الدراما الإماراتية تسعى لتثبيت أقدامها عربيا

"بنت صوغان".. كوميديا مستلهمة من التراث الإماراتي.
الخميس 2021/01/07
كوميديا إماراتية بعيون سورية

تتقدم الدراما الإماراتية بخطى ثابتة نحو ترسيخ هوية ومكانة لها ضمن الساحة الدرامية العربية، محاولة النبش في التراث المحلي وتطويعه لتقديمه كمادة تجذب المشاهد العربي الباحث عن الاكتشاف، والمعتاد على نوعية مسلسلات متشابهة تدفع به إلى منصات وقنوات جديدة لمشاهدة إنتاج تلفزيوني مختلف.

من بين أبرز المسلسلات الإماراتية التي عُرضت خلال هذا الموسم يأتي مسلسل بنت صوغان، وهو من إنتاج مؤسسة دبي للإعلام صاحبة المساهمات الإنتاجية المتميزة على الصعيد الإماراتي والعربي. يدور المسلسل في إطار كوميدي، ويُعاد عرضه حاليا على فضائية الإمارات.

وتولى إخراج المسلسل المخرج السوري عارف الطويل وتأليف الإماراتي جمال سالم. ويعتمد العمل في سياقه على أحداث خفيفة ومُتسارعة، ويزخر بالمفارقات والمواقف الطريفة، وهو يمثل التجربة الدرامية الثانية التي تجمع بين المخرج عارف الطويل وكل من كاتب السيناريو جمال سالم وبطل المسلسل أحمد الجسمي بعد مسلسل “الطواش” الذي كان له مردود جيد على المستوى الإماراتي والخليجي أيضا.

وخلافا للنجم الإماراتي أحمد الجسمي يشارك في المسلسل أيضا نُخبة متميزة من نجوم الكوميديا في الإمارات، بينهم علي التميمي وسعيد سالم ورُزيقة طارش ومنصور الفيلي، إلى جانب مجموعة متنوعة من الوجوه الجديدة والشابة.

متابعة جماهيرية

عودة إلى الأجواء التراثية البسيطة
عودة إلى الأجواء التراثية البسيطة

تدور أحداث المسلسل في قالب مرح حول عصابة إجرامية مكونة من ثلاثة أفراد تعيش في أحد الأحياء الصحراوية النائية. حين يتم الإمساك بأفراد هذه العصابة يقرر أهل القرية إبعادهم عن الحي، ونفيهم إلى مكان آخر. وتتصاعد الأحداث حين يتجه اللصوص الثلاثة إلى حي جديد يمارسون فيه أفعالهم الإجرامية، ويتخفون في شخصيات جديدة ويواصلون أعمالهم في النصب والسرقة.

ويُحسب للمسلسل أنه أتاح الفرصة للعديد من المواهب الإماراتية الشابة التي أثبتت حضورها، واستطاعت الوقوف بثبات أمام النجوم المُخضرمين، من أمثال أحمد الجسمي وعلي التميمي ومنصور الفيلي، ما يشير إلى وجود رغبة حقيقية لتشجيع المواهب الجديدة والطاقات الإبداعية الإماراتية التي تحتاج فقط للرعاية والتشجيع. ويمكن الإشارة أيضا إلى المتابعة الجماهيرية الواسعة التي حظي بها المسلسل عند عرضه أول مرة على شاشة سما دبي، واستقباله اللافت كذلك عبر موقع القناة على الإنترنت، إذ يُعد أحد أكثر الأعمال الدرامية التي عرضت أخيرا جذبا للمشاهدة والتفاعل.

يعود بنا المسلسل إلى الأجواء التراثية البسيطة التي ميزت الحياة في الإمارات العربية قبل ظهور النفط وانتشار مظاهر التمدن الحديثة، حين يأمر القاضي بإبعاد هؤلاء الأشقياء الثلاثة عن الحي بعد أن أتعبوا الجميع بأفعالهم المُشينة، يتولى سويلم (محمد الكعبي) مهمة اصطحابهم إلى وجهتهم الجديدة، فأقرب حي يبتعد عنهم مسافة أميال في الصحراء القاحلة. في هذا الطريق الوعر يستطيع اللصوص الثلاثة عن طريق المكر أن يفكوا وثاقهم ويهربوا من سالم بعد توثيقه بالحبال.

ويقرر الثلاثة معا بدء حياة جديدة في مكان لا يعرفهم  فيه أحد، فيتجهون إلى إحدى القرى القريبة، وهناك يتعرفون على صوغان الذي يؤدي دوره الفنان أحمد الجسمي وابنته شما التي تؤدي دورها الفنانة أمل محمد. تستقبلهم الفتاة شما في بيت والدها اعتقادا منها أنهم مندوبون لأحد الشيوخ الأثرياء، ومن هنا يبدأ الثلاثة مغامرتهم الجديدة والتخطيط لأفعالهم في إطار من المواقف الطريفة والمرحة.

