الدراسة في الغرب بوابة شباب العرب للهروب من واقعهم

الشباب العرب لا يختلفون في رؤيتهم إلى حجم التطور الكبير للجامعات الغربية فهي البوابة لتغيير الواقع والمستقبل ونهج حياة مختلف عما يعيشونه في بلادهم.
الأحد 2018/07/08
نمط حياة مختلف للطلاب العرب في الجامعات الغربية

 القاهرة - شهدت المنطقة العربية مؤخرا إقبالًا متزايدًا من الشباب الخريجين على استكمال الدراسة في الخارج، حتى أن السعودية احتلت التصنيف الخامس بين أكثر الدول إرسالًا لطلابها إلى الخارج، بحسب بيانات صادرة عن منظمة اليونيسكو عام 2016.

وازداد عدد الطلاب الوافدين من الشرق الأوسط إلى الولايات المتحدة بنسبة تجاوزت ثلاثة أضعاف منذ العام 2000، فيما شهد العام الدراسي 2013-2014 ارتفاعا ملحوظا في أعداد الطلاب القادمين من الشرق الأوسط بنسبة تجاوزت 21 بالمئة عن العام السابق، وجاءت معظم الزيادة من طلاب سلطنة عمان في المقام الأول، ثم طلاب الكويت، تلاها العراق وسوريا والإمارات العربية المتحدة، بحسب ما ذكره مسؤولون بمعهد التعليم الدولي.

وبدا ارتفاع نسب الطلاب العرب المهاجرين لبلدان أوروبية والولايات المتحدة الأميركية وكندا، ظاهرة تثير الجدل، حول أسباب هجرة الشباب والاغتراب بحثا عن تعليم أجنبي مختلف عن كل ما درسوه لفترات طويلة.

ورغم حجم الإقبال على الدراسة في الخارج إلا أن الطلاب القادمين من دول نامية يصابون بالصدمة جرّاء الاختلاف الكبير في طريقة ومنهاج التدريس في الجامعات الغربية.

أحمد نحاس: سهولة التواصل مع أساتذة الجامعة وإمكانية طرح الأسئلة عليهم، غير متاحين للطلاب في الجامعات العربية
أحمد نحاس: سهولة التواصل مع أساتذة الجامعة وإمكانية طرح الأسئلة عليهم، غير متاحين للطلاب في الجامعات العربية

نظام مختلف بالكامل

اجتمع طلاب الصف الأول لمادة أخلاقيات الإعلام وسبل تنفيذها بكلية الإعلام والصحافة بجامعة وستمنستر البريطانية، الجميع بدا متوترا في المحاضرة الأخيرة للمادة والتي سيخرج فيها الأستاذ الجامعي معلنا عن موعد امتحان نهاية العام والكتب المقررة للامتحان. أنهى الأستاذ محاضرته شاكرا طلابه خاتما حديثا بأنه لا يوجد امتحان للمادة. وقال “اذهبوا إلى مكتبة الجامعة، واكتبوا لي مقالا عما تعلمتوه طوال العام معتمدين على مصادر موثقة، هذا يكفي كي أعلم لأي درجة فهمتم المادة”.

أمجد ساهر، كان أحد الطلاب المصدومين بالاختلاف في عامهم الأول، عندما بدأ دراسته في الخارج للمرة الأولي فور إتمامه شهادة الثانوية العامة المعقّدة في مصر، والتي تعتمد بالأساس على امتحانات نهاية العام لتحدد مصير ومستقبل مئات الآلاف من الطلبة كل عام.

ويقول في تصريح لـ”العرب” رأيهم، “التعليم في أوروبا لا يمكن مقارنته بنظيره في البلاد العربية، فالنظام بالكامل مختلف، بداية من طريقة شرح المادة مرورا بتعليمها ونوعية الاختبارات فيها”.

