلاك لدى الطبقة الوسطى، وببساطة تمنح إمكانية الحصول على وظائف عمل أفضل، وهي “مكاسب” شخصية بشكل صارم.

وعلى سبيل المثال يضمن الكثيرون في الولايات المتحدة من المنقطعين عن الدراسة -لكنهم يتمتعون بدرجة مقبولة من الذكاء- القبول في جامعة مرموقة، ثم يتعاملون معها كتذكرة عبور فوري إلى وادي السيلكون، وبذلك يتخلصون من الحاجة إلى الدراسة الجامعية الطويلة التي تمثل هدرا للمال.

ويقول علماء اقتصاد من جنوب شرق آسيا إن الطفرات في النمو الاقتصادي في ألمانيا وشرق آسيا كانت سابقة، وليست لاحقة، للتعليم العالي الجماهيري. وتنبأ الكثيرون منهم بأنه عندما يرسل جيل جديد من العمال اليابانيين أبناءهم إلى الجامعة، سيتراجع معدل النمو الياباني لاحقا لأن عددا قليلا منهم سيعملون مثل آبائهم. وسيبحثون عن وظائف غير منتجة في الإدارة أو شركات الاستشارات.

إهمال التعليم الفني

كان القضاء على الجامعات التقنية المتعددة الاختصاصات في بريطانيا في تسعينات القرن العشرين، والإلغاء اللاحق للتعليم التقني لسن السادسة عشرة فما فوق، بمثابة الكارثة، وكان ذلك نتيجة للانفصال الثقافي الطويل الأمد بين نخبة “الوايتهول” (طبقة الحكم) والصناعة البريطانية.

وتركت تلك الإجراءات الصناعة محرومة من المهارات المدربة وأخلاقيات العمل ومعتمدة على المهاجرين الأجانب. ومثلما قال المتخصص في التربية أليسون وولف، لدينا عدد من المتخرجين أكبر من أي وقت مضى، لكنّ أيضا لدينا “نموا ضعيفا وهبوطا في الإنتاجية أو بقائها في المستوى نفسه، وأجورا راكدة”. قد تكون هناك عوامل أخرى متدخلة في الموضوع، لكنها لا تزال عاجزة عن أن “تبرهن” بأن التعليم العالي الجماهيري هو استثمار سليم.

وبالنسبة إلى الجامعات في الغرب بشكل عام، كانت النتيجة الحتمية لإهمال التعليم الفني هي صراع محموم مع طبقة الحكم حول القيمة مقابل المال. وعند حديثه عن الجامعات، ينتقد ستيفان كوليني، الباحث في جامعة كمبريدج، “الاستهداف والقياس الكمي الآلي في التدريس والبحث”، حيث يقضي الأكاديميون ساعات يقيسون فيها بعضهم البعض، ويجمعون نتائج البحوث وآثارها ويتنافسون بضراوة من أجل الحصول على المزيد من الطلبة أكثر من أي وقت سابق، مرتبكين حول مسألة إعطاء الأولوية للتعليم أم للبحث.

وقبل خمسين عاما حيث كانت الجامعات تقدم خدمات لأقل من 10 بالمئة من الشباب في نفس الفئة العمرية، لم يكن أي شيء من هذا يمثل مشكلة. كان من الممكن بالفعل تسيير الجامعات مثل “مؤسسات رهبانية”، بأخذ إجازات للبذر والحصاد والصيد. وكان التدريس لا يكاد يستغرق نصف السنة الدراسية. ومع ذلك فهي مازالت كذلك إلى الآن، حيث وجد تقرير حديث أن البعض من طلبة العلوم الإنسانية يتفاعلون مع الأساتذة لست وعشرين ساعة فقط في ثلاث سنوات.