ومنذ الحلقة الأولى في المسلسل ندرك السلوك المنحرف لهؤلاء الثلاثة، غير أن هذا السلوك يشي أيضا بالحمق والتهور. أول هؤلاء اللصوص هو صنكاح ويؤدي دوره الفنان بلال عبدالله، يخطط لسرقة التمر من أحد المزارع، لكنه حين يُكشف أمره يهدد صاحب المزرعة بحرق مزرعته، وينفذ ذلك بالفعل على مرأى من الجميع. أما خمّاس (منصور الفيلي) فقد أقدم هو الآخر على حرق بيت زوجته السابقة لأنها امتنعت عن العودة إليه، على الرغم من أنها أصبحت متزوجة من رجل آخر، أما الثالث وهو قضمة ويؤدي دوره الفنان جمعة علي فقد لجأ لسرقة بيت القاضي، ليتم القبض عليه بسهولة متلبسا بسرقته، ويُقاد الثلاثة إلى السجن.

بيئة تنافسية صحية

المسلسل يمثل توجها جديدا للإنتاج الإماراتي
المسلسل يمثل توجها جديدا للإنتاج الإماراتي

أجاد كل من بلال عبدالله ومنصور الفيلي وجمعة علي أداء شخصيات اللصوص الثلاثة، وصنعوا معا توليفة مميزة من المواقف الطريفة، وإن شاب هذه المواقف الافتعال في بعض المشاهد، إلا أن المُحصلة النهائية جاءت مُنسجمة مع طبيعة العمل وسياقه الذي يتمتع بالخفة والطرافة.

ومن بين الوجوه الشابة التي شاركت في المسلسل برز اسم الفنانة هيفاء العلي التي أدت شخصية قمر، والتي تجمعها باللصوص الثلاثة بعض المواقف. كما تميزت الفنانة أمل محمد في أداء شخصية شما. ومن الأسماء الجديدة برز اسم كل من عيسى كايد وخلف الأحبابي وعبدالله بوهاجوس وخليفة السعدي وعادل خميس وعلي مانع وطارق الغفري وعبدالرحمن الزيدي.

منصور الفيلي: الدراما الإماراتية سجلت خلال السنوات الماضية قفزة في الإنتاج المحلي
منصور الفيلي: الدراما الإماراتية سجلت خلال السنوات الماضية قفزة في الإنتاج المحلي

يمثل المسلسل توجها جديدا للإنتاج الإماراتي الذي يتسم بملامح تميزه عن بقية الإنتاج الخليجي على نحو عام، فهو يتسق مع بيئته ولا يسعى مثلا لطرح قضايا مستوردة بعيدة عن سياق المجتمع كما تفعل بعض الإنتاجات الدرامية الخليجية الأخرى.

وعلى مستوى الطرح الدرامي كان لهذا الموسم نصيب لافت من الموضوعات المتنوعة، والمعالجات الدرامية المختلفة للكثير من القضايا التي تهم المجتمع الإماراتي والخليجي. ويظل الطابع الكوميدي هو المتربع على عرش الإنتاج الإماراتي، فقد شهدنا خلال هذا الموسم وحده أكثر من خمسة مسلسلات كوميدية إماراتية، وهو رقم جيد مقارنة بكم الإنتاج الدرامي السنوي الذي يتسم عادة بالشُح.

وتبرز هنا العديد من النقاط التي تم الالتفات إليها أخيرا في عدد من الأعمال الدرامية المنتجة حديثا، ومن بينها مسلسل بنت صوغان، كالاعتماد على النصوص الأدبية، وتشجيع الوجوه الجديدة لخلق بيئة تنافسية مناسبة وصحية، والاستعانة كذلك بالكوادر الشابة والمتميزة من خارج الإمارات العربية للاستفادة من خبرتها في مجال الصناعة الدرامية.

ولعل السعي لمعالجة كل هذه النقاط من شأنه المساهمة في تسويق تلك الأعمال عربيا وإعطائها الفرصة للمنافسة الجماهيرية الأوسع على المستوى العربي، وهو ما يتطلب جهدا مضاعفا أمام مراكز صناعة الدراما الأخرى في الإمارات العربية.

ويرى بطل العمل الفنان منصور الفيلي أن الدراما الإماراتية قد سجلت خلال السنوات القليلة الماضية قفزة واضحة في مجال الإنتاج المحلي، غير أنه  يُلقي في المقابل باللائمة على الفضائيات والقنوات المحلية التي تُعطي الأولوية لعرض الأعمال الدرامية من خارج الإمارات.

كما وجه الفيلي انتقاداته أيضا إلى الرقابة الشديدة على النصوص الدرامية التي تكبل أيدي كتاب الدراما عن تناول العديد من القضايا، وهو الأمر الذي يأمل أن يتغير في المستقبل القريب.

16