ويضيف “تعلّمت في الخارج أن الامتحانات ليست أهم شيء في حياة الطالب، وعرفت قيمة المكتبة، وكيفية عمل بحث علمي موثّق والتفكير في كافة القضايا بشكل نقديّ، كل ذلك لم أجده طوال سنوات دراستي في جامعة القاهرة، فكل ما تعلّمته أن الامتحان هو الحاكم وحده والحفظ أساس المذاكرة”.

ويتفق الطلاب حول الفرق الهائل بين المنظومة التعليمية الغربية وعمّا يوجد في البلدان العربية، لكن الكثير منهم اختلفوا في أسباب أخرى دفعتهم لترك بلدانهم والذهاب إلى الخارج. ويبدو الاستقلال عاملا أساسيا من منظور الشباب الطالبين للعلم.

تقول آثار عزالدين، شابة مصرية، أنهت دراستها في كلية تربية قسم لغة إنكليزية بجامعة طنطا (شمال القاهرة)، إن ما دفعها لفكرة الدراسة في الخارج هو طموحها في رفع مستواها العلمي والحصول على وظيفة في الخارج، فحصلت على منحة دراسية مجانية في جامعة فالدوستا الأميركية عن طريق أحد المواقع الإلكترونية المختصة في هذا الشأن.

آثار عزالدين: السفر يمنح فرصة الاطلاع على ثقافة بعيدة عن الثقافة التي نشأت فيها، وهو ما له أثر بالغ في توسيع المدارك
آثار عزالدين: السفر يمنح فرصة الاطلاع على ثقافة بعيدة عن الثقافة التي نشأت فيها، وهو ما له أثر بالغ في توسيع المدارك

تقول آثار إن المنحة أضافت لها الكثير على مختلف المستويات سواء العلمي أو المهني أو حتى الشخصي، لكن أكثر ما مثّل فرقا ضخما لها كان التطور الشخصي.

وتوضح لـ”العرب”، أن ذلك يعود إلى أنها فتاة شرقية لم تعتد الإقامة والعيش في دولة أجنبية بمفردها، لذلك أضافت لها تلك التجربة المزيد من الثقة والاعتماد على النفس، والتدرب على حسن التصرف في المواقف الصعبة التي يفرضها الاغتراب، كما أن السفر منحها فرصة الاطلاع على ثقافة شعب بعيدة عن الثقافة التي نشأت فيها، وهو ما كان له أثر بالغ في توسيع مداركها.

ويمثّل عامل السفر والاطلاع على الثقافات الأخرى، سببا آخر للكثير من الطلاب العرب للبحث عن منح تدعمهم للتعلم بالخارج. التعليم ليس مقترنا فقط بالقراءة في الكتب وحضور المحاضرات، لكنه جزء متأصّل بالاعتماد على النفس، وتعلم كيفية دعم الذات على مستويات مختلفة.

يبدو عامل الاستقلالية مثاليا للعرب، بالتحديد الذين يختلفون بشدة عن غيرهم، فيعيش الشاب العربي في بيت أسرته حتى زواجه، ولا يعرف كيف يؤدي المهام المعيشية اليومية، على خلاف الشاب الغربي الذي يستقل عن بيت أسرته تماما مع بلوغ سن السادسة عشر، ليبدأ رحلة صعبة في العمل والاعتماد على النفس.

ويخلق خروج الشباب واستقلاليتهم لهم فرصا أفضل للتعلم والاحتكاك، بداية من تعلم الطبخ وحتى إعداد الرسالة العلمية.

وأشارت آثار إلى أن “العيش بمفردها لا يخلو من الصعوبات، من مواجهة الحياة في بلد غريب، مرورا باصطدام الثقافة والطباع مع بعض زملاء الدراسة الوافدين من مختلف أنحاء العالم، ما كان يضعني في مضايقات وسخرية من البعض، ومع الوقت نجحت في تكوين صداقات قوية واجتزت هذه الصعوبة”.

وأكدت أنها عقب عودتها إلى بلدها، ارتفع سقف طموحها بشكل ملحوظ، حتى أنها حاولت السفر مرة أخرى لإعداد رسالة علمية أخرى، لأنها شعرت هناك بنتيجة ما بذلته من مجهود في الدراسة والعمل.