الطفرات في النمو الاقتصادي في ألمانيا وشرق آسيا كانت سابقة، وليست لاحقة، للتعليم العالي الجماهيري. وعندما يرسل جيل جديد من العمال اليابانيين أبناءهم إلى الجامعة، سيتراجع معدل النمو الياباني لاحقا لأن عددا قليلا منهم سيعملون مثل آبائهم

والجامعات، في الكثير من الدول الأوروبية، ليست بروجا عاجية بل هي ملكية عامة للدولة. وتمتد مباني تلك الجامعات في مراكز البلدات الريفية والمدن الكبرى على حدّ سواء. ونتيجة لذلك تتحول أماكن الإقامة المخصصة للطلاب، التي تبقى فارغة نصف السنة، إلى مساكن “اجتماعية”، إذ تدفع الدولة فعليا نصف مبالغ الاستئجار في شكل منح لا ترد. وبعبارة أخرى، عوّض الطلبة الناس الفقراء كأولوية بسكن حضري. وبكل تأكيد على الجامعات أن تتبنى هذا البرنامج وتساهم في دعم الخدمات في مجتمعاتها حتى تكون قادرة على تبرير طلبها للمال من الميزانية العامة.

وإذا كان هناك أي جانب من التمويل الجامعي قد خسر المصداقية فهو القروض الطلابية.

وفي بريطانيا، سدد أغلب الخرّيجين من الأجيال القديمة مصاريف الدراسة من خلال ضرائب إضافية في مستوى 40، و60، وحتى 80 بالمئة. وكان ينظر إلى هذا النظام التدريجي باعتباره نظاما عادلا.

لكن وعد حزب العمال، الذي أطلقه ضمن برنامج الحزب استعدادا للانتخابات العامة التي أجريت في يونيو الماضي، وتضمن دفع الرسوم الدراسية بقيمة 50 ألف جنيه إسترليني عن الفرد يحوّل الأموال ببساطة من جيوب دافعي الضرائب الفقراء إلى جيوب 40 بالمئة من أكثر الخرّيجين ثراءً الذين وصلوا بعد التخرج إلى مرحلة تسديد ديونهم. ويقول جينكينز “البديل الأكثر إنصافا بكثير هو اعتماد رمز ضريبي على الدخل على أساس السنوات المنقضية في التعليم الجامعي”.

إحباط جامعي

قد تقول الجامعات الأوروبية إنها ستخسر مداخيل الرسوم التقديرية وترجع إلى أيام لجان المنح الجامعية. لكنها كانت أكثر استقلالية بكثير في ذلك الوقت. وأي شيء يجب أن يكون مفضلا على الطلبات المفتوحة هذه الأيام على دافع الضرائب، وهو ما يؤدي بكل بساطة إلى المزيد من التدخل الحكومي.

وقد تشعر الجامعات بالإحباط لكنها في رباط قديم مع الدولة، فهي ثرية لكنها مستعبدة.

ويقول جينكينز “من الصادم اليوم التجول في جامعة عصرية ومقارنتها بمستشفى مكتظ بشكل بائس في الجوار. يجب على جو جونسون بكل تأكيد أن يفعل شيئا، ولا يكتفي بالخطابة. عليه أن يضع سقفا للأرقام ويدفع للجامعات مقابل الدروس والصيانة، في أغلب الحالات لسنتين فقط. وعندها يمكن لأغلب الجامعات أن تدفع لمحاضريها بالشكل المناسب للتدريس دواما كاملا”.

أصاب ستيفان كوليني، الأكاديمي والناقد الأدبي البريطاني، في الدفاع عن التعليم على أنه “يغرس روح الإنسانية”. لكن لِمَ هذه الوظيفة حكر على الجامعات؟ الجامعات بطبيعتها إقصائية وغير متسامحة مع حرية التعبير، والحال أن 77 بالمئة من الأكاديميين ينتمون سياسيا إلى اليسار. لهم الحق في الادعاء بأن ذلك هو امتيازهم، لكن ذلك أيضا لا يجعل منهم قوة حضارية فريدة.

وتبقى تلك القوة حيوية، لكن الكثير من المفكرين يرون أن تحقيقها يتم أكثر عن طريق الجامعات المفتوحة وتعليم الكبار والمتاحف والموسيقى والمسارح ودور النشر والمحطات التلفزيونية وكل هذه المؤسسات، وليست الجامعات، هي معاقل البحث المفتوح لهذه الأيام والمشاركة والنقاش. هذه المؤسسات هي بمثابة المحركات الواسعة الانتشار للثقافة العصرية التي تستحق أكثر من غيرها الدعم الرسمي من قبل الدولة.

في عام 1963 خلقت لجنة ملكية يقودها ليونيل روبينس في بريطانيا مفهوم “الجامعة الجماهيرية”. ويقول جينكينز “إن كانت هناك حاجة إلى لجنة مماثلة أخرى فهي الآن”.

12