بوابة الهجرة

 يمثّل حسين علي، شاب سوداني درس الحقوق، عيّنة أخرى من الشباب الطامحين للدراسة بالخارج، فهو لا يضع العلم كهدف أساسي، لكنه يراه وسيلة مثلى للهروب من واقع بلاده المؤلم.

ويرى علي وآخرون، أن الهجرة هي الحل الأفضل للبحث عن فرصة عمل حقيقية لتوفير حياة أمنة وفرصة أفضل للنجاح وتحقيق الطموح. لكن في ظل باب الهجرة المغلق أمام الجميع، بدا باب التعليم في الخارج الطريق الأسلم والأكثر شرعية لدخول البلاد المتقدمة والبحث من خلالها على وظيفة هناك.

نجح علي في ذلك بعد أن استمر في مراسلة المئات من الجامعات، وحصل على منحة ماجستير في جامعة آيندهوفن في هولندا، ثم على وظيفة محكم دولي في أحد مكاتب المحاماة الكبيرة هناك.

الامتحان ليس المحدد النهائي لقدرات الطلاب
الامتحان ليس المحدد النهائي لقدرات الطلاب

ويقول علي لـ”العرب”، “تعلّمت طرقا تعليمية جديدة خلال دراستي وأيقنت قيمة الأبحاث والدراسات وأمهات الكتب، والأهم أنها كانت الطريق الممهد للإقامة في أوروبا دون حاجة لمخالفة القواعد أو اللجوء للهجرة غيرالشرعية”.

أما أحمد نحاس، فهو شاب سوري مقيم في روسيا، اختار الدراسة في موسكو، لأسباب تختلف عن كل سابقيه، فهو لم يرغب في الهجرة ولم يبحث عن تعليم أفضل، وأجبر عليها بسبب عدم حصوله على معدل درجات كاف في دراسته الثانوية في سوريا، مما دفعه للسفر إلى روسيا للسعي وراء حلمه في دراسة الهندسة المدنية.

ويشير نحاس، إلى أنه سعيد بتجربة الدراسة والإقامة في روسيا، لأنها أضافت له الكثير من حيث إتقان لغة أجنبية جديدة، واكتساب أصدقاء جدد، وتغيير بعض المفاهيم، ما زاده مرونة في شخصيته، فضلا عن الحصول على شهادة معترف بها دوليا من جامعة “مادي” الروسية، لكن هذا لا ينفي مواجهته لبعض الصعوبات في بداية فترة إقامته، مثل تعلم اللغة الروسية والحصول على مكان للإقامة.

ويرى نحاس، أن سرّ إعجابه بنظام التعليم الروسي يكمن في سلاسة المناهج، وكثافة الدروس العملية والتطبيقية خلال عملية الدراسة النظرية وبعدها سهولة التواصل مع أساتذة الجامعة وإتاحة إمكانية طرح الأسئلة عليهم عند الحاجة، الأمر الذي يقابل فيه الطلاب صعوبة في الجامعات العربية.

وتلعب الظروف المضطربة التي تعيشها البلدان العربية، من فوضى وحروب وإرهاب، دورا كبيرا في دفع الشباب العربي للهروب بشتى الطرق وعبر كافة الوسائل إلى أوروبا والولايات المتحدة، وحمل الكثير من الطلاب العراقيين والسوريين تلك الأسباب في جعبتهم عند سؤالهم عن أسباب الدراسة بالخارج.

ويرى طلاب كثر أن الحياة الراقية واحترام الحقوق والعيش في مجتمع متحضّر ونظيف كل تلك الأسباب كافية لأن تجعل قرار الدراسة بالخارج سهلا ومحسوما، واُضيف إلى ذلك مؤخرا تدهور مستوى التعليم إلى أدني المستويات.

ويقول عادل السباعي، خبير تربوي ومراجع لدى هيئة ضمان جودة واعتماد التعليم قبل الجامعي في مصر، إن أبرز دوافع الشباب العربي للدراسة في الخارج تتمحور حول الشعور بالحاجة لتنوع مصادر المعرفة العلمية والثقافية، فضلا عن حاجة بعضهم للتخلّص من الضغوط المجتمعية بعد التخرّج، سواء من الأهل أو من نظرة المجتمع بشكل عام، إن لم يعثر على فرصة العمل المناسبة.

مؤسسات علمية

 تابع السباعي، أن تلك النظرة السلبية للخريج العربي في مجتمعه تتحول من النقيض إلى النقيض عند عودته إلى بلاده بشهادة من إحدى الجامعات ذات الترتيب العالمي، في تخصصات قد تكون نادرة في العالم العربي أو تخصصات موجودة بالفعل، لكنها لا تزال حديثة العهد لدى العرب، وتفتح فرص العمل بشكل أكبر، ناهيك عن مميزات مثل تعلم لغة جديدة ومتعة السفر التي يسعى لها الإنسان في سن الشباب.

عادل السباعي:  النظرة السلبية للخريج العربي في مجتمعه تتحول من النقيض إلى النقيض عند عودته من جامعة غربية
عادل السباعي: النظرة السلبية للخريج العربي في مجتمعه تتحول من النقيض إلى النقيض عند عودته من جامعة غربية

وأرجع في تصريحات لـ”العرب”، أسباب وجود فارق شاسع بين الترتيب العالمي لمعظم الجامعات العربية وغيرها في أوروبا وأميركا، إلى تخصيص ميزانية ضخمة للتعليم في الدول المتقدمة، والتي يذهب جزء لا بأس به إلى رعاية البحث العلمي والباحثين، وإن كانوا وافدين من الدول النامية، وهو ما أثبتته تجربة الكثير من هذه الدول، وأن الاهتمام بالتعليم والبحث العلمي قاطرة تنمية حضارية لشعوبها، واستفادت هذه الدول من ثورة تكنولوجيا الاتصالات في تناقل المعلومات والخبرات في ما بين جامعاتها.

وينوّه البعض من الخبراء بضرورة أن تقوم المؤسسات التعليمية العربية بزيادة تنظيم المؤتمرات العلمية للوقوف على أحدث الأساليب والنظم في التعلم، كوسيلة لجذب الشباب، كذلك يحتاج التعليم العربي إلى إصلاح منظومته الإدارية وعلى وجه الخصوص طريقها لتقديم والتنسيق والقبول في الجامعات والامتحانات.

كما ينبغي اختيار المناهج الدراسية القريبة من عقل وتفكير الشباب، بعد أخذ رأي المعلمين الذين يحتكون بالطلاب بصورة مباشرة، لا من خلال أفراد بعيدين عن تدريس هذه المناهج على أرض الواقع، وبذلك يمكن تجنّب أن تكون المناهج موضوعة لقياس الحفظ والتذكر بل قائمة على نظام التقييم والمتابعة المستمرة.

ويوضح السباعي، أن التعليم ينبغي أن يكون في بلادنا العربية أسلوب حياة، لأن هذا ما صنع الفارق بيننا وبين الغرب، الذي رفع من قدر العلم والمعلم فكانت النتيجة واضحة برفع قدر تلك المجتمعات ككل.

ما يضطر البعض من المهاجرين غير الشرعيين لركوب قوارب الموت، لا يقل خطورة عن دوافع هروب الكثير من الشباب والعلماء من أوطانهم، بحثا عن أرض جديدة تقدّر مواهبهم وتمنحهم المزيد في كل شيء، لكن إن كان المهاجرون غير الشرعيين يغامرون بحياتهم هم فقط، فإن الموهوبين يغامرون بحياة أوطان قد تستيقظ يوما ما لتكتشف أن مصدر قوتها الناعمة والأساسية أصبح في خدمة مجتمعات أخرى.

19